عصيد: تأسيس “الدولة الفيدرالية” بالمغرب ستمهد لدولة الحريات والحقوق

  • 1
    Share

قال أحمد عصيد إن “نجاح النموذج التنموي المرتقب مرتبط بالقطع مع الفساد الذي ينخر البلد”، مطالبا المغاربة حكاما ومحكومين بالنظر إلى المرآة، من أجل التدبر مليا في مسار الازدواجية الذي طبع علاقتها بالتقليد والحداثة، مشيرا إلى أن “الحركات الإسلامية كانت على الدوام عائقا للتطور، بحكم رفضها للجديد”.

وأضاف عصيد، في حوار مع نور الدين إكجان، أن “ورش الجهوية يمضي نحو الفشل بسبب عدم الجدية”، مشددا على أن “الحكم الذاتي لا يلزم الصحراء فقط، بل كل ربوع المغرب، إلى حين التمكن من تأسيس دولة فيدرالية، ووضع دستور جديد يمهد لدولة الحريات والحقوق، وعلى رأسها حق “الاعتقاد” لجميع المواطنين.

إليكم نص الحوار:

البداية من النقاش الدائر بخصوص لجنة النموذج التنموي. أكثر تعليق مثير للجدل هو الذي تقدم به حزب العدالة والتنمية، بخصوص العودة إلى القيم المغربية الأصيلة المتوافق عليها.. ألم يستطع الإسلاميون، بعد 10 سنوات من الحكم، أن يفهموا أن التنمية أكبر من هذا؟

أولا، التنمية لا تهدف قطعا إلى الماديات والمنشآت والأنهار والجبال؛ بل المستهدف الأكبر منها هو الإنسان وعيا وفكرا. دون إنسان قوي لا تنجح التنمية، ولهذا بالنسبة إلى لجنة النموذج التنموي لا بد من إعطاء الاهتمام الكبير للعامل القيمي والثقافي.

أعتقد أن “قول الإنسان ركيزة التنمية” يقصد إنسان اليوم وليس الأمس، في العصر الحالي سنة 2020، وفي إطار مفهوم المواطنة والدولة الحديثة، لذلك كل من يقدم مقترحات خارج هذا الزمن فهو خارج التاريخ.

ومن هنا، فحزب العدالة والتنمية إذا كان يقصد القيم الإيجابية الإنسانية الموجودة في التراث، فهذا سيكون دعامة. أما إذا كان المقصود بهذا هو الأفكار التي يدافع عنها التيار الإخواني، الفقه القديم لمالك وابن تيمية، وكل ما مرَّت عليه قرون عديدة، فهذه ليست تنمية هذا تخريب، لا يمكن أن تقوم التنمية بقيم الماضي.

وأظن أن 10 سنوات من العمل الحكومي كانت كافية لتُعطي هذا الحزب رؤية واضحة حول الفرق بين الحزب السياسي والجماعة الدعوية، ومعنى الواقعية السياسية، بعد أن عرض أفكاره النظرية على محك التجربة. كما أظن أن كل هذه السنوات أبانت له أن الفقه القديم ميت، ونحن بحاجة إلى فقه جديد.

المعطى الإيجابي، الذي يمكن أن يقوم به “البيجيدي”، هو أن يحرك نخبته المتخصصة في الدين، لكي تبدع فقه المواطنة والحرية ودولة القانون، إن لم يستطع فهو بذلك ضمن عناصر الجمود وأحد عوائق الإقلاع. من أكبر عوامل التأخر هو الحركات الإسلامية وأحزابها، لأنها تعرقل الانتقال الديمقراطي والتطور، بمعاكستها كل مرة للقيم الجديدة.

“البيجيدي” إذا نجح سنة 2011، فلأنه قدم وعدا للمغاربة بمحاربة الفساد؛ لكنه في النهاية فشل في ذلك، ولو كان قد نجح سيكون فعلا قد ساهم في بناء النموذج التنموي. أما العودة إلى قيم تخلق التنافر بين المجتمع والدولة، فلا أعتقد أنها ستساهم في التنمية.

كيف تفسر عدم قدرة الأحزاب السياسية على طرح بعد حداثي واضح المعالم أمام لجنة التنمية، في مقابل شجاعة المحافظين في التشبث بمواقفهم؟

ما ينقص الأحزاب المحافظة ولا الحداثية هي النزاهة والديمقراطية، لقد فقدت استقلال قرارها، إلى درجة أن بعض الرؤساء والأمناء أصبحوا ينجحون بإيعاز من جهات أخرى. تنظيمات تنظر ما ستقوم به على الدوام، من الصعب أن تصبح مبادرة وتعطي البديل، لهذا تنقصها الشجاعة والاستماع إلى القواعد خاصة الشباب والنساء.

كما أن الأحزاب أصبحت تشعر بأن تعاقدها الأكبر هو مع القصر، لا يهمها المنخرطون والقيم، ماذا يريد الملك والقصر، أين الاتجاه العام للدولة، لكي تقول آمين.

المشروع البديل لا يمكن أن ينجح إن لم تكن لدينا الشجاعة لنقول للحكام أين هو مكمن الخلل والتقصير.. لدينا مشكل في سلطوية الدولة، احترام القانون ضروري. لا يمكن أن يكون النموذج بوجود مقرر لا يحاسب، وهذا مع الأسف لا تطرحه الأحزاب السياسية.

وهذا ما يفسر، في نظري، تذمر المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن استشارت اللجنة مع الأحزاب، وتساءلوا هل سنعيد نفس السيناريوهات، على الرغم من أنه من وجهة نظري من اللازم أن تلتقي اللجنة مع الجميع؛ لكن عليها أن تنال منهم القيمة المضافة، وما جرب سابقا وأثبت فشله لا يمكن الأخذ به.

بالنسبة إلي، لا بد من طرح إصلاح عميق على مستوى الإدارة، وتبني مقاربة جذرية في علاقة مع قطاع التعليم. العطب الأكبر هو التعليم، وعلى اللجنة أن تنظر إلى إثيوبيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية، وكيف مكنها تعليم جيد من مواطن منخرط في مشروع الدولة.

من أكبر عوائق التحديث التي يطرحها “الصف الحداثي”، هناك نمط تدين المغاربة، أي دور للدين في النموذج التنموي المرتقب؟ هل الدولة قادرة على القطع مع تسلسله إلى تدبير الفضاء العام؟

العامل الثقافي جوهري في النموذج المقبل، من بين العوامل هناك الأديان، فنحن بلد فيه تعددية دينية يجب أن تحترم، كما أن هناك تعددية لغوية يجب أن تحترم، بالنسبة إلى الدين فهو عبارة عن نصوص لا تنطق، لا تعطي أحكاما مباشرة، الإنسان هو الذي يقرأ النص، ومشكلنا هو هذا الوسيط الفقهي.

الفقهاء لا ينتبهون إلى السياق الحالي، ولا إلى سياقات النزول، لا يهمهم الدستور ولا الدولة، بمعنى الدماغ يعلوه الغبار، ولا يشتغل سوى وفق ما يراه مالك. لا يمكن وضع نموذج تنموي بتصور سلفي للدين، يجب على الدولة أن تنتج فقهاء متنورين يعطونا جوابا حداثيا.

الجواب التراثي لم يستطع أن ينتج جوابا، ولهذا هناك تعاطٍ فردي مع قضايا الحداثة في القانون الجنائي مثلا، ما الذي يمنع من التعديل هو توظيف الدين من السلطة والتيارات الدينية. القانون مفارق لرغبات الناس، فهم يتصرفون خارج القانون، والدولة بدورها تغض الطرف عما يمارسونه، لأنها تدرك أن ذلك من حريتهم على الرغم من القانون، لكن في حالة التصفية السياسية فذلك حديث آخر.

عائق المزاوجة بين الحداثة والتقليدانية يعتري مستقبل النموذج التنموي.. هل يمكن الخروج من الأزمة الحضارية بقطيعة نهائية مع منطق اللعب على الوترين، أم على الدولة التكيف معه كواقع اجتماعي قائم؟

أي مشروع تنموي مغربي لا يمكن أن ينجح إذا بقيت الدولة مزدوجة بين التقليدانية والحداثة.. لهذا، فشلت جميع المشاريع، من 1956 إلى الآن، نكرر ونجتر الفشل، الدولة لا تعرف ما الذي تريده حقيقة، لسنا في دولة المخزن التقليدي القائمة قبل سنة 1912، ولا يمكن العودة، كما أنها لم تستطع التوجه إلى الدولة الحديثة.

المعرقل هو عيش المؤسسات بدولة حديثة؛ لكن بروح المخزن التقليدي، الذي يشتغل بالهواتف والتعليمات الشفوية، ولا يحترم القانون، لا يقبل بالمكتوب، هذه الازدواجية كيف سينجح مشروعها يستحيل. المغاربة حكاما ومحكومين عليهم أن يقفوا أمام المرآة، وينظروا إلى مسار الازدواجية الحالي.

علينا الحسم، نحن أبناء اليوم ولا يمكننا العودة إلى الوراء. ازدواجية الدولة أعطتنا ازدواجية التعليم، درس التربية على المواطنة يلقن الطفل حقوق الإنسان؛ لكن حصة التربية الإسلامية تلغي كل ذلك، لأن منطق الجماعة الدينية هو السائد، دروس الإخاء في هذه المادة تقتصر على المسلمين فقط وليس مع الإنسانية.

ازدواجية التعليم خلقت تشظيا في شخصية المغربي، كما الدولة تماما هي مرتبكة: اعتقال الصحافيين ثم العفو عنهم، المتابعة في حالة اعتقال ثم المتابعة في حالة سراح، هذا ارتباك؛ لأن بداخلها هناك صراع بين القديم والجديد، وأتمنى أن ينتصر هذا الأخير. وربما النموذج التنموي الجديد هو آخر فرصة بالنسبة إلينا.

المغاربة تعبوا، إذا كانت السلطة تريد تضييع الوقت فهذا ليس في صالحها، لأنه يفتح مواجهة مباشرة بين المجتمع وبين السلطة، وبوادرها بارزة للعيان، في غياب الوسطاء الحقيقيين، وهذا حقيقة لا نريده لبلدنا، نريد أن نبني وطننا بعقلانية، فعلى الرغم من أن العديدين يقولون المغرب مستقر؛ لكن السؤال هو هل هذا الاستقرار نابع من الترسيخ الديمقراطي، أو القبضة الحديدة وعنف السلطة. استقرار المغرب غير طبيعي؛ بل هش.

المؤرخ عبد الله العروي اعترف بصعوبة استمرار نموذج الدولة الوطنية، والملك أيضا طرح ورش الجهوية المتقدمة.. كيف يمكن أن يبني النموذج التنموي الجديد، “دولة الجميع”؟

الدكتور عبد الله العروي كان محقا عندما قال إن نموذج الدولة الوطنية التقليدية، وهذا الخطاب تبنيناه منذ مدة طويلة جدا، لم يعد ممكنا التعاطي مع المجتمع بشكل مركزي. الدولة تتحدث عن الحكم الذاتي منذ 2005، وافتتحت ورش الجهوية، وأنا شخصيا قمت بما يقرب 22 محاضرة حول الموضوع.

ركزت دائما على العامل البشري والثقافي؛ لأن لجنة عزيمان أغفلت هذين العاملين.. لا يمكن قيام الجهوية دون استحضار التاريخ والثقافة، لأن لكل جهة شخصيتها، وبهذا المعطى تمنح للوطن. لا يمكن العودة إلى القبيلة؛ لأننا بنينا الدولة الحديثة لتفكيك الوعي القبلي، نريد تقوية الدولة المغربية، في ظل جهوية متقدمة موسعة، ثم حكم ذاتي للجهات، ثم دولة فيدرالية مغربية. الحركة الأمازيغية كانت هي السباقة لطرحها، ثم تبعها جزء من اليسار.

هناك تحايل على الجهوية؛ لأن الدولة المركزية، بهاجسها الأمني وتقطيعها الترابي، لا تذهب إلى الجهوية، لأنها تريد الهيمنة والسيطرة، والعامل الاقتصادي مهم جدا في هذا الأمر، لأن هناك لوبيات مركزية تريد الاستيلاء على خيرات الجهات، دون أن يستفيد السكان. استغلال الموارد، دون احترام الإنسان، هو سبب تأخر الجهوية.

من جانب آخر، النخب الجهوية يجب أن تخرج من وصاية المركز، كما أن الناس في مختلف بلدات المغرب عليهم أن يدركوا أن النجاح غير مرتبط بالقدوم إلى المركز دائما. السياسة الحالية غير جدية في علاقة مع الجهوية، ولما تتوفر سنطبق الحكم الذاتي في الصحراء، ومعه كذلك في مختلف الجهات الكبرى بالمغرب، وهي ليست 12 بل 6. ومن خلال هذا سنؤسس دولة فيدرالية ستأتينا بتعديل دستوري، يمكننا من نيل الحقوق والحريات، وعلى رأسها أم الحريات “حرية المعتقد”.

جرت العادة أن تشرف بعض النخب الثقافية على وضع إستراتيجيات كثيرة، لكن غالبا ما يكون مصيرها هو الفشل.. ألم يستطع المثقف تشخيص الوضع بشكل جيد، أم أن رهانات السلطة أكبر منه؟

الشخصيات الوطنية الوازنة ليست هي المسؤولة، يمكن أن نأتي بأكبر شخصية محترمة في البلاد، ونضعها في النسق السياسي الحالي، سيتعرض للعنف اللفظي من الناس، مشكلتنا هي الفساد العام، لا يمكن بناء الدولة بـ10 أشخاص، بل بقرارات تاريخية، وعلى سبيل المثال إعلان الحرب على الفساد والمفسدين.

ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرجاع أموال المعادن إلى بنك المغرب، وإقصاء المفسدين من المسؤولية، لا يمكن التقدم دون هذا، المطلوب هو إصلاح جذري من المحكومين والحاكمين، لأننا نجتاز لحظة عصيبة.

حاوره: نور الدين إكجان

Source


  • 1
    Share
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments