حتوس: آليات اشتغال الحركة الأمازيغية متقادمة لا تساير الزمن السياسي الحاضر

  • 1
    Share

قال الباحث والفاعل الأمازيغي، عبد الله حتوس، إن ” الحركة الأمازيغية لم تعد قادرة على مسايرة الإيقاع، وتجاوزتها الأحداث”، مشيرا في حواره مع جريدة “العالم الأمازيغي” إلى أن” آليات اشتغالها متقادمة ولا تساير الزمن السياسي المغربي الحاضر”.

وأضاف المتحدث:”لا يمكن للنخبة الأمازيعية أن تواجه الأسئلة المطروحة عليها بالهروب إلى الأمام أو تأجيل الإجابة عليها إلى أجل غير مسمى. لأن نفس الأسئلة المعلقة التي حالت بينها وبين القراءة العقلانية والمتبصرة للسياسة الجديدة للدولة حيال الأمازيغية سنة 2002 وما بعدها، هي التي ساهمت بشكل كبير في فشل خمس محاولات لتأسيس جناح سياسي أمازيغي”.

بعد تسع سنوات عن الترسيم،  كيف تنظرون لواقع ومستقبل الأمازيغية والحركة الأمازيغية بالمغرب؟

هناك الكثير مما يمكن قوله، لكنني أعتقد بأنه لفهم ما يجري ويدور يجب التمييز بين واقع الأمازيغية كلغة وثقافة وهوية وبين واقع الحركة الأمازيغية بتنظيماتها وفعالياتها وخطابها. فواقع الأمازيغية تحسن بشكل كبير مقارنة مع ما كان عليه الأمر منذ الاستقلال إلى حدود سنة 2002 مع إحداث المعهد الملكي للثقافة الامازيغية وأصبحت في وضع أحسن مع ترسيم اللغة والثقافة الأمازيغيتين في دستور 2011 ، مع العلم أن الأخطار لا زالت متربصة بها من كل جانب. أما الحركة الأمازيغية التي كانت وراء ما عليه الأمازيغية  فقد تجاوزتها الأحداث ولم تعد قادرة على مسايرة الإيقاع، فخطابها بقي حبيس زمن تهميش وإقصاء الأمازيغية وآليات اشتغالها متقادمة ولا تساير الزمن السياسي المغربي الحاضر.

قبل ثلاث سنوات أشرت في مقال لي  تحت عنوان ” إلى أين تسير الحركة الأمازيغية ” إلى ما يلي : “… اليوم وأمام كل المياه التي سارت تحت الجسر، وبعد ما تغير في المشهد منذ سنة 2001 وترسيم الأمازيغية سنة 2011، لم تجدد مكونات الحركة الأمازيغية قراءتها للواقع المغربي والدولي، واختلط لديها ما هو تكتيكي بما هو استراتيجي والغايات بالوسائل. هناك الكثير من ما يجب مراجعته في الخطاب الأمازيغي، بدءا بالسؤال المؤسس “من نحن؟” وصولا إلى تحديد “ماذا نريد؟”. أهمية إعادة التفكير في سؤال الهوية نابع من حاجتنا إلى إجابات في خدمة بناء المواطنة والعيش المشترك في وطن ديمقراطي، إنه البوصلة التي بدونها قد نختار الطريق الخطأ في أحسن الأحوال والجحيم سبيلا في أسوئها. من شأن تلك المراجعات أيضا تخليص الحركة الأمازيغية من الأثقال الزائدة عن اللزوم، لا يمكنها أن تتحمل ملفات الحكم الذاتي والعلمانية وغيرها من الملفات التي زرعت في جسمها حتى أصبحت أشبه بحصان طروادة. الفاعل الأمازيغي اليوم أشبه بمن يريد تشغيل سفينة شحن كبيرة باستعمال محرك سيارة من الحجم الصغير.. الحركات التي لا تقرأ جيدا تفاصيل زمنها السياسي ولا تملك شجاعة مراجعة ما يمكن مراجعته ولا تبادر، تسقط تلقائيا في الإنتظارية وتبحث عن المبررات لتفسير عجزها عن حل أزماتها. علما بأن الأزمة ليست بالضرورة كارثة ومصيبة، فالكثير من المبادرات والأعمال الكبرى خرجت من رحم الأزمات”.

 مناضلون أمازيغ  أعلنوا “ابتعادهم” عن النضال من داخل الجمعيات وعبروا عن نيتهم الالتحاق بالأحزاب السياسية؟ كيف تقرؤون هذا التحول؟

أعتبر حق المشاركة في الحياة السياسية والحزبية حقا مقدسا لكل شخص، وبالتالي وجب  علينا جميعا احترام حق الأفراد في الانخراط في الشأن الحزبي بالطرق التي تلائمهم، هذا في ما يخص الشق الأول من سؤالك. أما قراءتي المتواضعة للموضوع، فلا تخرج عن ما أسميه بنتائج أزمة الخطاب والممارسة في ارتباطها بفشل نخبة الحركة الأمازيغية في استباق لحظة الانتقال من زمن إنكار الدولة للحقوق الأمازيغية إلى زمن الاعتراف بها وبداية مأسستها. لقد كان من نتائج ذلك بقاء العديد من الأسئلة بلا أجوبة لدى جماهير الحركة، التي لم يكن لها من الأدوات الفكرية ما يلزم لفك طلاسيم وفهم وتملك لحظة الانتقال. الشيء الذي ساهم في فشل كل المبادرات الحزبية الامازيغية إلى حدود اليوم.

لا يمكن للنخبة الأمازيعية أن تواجه الأسئلة المطروحة عليها بالهروب إلى الأمام أو تأجيل الإجابة عليها إلى أجل غير مسمى. لأن نفس الأسئلة المعلقة التي حالت بينها وبين القراءة العقلانية والمتبصرة للسياسة الجديدة للدولة حيال الأمازيغية سنة 2002 وما بعدها، هي التي ساهمت بشكل كبير في فشل خمس محاولات لتأسيس جناح سياسي أمازيغي. ونفس الأسئلة ستواجه الإخوان والأخوات الذين يبحثون عن حزب يلتحقون به. كل ما يمكن أن أضيفه، هو متمنياتي لهم بالتوفيق فمن بينهم مناضلون قدموا الكثير للقضية الأمازيغية.

هل في نظركم إعلان بعض مناضلي الحركة الامازيغية نية الانخراط في الأحزاب السياسية هو “استسلام” وعدم قدرة هؤلاء في  تأسيس أحزاب سياسية ذات مرجعية أمازيغية؟

لا يمكن لي أن أطلق الأحكام على مجهودات الغير، علما بأن بعض مناضلي الحركة الأمازيغية الذين انخرطوا كأفراد في بعض الأحزاب وتقلدوا مناصب في مكاتب بعض الجهات والجماعات الترابية نجحوا في المزاوجة بين قناعاتهم النضالية ومسؤولياتهم الحزبية. الآن نحن أمام محاولة غير مسبوقة، محاولة الانخراط الجماعي كمجموعة متجانسة أو تيار أمازيغي في هذا الحزب أو ذاك، هذا يطرح سؤال الاستعداد لدى الأحزاب السياسية في قبول مبدأ التيارات وقدرتها على تدبير وجود تيار أمازيغي متمرس على النضال الجمعوي داخلها.

ما أريد أن أركز عليه في سؤالك، هو مسألة الفشل في تأسيس أحزاب سياسية ذات مرجعية أمازيغية، أريد فقط التذكير بما سبق لي أن قلته في أكثر من مناسبة بشأن الجناح السياسي الأمازيغي، لأنني أعتقد أنه من اللازم الرجوع إلى فشل المبادرة الأصل سنة 2007 والمسماة مبادرة العمل بجناحين “جناح سياسي وجناح ثقافي”، كمفتاح لفهم ما يجري ويدور. لقد طرحت ورقة العمل بجناحين من طرف الأستاذ حسن إدبلقاسم على أشغال اللجنة التحضيرية للندوة الوطنية حول إستراتيجية التنسيق الأمازيغي التي انخرطت فيها كل فعاليات النخبة الجمعوية الأمازيغية وكان مزمعا تنظيمها يومي 29 و 30 مارس 1997 ، وقد انقسم حولها أعضاء اللجنة بين مدافع عن حق صاحبها في طرحها على أشغال اللجنة وبين معارض لطرحها بدعوى أن ندوة الإستراتيجية لا تحتمل مثل هذا النقاش الذي من شأنه الانحراف عن الهدف الأساسي للندوة ألا وهو تقوية التنسيق الوطني بين الجمعيات الأمازيغية والانتقال به إلى مستويات أرقى خدمة للقضية الأمازيغية. يوم 15 مارس 1997 ، عقد اجتماع بمقر أمريك لوضع اللمسات الأخيرة قبل الندوة، التي اتفق على تنظيمها  بمركز المعمورة بالرباط. كان الجو مكهربا ومتشنجا، استمر النقاش حول القضايا الخلافية إلى ساعة متأخرة من الليل، أخذت الأمور منحى مدمر لكل ما تم بناءه منذ سنوات ألا وهو الثقة بين أفراد النخبة الأمازيغية. بشأن ما جرى تلك الليلة ودمر الثقة بين فعاليات التسيق الوطني الأمازيغي يرجى الرجوع إلى مذكرات الراحل إبراهيم أخياط ” الحركة الأمازيغية كما عشت ميلادها وتطورها”، كما نشرت مقالا أشرح فيه ما حصل كشاهد حي على ما وقع وكعضو في اللجنة التحضيرية لتلك الندوة، المقال نشر بدورية “نبض المجتمع”، تحت عنوان” الجناح السياسي الأمازيغي كما عشت ولادته ميتا .

لم يكن اجتماع يوم 15 مارس وحده الذي انفجر، بل انفجرت أمور كثيرة تلك الليلة، وماتت أخرى وهي لم تولد بعد، ومن ضمنها الجناح السياسي. يبحث الكثير من نشطاء الحركة الأمازيغية عن أسباب فشل نشطاء الحركة في تأسيس حزب مهما كان صغره حجمه رغم الحجم الكبير للقضية والحركة الأمازيغيتين، يدفعون في اتجاه هذه الفرضية أو تلك، يضربون الأخماس بالأسداس، وفي الأخير يفشلون في مسعاهم لتفسير الفشل ؛فشل يكمن في هروب النخبة من مجهود الإجابة عن الأسئلة المعلقة منذ سنة 1997 وأضيفت إليها أسئلة أخرى طيلة العقدين الموليين. لا يمكن أن يبنى فعل جماعي أمازيغي على أساس متين في غياب الثقة بين فعاليات الحركة، ولا يمكن أن تبنى الثقة بترك سؤال سبب فقدانها، سنة 1997 وما بعدها، معلقا.

من جهة أخرى، ما هو رد فعلكم اتجاه القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات و الثقافة المغربية الذي أصبح المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بموجبه فاقدا للاستقلالية و للصفة الاستشارية؟

النخبة والجماهير الأمازيغية الآن في مفترق الطرق، قطار المأسسة بكل أعطابه وعيوبه انطلق ولن ينتظرها. الآن نحن أمام معطى جديد اسمه “أمازيغية الدولة”. على مكونات الحركة الأمازيغية أن تختار بين ركوب القطار ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه وهو في طريقه إلى محطته المقبلة، أو انتظار قطار آخر لا علم لها بوجوده وقد لا يكون موجودا أصلا وتستحيل صناعته، ما دامت الحركة الأمازيغية لا تتوفر على الإمكانيات اللازمة لذلك.

كما أن ركوب قطار المأسسة ليس بالأمر الهين، فالأمر يتطلب استعدادا فكريا ونفسيا كبيرين، لا يمكن أن تركب القطار وأنت تعاني من فوبيا القطارات، لا يمكنك أن تركب القطار وأنت ترفض العيش المشترك مع المسافرين على متنه مهما كان اختلافك معهم. كما لا يمكن للكثير من فعاليات الحركة الأمازيغية ركوبه وهي لا ترغب أصلا في الوصول إلى محطته المقبلة، فهي مرتاحة في رحاب خطاب زمن الإنكار وترفض المأسسة وتعتبرها محاولة لتدجين الأمازيغية واستدراجها إلى انقراض حتمي.

الذين سيركبون وسيجدون لهم أماكن على متن القطار، هم أولئك الذين ربحوا معركة التغيير مع الذات ومعركة تغيير الخطاب والبحث الجدي عن آليات جديدة للاشتغال؛ دون أن يعني التغيير تنازلا عن الثوابت والهدف الإستراتيجي: إنصاف الأمازيغية بكل أبعادها ومصالحة الوطن مع ذاته، وتحرير الإنسان من الاستلاب والدونية والتخلف ارتكازا على وعيه بذاته وتمتعه بلغتة وثقافته وهويته.

حاوره/ منتصر إثري


  • 1
    Share
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments