من مكر التاريخ: أكاذيب تاريخية أم أباطيل أريد بها مآرب أخرى


توارثنا بعض الأكاذيب وتعايشنا معها، وكثر تداولها داخل اللسان الشعبي والذاكرة الجماعية أو رسميا عبر المناهج الدراسية، أو الإعلام العمومي أو البروبكاندا الإيديولوجية الحزبية حتى أصبحت شبه حقائق تاريخية، رغم أن الإكتشافات و التطور التاريخي وسيرورة الكون كذبتها وكشفت زيفها للعلن. رغم أن الجميع فطن لتحريف الحقائق، لم يتم تصحيحها بل بقي الحال على نشر التزييف. وكي نكون أكثر وضوحا نبين بعضا منها:

أصل الأمازيغ :

تعلمنا في الصغر داخل فصول الدراسة أن البربر هم سكان المغرب الأولون أبناء مازغ، أتوا من اليمن عبر الحبشة والشام. وعاشت أجيال تعتبر أصلها مشرقي وهويتها دخيلة ومستوطنة على أرض المغرب. وتم تمرير الأكذوبة استنادا لأصل الشرعية الدينية المشرقية. وإلى عهد قريب أظهرت الإكتشافات الأركيولوجية في جبل إيغود (أدرار ن إغود) موقع أثري بإقليم اليوسفية على رفات وبقايا عضمية لأقدم جمجمة للإنسان العاقل homo-sapien في العالم ترجع ل315.000 سنة. وبذلك أتبثت التحولات العميقة التي تعيشها الأمكنة والمجتمعات قدم الإنسان في شمال إفريقيا. فكيف لأرض حوت أقدم نوع وحيد متبقى من الجنس البشري أن يكون أصل أهلها من المشرق؟

تاريخ المغرب 21 قرن :

في وقت قريب إحتفل المغرب بشكل رسمي بمناسبة الذكرى 1200 سنة على تأسيس مدينة فاس ب 21 قرن من حضارة المغرب، متجاهلا بذلك القرون السابقة من التواجد الحضاري بالمملكة. وأصبح المتداول في الذاكرة الشعبية، وخاصة عند حديثي النشأة، أن تاريخ المغرب يعود ل 12 قرن فقط. في تخيل أصحاب الذاكرة القصيرة وممتتبعي الإحتفال خاصة من الأجانب، قد يختزلون تاريخ المغرب العريق في نشأة مدينة، وبداية عهد الأدارسة. يعتبر هذا التصور إنتصار للمركزية وإسقاط للهامش. ما مصير تاريخ المغرب قبل تأسيس مدينة فاس؟.

الظهير البربري :

باطل أريد به حق. وثيقة معروفة زيفا بالظهير البربري أصدرها الإحتلال الفرنسي سنة 1930، والإسم الحقيقي للوثيقة الرسمية، الظهير المنظم لسير العدالةفي المناطق ذات العدالة والأعراف الأمازيغية والتي لا توجد بها محاكم شرعية. إستغلتها الحركة الوطنية آنذاك، وخاصة فصائلها المتأثرة بالقومية العربية والحركات الإسلامية، لتجييش الشارع المغربي لرفض الظهير على أساس أنه قانون يخطط لتقسيم المغرب وفرنسة ساكنة الجبال، وإخراجهم من الملة. وما قراءة اللطيف في الشوارع إلا أسلوب شعبوي، وإستغلال ديني ولوطنية المغاربة لأغراض إيديولوجية. وأصبح الظهير يسمى زورا ويدرس على أساس الظهير البربري. أظهرت الحقائق فيمابعد أن المنتصرون لأكذوبة الظهير البربري لم يعدوا سوى نخبة مدنية بورجوازية سعت لتحسين أوضاعها المادية من خلال الضغط على السلطات الإستعمارية. مرة أخرى يطغى التصور المركزي على حقيقة الهامش. فمن يصحح الخلفيات بموضوعية ونزاهة المؤرخين؟

المغرب العربي:

في حماسة توحيد صف دول شمال إفريقيا الخمس، التي شتتتها الأطماع الخارجية والإيديولوجيات الفارغة، من ظل وحدة جغرافية وبشرية وإقتصادية متكاملة، تشكل إتحاد المغرب العربي بمراكش سنة 1989. ومنذ ذلك الحين بقيت الوحدة مجرد منظمة تفرقها السياسية أكثر مما تجمعها رغبة الوحدة والأخوة. إنهارت أحلام الإتحاد، وبقيت زيف التسمية التي طالت التنوع البشري لشمال إفريقيا وإقصاء العنصر الأمازيغي لأصل بلدان الإتحاد يطال قسرا إصطلاح التسمية. فلماذا تأكيد مشروعية العبارة إعلاميا ومقاومة تغييرها إنصافا لتنوع مكونات المغرب الكبير؟

القومية العربية :

إلى عهد غير بعيد، سيطر الفكر القومي العربي وصوت الحركة البعثية على خطاب بعض الأحزاب السياسية، وتوجه بعض المثقفين في بلادنا، من أجل ترسيخ وهم وحدة “الأمة العربية” على حساب التعدد اللغوي والثقافي الوطني. وأغرقت السوق الوطنية بمجلات وكتب تمجد للقومية العربية وخيم المصير الإقليمي المشترك على واقعنا السياسي والثقافي في إقصاء تام لقضايا المغرب العميق القريبة من وجدان وهموم المغاربة.

ومع هزات الربيع الديمقراطي وسقوط رموز الأنظمة الداعمة للإيديولوجية القومية، إنهار معها التصور القومي الداعم لبنية التسلط والذي يقصي الروافد المكونة للهوية الوطنية. وأسقط قناع مسلمات الإنتماء والإرتباط والتبعية لبعض دول الشرق العربي، واختفى عرابو الصوت القومي ومد الإستيلاب الذي كان يعتبر خطابه من صميم القضايا الوطنية.

وبذلك إزدادت درجة الحرج حينما تبين أننا كنا ننشغل بشكل زائد بقضايا بعيدة عنا، ونعمل على تحقيق أحلام القومية الإقليمية؛ بينما قضايا أقرب منا من حبل الوريد لا تنال حظها في المشهد الحزبي والخطاب السياسي. أظهر مكر التاريخ أننا في حاجة لإعادة تقييم إنتمائنا بدءا بالإعتزاز بالذات والوحدة الوطنية، وتوطيد أواصرنا بالآخر على ضوء الصداقة وتبادل التجارب الإنسانية والحوار الحضاري. فمن يذكر البعض بأعطاب وإنكسارات أوهام؟

طوبونيميا الأماكن :

تعتبر أسماء الأمكنة جزء من تاريخ المجتمعات إعتماد على البحث في أصول ومعاني أسماء المواقع بتتبع مدى تجذره في تاريخ البلد ومسايرة التحولات التي تعيشها الأمكنة. لذا نجد جل تسميات الأماكن مرتبطة بواقع اللغات المحلية ومقترنة بثقافة زمانها، وبذلك يكون هناك دلالة لغوية لأسماء المدن والأنهار وغيرها. لكن للأسف تم تعريب البعض منها فأقبر تاريخها ومدلولها. من بين هاته الأماكن، على سبيل المثال لا الحصر، نجد مدينة “أنفا” التي تعني العلو، أصبحت الدار البيضاء، “تيطاوين” بمعنى العيون الباصرة، أصبحت تطوان، حي “بووركان” بأكادير تم تغييره بليراك. فتغيير أسماء الأماكن ذات الحمولة التاريخية تحريف للوقائع وللتاريخ. فمن سيحمي لغة الأرض، ويتذكر الأسماء الأصلية للأمكنة مع مرور الزمان؟

التدين المشرقي ومرجعية شيوخ الدعوة

في موضوع آخر، في العقود الأخيرة يتبجه بعد الدعويين بتسميتهم ب “الشيوخ”، تسمية لربما دخيلة على نعث المتضلعين في الدين. حسب علمي، ننعتهم عندنا بالفقهاء، الفقيه فلاني أو العلامة حين يصل درجة رفيعة، كالعلامة مختار السوسي، مثلا . إلا أن بعض أصحاب الوعظ والإرشاد الديني، خاصة على قنوات التواصل الإجتماعي يحلو لهم تسميتهم بالشيوخ، نسبة لشيوخ الوعظ المشرقيين. بل منهم من أصبح يطلق على نفسه لقب جهادي ك ‘أبو عمار’ وبذلك نحابي أهل المشرق في التسمية واللباس والتصرفات ولنا في علمائنا وثقافتنا وموروثنا الديني الوطني إسوة. الدين الإسلامي مشترك كوني، أندونيسيا مثلا حافظت على ثقافتها وأصولها وأخلاقها وقيمها وتدينها بشكل يحمي موروثها الوطني، ولا أظن أنها تدوب بسهولة في الموجة المشرقية المسوقة للتدين. في بلادنا مدارس عتيقة من جبال الريف إلى أرياف الشمال وفي أعالي وسهول الأطلس، فقهاء لم يسمون يوما أنفسهم “بالشيوخ”، يتدينون بالوسطية والإعتدال وفي إحترام وتناغم تام مع أعراف المنطقة تجاهلهم أصحاب إرشاد اليوتوب وفضل الإستيلاب المشرقي والتعصب والتحريم واللباس الدخيل على عادات البلاد. لهذا الموضوع شجون وله أهله، نقص منه جانب التجارب الإجتماعية للعبرة، وكنمودج للإستيلاب، والولاء لغيرنا، الذي يضر في العمق الهوية الوطنية والأنساق الثقافية للمغاربة.

خلاصة القول، من العبث ومكر التاريخ أن ندمر ديمومة الإنتماء ومفهوم الوطنية بخطاب وأحداث وأكاذيب تاريخية حرفت حقائق، وسلبت لنا جزءا من تاريخنا وهويتنا الوطنية، وضمتهما ظلما لجهات غريبة ودخيلة عن جسمنا الموحد. حان الوقت لإصلاح أعطاب سجلها التاريخ وللمصالحة مع الذات والإعتراف بإعتزاز بالمكونات المتنوعة والغنية للهوية الوطنية.

بقلم: امحمد القاضي*

* رئيس جمعية تيويزي للتنمية الإجتماعية لأيت عبد الله


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments