أطياف السندباد الأيديولوجي


اطلعت على النص الذي تضمنه الاختبار الجهوي الموحد و الذي ما زالت المؤسسات التي استعدته تصر على نفي الذاكرة و التضحية بالوجود الموضوعي للثقافة الأمازيغية الضاربة بجذورها في التاريخ، و بعد العودة إلى النص الأصلي المنشور في مجلة عودة الحق، انتهيت إلى كونه نصا قد يكون ذا أهمية كبرى تأريخية للإحالة لخطاب أيديلوجي طمس كل معالم الفرادة و مارس الإغفال إزاء الجذور الثقافية الأمازيغية، و ذا قيمة علمية في معرفة خطابات الإعلام الثقافي المغربي السائدة في الخمسينات و ما بعدها إذا استحضرنا أن النص كان منشورا في الأصل في مجلة “العربي” و أن المجلة هي التي أعادت نشره لقيمته كما ورد في تقديم محرريها ، كما يتيح معرفة مستويات و حدة العنف المعرفي الذي مورس على الثقافة الأمازيغية بالمغرب، و المتمثلة في تقديم كاتب هذه المقالة بلاد المغرب مجردة من كل العلامات و العناصر الثقافية الأمازيغية، إذ يجد القارئ نفسه و هو يرمم صورة المغرب في المقالة أمام مغرب متخيل مفارق للواقع تشكل في رحم الإيديلوجيا، إذ يحتقر الكاتب عبد الرحمان المنجد الطبخ الأمازيغي و يعتبر الكسكس طعاما محتقرا، مثلما يعتبر الموسيقى الأمازيغية بدائية و يعتبر الملحون و الموشحات الأندلسية هي ” الصحيحة ” في توصيف لا أعلم مدى وجاهته في النقد الموسيقي، ويقدم البنايات و المعمار الأمازيغي الطيني في صورة فجة بوصفه كما زعم لا ينفذ إليه نور ولا ينسم فيه هواء، إن حدة هذا العنف تتضح في عدم ذكر الأمازيغ في كل فقرات النص، لكن مضمره يشي برؤية تنفيهم خارج مراكز التمدن…إنهم القرويون البعيدون عن قواعد السلوك الحديث.

إن النص قد يكون وثيقة خصبة للبحث الصورولوجي في الدراسات الثقافية و وثيقة لدراسة سطوة مشرق يعيش التعالي إزاء الشمال الإفريقي، و سلطة المؤسسات الثقافية و الإعلامية للمركز إزاء الهامش و إزاء المعاش و الذاكرة الثقافية، وقد توضح ذلك إنطلاقا من طمس الكاتب للحدث التاريخي لطارق ابن زياد و نسبته لعبد الرحمان الداخل صقر قريش وصقر دمشق كما وسمه الكاتب على سبيل الاحتفاء و التمجيد ، وهو ما حاول واضعوا الاختبار تجاوزه عبر تصرفهم الذي تم بمقتضاه استبدال ” عبد الرحمان الداخل” ب” طارق ابن زياد” و استبدال ” مملكة الفردوس المفقود ” ب ” الدولة العربية ” ، و استبدال ” الافرنج ” ب” العدو” …

إن الإبدال أو البراديغم الذي تحتاج إليه البنية الثقافية السائدة هو خلق القطيعة مع المحو والهيمنة و الأهواء الأيديولجية و خطابات الانفعال، إبدال التعدد الثقافي و الاختلاف و العيش المشترك و الاعتراف، الذي يقتضي المعرفة العلمية و المراقبة المنهجية للخطاب ،اللغات قدر كما قال عبد الفتاح كيليطو أما الخطاب فهو فعل حرية و حيز اختيار، ومن الضرورة الذهاب بهاته الحرية إلى أحيازها الأكثر وعدا بالحياة و طلبا للصفح و تأسيسا للاعتراف، كي لا تتحول المدرسة المغربية إلى مرتع للأوهام الأيديو لجية ، وكي تصون معناها الأسمى كمدرسة و هويتها كمدرسة مغربية للجميع منبثقة من تربة ثقافية و منفتحة على ما يشهده محيطها الثقافي و المؤسسي من انعطافات و تحولات.

في مثل هاته السياقات ، لا عزاء غير أن يدندن الكائن بأغنية ” tillas ” للمجموعة الشامخة ازنزارن، فهي أبلغ دلالة و أكثر بيانا لما نعيشه و ما عشنا وما يعتمل في الأعماق، تقول الأغنية:
tillas ad nkka tiyyad adnoufa mdintagh
manik arayisfiw aymmi warraw nm
noufad lhya immout noufad laman izoug
mamnk ra tnjmt i tawdiwin awoul
laakl igan lmizan irayas nsrs
lhakk d lbadl atn ismkilil
laakl ariswingim sawln nnaniyid
lhak imdlt oukarid ig fllas ismkan
أتينا من ظلمة و ألفينا
ظلمة أخرى تترصدنا
فكيف لصغيرك
يا أماه أن يرى
أية طريق تفضي بي
إلى سدة المبصرين
وجدنا الحياء ميتا
و الأمان منفيا
فكيف لك يا قلبي
أن تنجو من الأهوال
العقل مكيال
لنزن فيه الحق و الباطل
العقل بعد طول تفكير
قال لي
الحق دفنه المال
و أقام على قبره
الحراس. *

أحمد بوزيد : كاتب

* ترجمة تقريبية للمقطع الشعري.


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments