الصافي مومن علي…المفكر الأمازيغي

  •  
  •  
  •  
  • 229

ازداد الأستاذ الصافي مومن علي بدوار أملن التابع لنفوذ قبيلة أيت مزال بأكادير سنة 1949، وعندما بلغ السنة الخامسة من عمره انتقل إلى مدينة الرباط التي تابع بها دراسته انطلاقا من الكتاب القرآني إلى غاية التعليم الجامعي العالي حيث حصل على الإجازة في القانون من كلية الحقوق وهو الأمر الذي خول له الالتحاق بالمعهد العالي للقضاء الذي تخرج منه قاضيا، وعمل بهذه الصفة بعدد من المحاكم في عدة مدن مغربية لمدة قاربت العشر سنوات ليقرر بعدها تقديم استقالته من السلك القضائي والالتحاق بمهنة المحاماة.

رغم تواجده واستقراره بمدينة الرباط، لم ينس انتماءه الهوياتي الأمازيغي وظل يراقب وضعية لغته وثقافته الأمازيغية خاصة وأن محيطه ينظر إليه كرباطي وليس كأمازيغي يملك خصوصيات ثقافية واجتماعية مغايرة. وسيزداد لديه حضور هذا الهاجس الهوياتي الأمازيغي حين تمدرسه بسلك الباكالوريا، إذ حدث أن أستاذ مادة الفلسفة وهو يلقي درسه في موضوعة الفلسفة اعتبر اللغة الأمازيغية لغة بدائية لا مستقبل لها، وللتدليل على هذا الرأي، سأل أستاذ مادة الفلسفة تلميذه الصافي مومن علي عن مقابل كلمة “الحدس” في اللغة الأمازيغية، ليجيبه التلميذ بأنه لا يعرف. لكن الأمور لم تقف عند حدود جدران القسم الدراسي، إذ سيقوم التلميذ الصافي مومن علي بنقل سؤال أستاذه إلى أقاربه ومعارفه من العارفين باللغة الأمازيغية ليجيبه هؤلاء بأن مقابل كلمة “الحدس” في اللغة الأمازيغية موجود ومتداول وهو: agmman. هذا الجواب كان كفيلا بعدم أخذ التلميذ برأي أستاذه والاقتناع كلية بأن الأمازيغية ليست لغة بدائية بل إنها لغة فكر وحضارة، ومنذئذ سيشتغل الأستاذ الصافي مومن علي بكل الأسئلة ذات الصلة بالأمازيغية كلغة وكثقافة وكهوية وكتاريخ وكقضية مما سيجعله منخرطا منذ فترة مبكرة في كل المبادرات النضالية التي استهدفت إعادة الاعتبار إلى اللغة والثقافة الأمازيغيتين بالمغرب ومن ذلك انضمامه إلى الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي بالرباط والقيام بعدد من الأنشطة داخلها مما ساهم في خلق وعي عصري بقضية الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية بالمغرب.

شكلت إذن هذه الواقعة المدرسية التي كان بطلها مدرس مادة الفلسفة بداية تفكير الصافي مومن علي في السؤال الهوياتي بالمغرب،فلم يكتف فقط بفهم هذا السؤال، بل بادر بكل ما أوتي من مبادرات وأفكار وإمكانات إلى الانضمام إلى الدينامية المدنية التي دعت ومنذ نهاية الستينيات إلى إعادة الاعتبار للغة والثقافة بالمغرب، وهذا ما تبينه بكل وضوح كل المجالات التي أبدع فيها الأستاذ الصافي مومن علي وترك بصمته واضحة فيها.

ففي المجال الأدبي والفكري، يعتبر الأستاذ الصافي مومن علي من مؤسسي فعل الكتابة بالأمازيغية في المرحلة الحديثة خاصة في ميدان الكتابة النثرية أو السردية بعد أن سادت الإصدارات والكتابات الشعرية على مستوى هذه الكتابة، في هذا الإطار يعتبر نصه المسرحي “أوسان صميدنين” الصادر سنة 1983 أول نص سردي ومسرحي صادر في مجال الأدب المكتوب بالأمازيغية في المغرب تلته بعد ذلك ترجمته إلى العربية بعنوان:”الأيام الباردة” سنة 1984 وهي المسرحية التي قام المخرج المرحوم عبد الله أوزاد بإخراجها. كما شكلت قصته المطولة المعنونة ب:”تيغري ن تبرات” الصادرة سنة 1993 عنوانا بارزا في هذا المضمار. علما أن له كتابات نثرية ينتظر أن ترى نور الإصدار كذلك ومنها: ريغ أد زرغ أكليد (رواية) وتاماوايت ن ؤدرار المسرحية التي مثلتها فرقة تافوكت للمسرح الأمازيغي. ويبقى المجال الفكري والحجاجي أهم مجال قدم فيه الأستاذ الصافي مومن علي إسهامات نوعية وذلك بحكم تكوينه القانوني وكذا بحكم اهتماماته الفكرية والفلسفية بحكم قراءاته وتحليله للعديد من المؤلفات في مجال الفكر الفلسفي حيث سعى إلى استثمار كل الأدوات والآليات التي أنتجها الفكر الفلسفي العالمي للدفاع عن القضية الأمازيغية، ومن كتاباته في هذا الإطار: الوعي بذاتنا الأمازيغية (1996)، الأمازيغية تحاور الوزير الأول (1998)، خطابات إلى الشعب الأمازيغي (2002) وكلها كتابات فكرية تستند إلى مرجعية فلسفية واضحة وجلية. كما يندرج ضمن هذا الإطار كتابه التأملي “أغاراس ن وورغ” أي الطريق الذهبي والمنشور باللغتين الأمازيغية والعربية والذي نال جائزة الثقافة الأمازيغية. دون إغفال عدد من كتاباته ومقالاته التي اتخذت شكل مرافعات قانونية بطابع حقوقي واضح تناول خلالها عددا من القضايا والأسئلة ذات الصلة بالأمازيغية كهوية أو ثقافة أو لغة أو حقا هوياتيا مشروعا، وهي المقالات المنشورة بعدد من المنابر الإعلامية المعروفة.

أما في المجال الفني، فالكثير لا يعرفون أن الأستاذ الصافي مومن علي فنان تشكيلي وملحن وموسيقي ماهر، له بصمات واضحة في إعداد وإخراج “أنطولوجية فن الروايس بسوس” بتعاون بين الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي وبين وزارة الثقافة، كما قام بتلحين العديد من قصائد كل من الشاعرين علي صدقي أزايكو وإبراهيم أخياط، دون إغفال دوره البارز في تأسيس فرقة أوسمان الموسيقية والإسهام في تأطيرها للاهتمام بالأمازيغية والارتقاء بالفن والموسيقى الأمازيغيين وتطويره. وهو كذلك فنان تشكيلي وكاريكاتوريست شهدت جريدة “أدرار” للمرحوم حمزة عبد الله قاسم نشر عدد من رسوماته الكاريكاتورية حول وضعية الإمازيغية. ظل إذن هاجس تطوير الفن الموسيقي الأمازيغي شغلا شاغلا بالنسبة إليه، وهو ما جعله يعمل على إبداع أول لوحة فنية للروايس في شكل جوق فني إضافة إلى إشرافه ومواكبته لعدد من مهرجانات الأغنية الأمازيغية العصرية. أما في المجال السينمائي، فقد أسهم في إنتاج فيلم أمازيغي بداية السبعينيات يحمل عنوان:”بوتخزانت”. كما أعد قصة وسيناريو لفيلم بعنوان:”ئمي مقورن”.

على المستوى النضالي، ومنذ انضمام الأستاذ الصافي مومن علي إلى الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي اشتغل في عدد من هياكل الجمعية سواء على مستوى مكتبها ومجلسها الوطنيين وكذا على مستوى فرعها بالرباط مساهما في كل الأنشطة والتظاهرات التي نظمتها هذه الجمعية، طبعا إلى جانب مشاركته في أنشطة الحركة الأمازيغية بالمغرب من قبيل أنشطة واجتماعات المجلس الوطني للتنسيق بين الجمعيات الأمازيغية وأيضا مختلف أنشطة الجمعية الثقافية لسوس بالدار البيضاء. وإبان تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، تم اختياره عضوا بمجلس إدارته.


  •  
  •  
  •  
  • 229
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments