نهاية الحداثة…..العودة إلى تامزيرت

تم فرض الحظر والحجر بقوة الجيش في عاصمة الانوار باريس، مهد الثورة والحرية والأنوار، اغلقت شوارع نيويورك، وأصبحت عماراتها الشاهقة غارقة في السكون والجمود وكذلك نفس الشيء في واشنطن حيث أغلقت فيها أبواب كل البيوت بشتى أصناف الوانها، هي التي كانت سيدة العالم. أما روما عاصمة التاريخ والحضارة والعراقة، فإنها تعيش تحت عويل الموت والجائحة والحزن على ارواح الوباء، قيس على ذلك مدريد وبرشلونة، اللتان كانتا، مدن الحياة والصخب، والفرجة، انطفأت شموعها الزاهية، وساد الظلام والغم بشوارعها، والتجأ الجيش والأمن إلى فرض الحجر والطوارئ بالردع والقمع. أما برلين عاصمة الصناعة والحديد، مخترعة الميرسيديس والتوارگ، فإن السيدة المستشارة، اعترفت بضعف حكومتها، وأعلنت هي الأخرى عن إجراءات الحجر والطوارئ ولزوم البيت. في حين انكسر كبرياء لندن، عجوزة اوربا وأصالتها، وذاب ضبابها في مواجهة الاجتياح..

قبل هذا الهبوط الكبير لعمالقة العالم، في السلاح والاقتصاد والثورة والريادة، اندحرت قوة عظمى صاعدة، وهي الصين، بذكائها الخارق، واقتصادها القوي المهيمن والزاحف على كل أسواق المعمور…
ولم تسلم جرة الدول التابعة المستهلكة، بالرغم من حرارة شمسها، هي الأخرى سقطت امام هول انتشار الجائحة، يقودها فيروس لا يرى، غلقت المطارات والموانئ والطرقات والرحلات والقطارات، وتوقفت الحياة في الشوارع والمعامل والإدارات. والمغرب ضمن هذه الدول التي تعيش تحت ظلال حالة طوارئ صحية.
كل شيء توقف، كل شيء تغير. الجميع محبوس في منزله، لكي لا ينتشر الوباء في صفوف الجموع حتى لا تحصل الكارثة. رأينا بعضا من العمال والتجار والاسر القاطنة في المدن الكبرى تحاول العودة إلى مناطق مسقط الرأس في سوس والجنوب الشرقي والواحات الخلفية والاطلس والحوز….
وهذا ما يعني، باختصار مفيد، نهاية المدينة الفاضلة، نهاية اليوتوبيات الخالدة، فمهما بلغت المدينة في التحضر والتقنية والتحديث والرأسالمال وتطور سبل العيش وتوفر النقل والتكنولوجيا، فإنها أصبحت في وقت الشدة مهجورة، ولا تضمن للانسان سبل النجاة والحياة في مثل هذه الأزمات.
هذا المنعرج لم يتحدث عنه فوكوياما في نهاية التاريخ، ولم يتنبأ له أمين معلوف في كتابه اختلال العالم، ولم يتطرق له الفلاسفة الاكثر تشاؤما في تاريخ الفكر البشري.

وإنما هي حتمية العودة إلى تامزيرت، هي حتمية رجوع الانسان إلى البساطة، يأكل الشعير ويجلس فوق الحصير، وبتنقل على ظهور البعير، يأكل قطعة خبز ويترك كسر منها إلى اليوم الموالي، يفكر بصيغة الجمع لا بالمفرد، حين يمرض جاره يخرج له العسل الحر وسمن الماعز، حين تفسد الطريق تخرج الجماعت على شكل تيوزي لاصلاحه وتقويمه، حين يخرج الناس ماشيتهم لكي يسرحها الجار الآخر الذي وصلته دورة تاوالا نولي، (نوبة الماشية)، ويستيقظ لامين نوامان (أمين الماء) بعد اذان الفجر لقطع الماء وتحويله من قناة إلى قناة، تطبيقا لقانون الماء. حين تقوم تدق باب جارك وتخبره بقدوم (تاوالا نالطالب) وأن يهيأ فطور الطالب في الصباح الموالي…في تمازيرت المجتمع تربى وتشرب قاعدة (تاوالا) التي تعني التناوب، وفق نظيمة اجتماعية وثقافية مضبوطة بقوانين واعراف دقيقة. تخدم الانسان وتقدس البيئة وتضمن الإستمرارية. نحن ندعو دائما إلى الرجوع والعودة إلى القيم الأصلية للمجتمع الامازيغي بشكل اختياري وعفوي، قبل أن يكون اضطراريا كما هو الآن، وكما سيأتي في المستقبل.

أكتب هذه الكلمات، وأنا قابع في الحجر المنزلي بمدينة الرباط، واراقب مستجدات تطور الوباء في المغرب والعالم، بكثير من الخوف والفزع، في حالة طوارئ صحية حيث الخروج من المنزل رهين برخصة إدارية تقدمها السلطة المحلية. في حين أن والدي يرعى غنمه بهضاب هادئة بجبال ايت باعمران في سفوح قريبة من الدوار، حين يعود الى المنزل ليلا يراقب فقط نشرة حالة الطقس عبر مذياع صغير، يترقب وينتظر متى سيسمع اسم مدينة إفني، هل اقتربت اليها سحب مطرية أم ليس بعد.