معمري، أركون، إدير: لماذا عشقوا المغرب؟

إننا نتحدث هنا عن شخصيات أمازيغية نابغة وعبقرية، تركت بصمات فكرية، علمية وفنية خالدة، ليس في مجموع بلدان شمال افريقيا فحسب، وإنما على المستوى العالمي. فهي شخصيات أمازيغية ولدت بمنطقة القبايل بالجزائر ولكن ما خلفته من ارث واعمال ومنجزات، كلها اتسمت بالصبغة الدولية.
هذه الشخصيات الثلاثة والتي سنأتي على ذكر شذرات من حيواتها، تنحدر كلها من نفس القبيلة/ العرش، وهي قبيلة آيت يني ayt yinni التي تنتمي حاليا إلى منطقة دجرجوة ولاية تيزي وزو. كما انها تشترك أيضا في علاقتها بالمغرب. وهو ما سنحاول التركيز عليه في هذه الورقة.

نبدأ بمولود معمري، فهو كاتب ولساني وانثروبولوجي وعالم أمازيغي، فهو يعتبر أحد مؤسسي النهضة العلمية الامازيغية المعاصرة،(أنظر سالم شاكر)، ولد في قرية تاوريرت ن ميمون بالقبايل في 28 دجنبر 1917، بدأ الدراسة في دواره ثم انتقل إلى المغرب وبالضبط مدينة الرباط حين كان عمره 12 سنة وقضى بها أربع سنوات ثم انتقل إلى الجزائر العاصمة ومنها إلى فرنسا حيث أتم دراسته الجامعية. وفي سنة 1947 بدأ ممارسة مهنة التدريس في الجزائر ثم في فرنسا فيما بعد. أنتج عدة مؤلفات مرجعية وقيمة في الشعر الأمازيغي والآداب واللسانيات، من بينها الرواية العالمية الشهيرة التي كتبها بالفرنسية تحت عنوان “الهضبة المنسية” 1952 ورواية “غفوة العادل” سنة 1955 “الأفيون والعصا” 1965. كما ساهم في تأسيس اتحاج كتاب الجزائر وكان أول رئيسا له سنة 1963، وانسحب منه بعد مدة قصيرة بسبب اختلافات أيديولوجية بينه وبين بقية الأعضاء الذين ينتمون إلى تيارات العروبة والقومية العربية، وفي سنة 1980 أصدر ديوانا شعريا تحت عنوان “أشعار القبيلة”. أسس أيضا مجلة “ليبيكا” ثم مجلة “أوال”. وارتبط اسمه بتافسوت ايمازيغن، حيث اندلعت تظاهرات عارمة على شكل انتفاضة شعبية للأمازيغ ضد دولة الجزائر بسبب منع مولود معمري يوم 10 مارس من القاء محاضرة حول الشعر الامازيغي القبايلي القديم، وبدات الاحتجاجات واستمرت عدة أيام، والتي قمعها النظام الجزائري بعنف وقساوة، ومنذ تلك السنة، والامازيغ يحتفلون في كل مناطق العالم بذكرى الربيع الأمازيغي يوم 20 أبريل من كل سنة. مولود معمري عالم وموسوعي أعطته جامعة السربون شهادة دكتوراه فخرية وتنظم كل سنة جائزة الآداب باسمه، وله دراسات علمية رزينة وجادة مع ثلة من العلماء في حقول معرفية مختلفة، أهمهم السوسيولوجي الفرنسي “بيير بورديو”. كان يعاني من مضايقات كثيرة مع أجهزة نظام الجزائر، وتوفي في حادث مدبر يوم 25 فبراير 1989 في حادثة سير بمنطقة عين الدفلى بالجزائر، حيث كان عائدا من لقاء علمي بمدينة وجدة ساهم فيه بمحاضرة، وحين رجوعه إلى بلده على متن سيارته (بيجو 205)، وقعت له حادثة سير، وأسفرت عمليات التشريح أن حجارة سقطت عليه من الأعلى. ويرى العديد من المتابعين السياسيين في الجزائر أن وفاته كانت عملية اغتيال سياسي. ولم يحضر في جنازته المهيبة بمسقط رأسه أي من رجال السلطة. وكان قد أجرى حوارا صحفيا في مدينة وجدة أيام قليلة قبل وفاته، أجاب عن سؤال الصحافي، لماذا توقف مولود عن الكتابة: قال مازحا “أن قلمه قد مات”. وكان ذلك شبه تنبؤ لما وقع له.

علاقة مولود معمري بالمغرب كانت وطيدة ومتينة، درس به وقضى به جزءا من طفولته، حين جاء عند عمه الفقيه “محمد معمري”، هذا الذي كان من بين أساطين وأعمدة المخزن المغربي على عهد السلطان “محمد بن يوسف” وتقلد عدة مناصب في القصر، فقد دخل الفقيه محمد معمري المغرب سنة 1907/1908، عينته فرنسا ترجمانا بالإدارة المكلفة بحفظ الأوراق بين السفارة الفرنسية والصدارة العظمى. وقام بتأسيس مدرسة حرة مزدوجة اللغة عربية وفرنسية ويدرس فيها. وفي سنة 1915 كلف محمد معمري بتدريس وتعليم أبناء السلطان مولاي يوسف، وبعد وفاة هذا الأخير سنة 1927، وتولى “محمد بن يوسف” عرش والده واستقدم استاذه الفقيه معمري وعينه رئيسا لديوانه وكلفه أيضا بأمور الأسرة الملكية وقصوره ولازمه إلى وفاته، حيث عينه في سنة 1950 وزيرا لشؤون القصور والتشريفات والأوسمة، وكان أول من تولى هذا المنصب في تاريخ المغرب، وعرف عنه أنه كان وفيا ومخلصا للسلطان. وللتعبير عن ذلك الوفاء رحل إلى بلدته تاوريرت ن ميمون في القبايل بالجزائر بعد نفي محمد الخامس الى جزيرة كورسيكا، وقضى بها سنتين. وحين عودة السلطان إلى المغرب أمر بجلب الفقيه مرة ثانية عبر الطائرة من بلدته. وعين في الحكومة الاولى لمبارك البكاي كوزير للقصور الملكية والتشريفات والاوسمة، وكان هو الرقم الثاني ضمن البروتوكول. وفي سنة 1965 طلب الفقيه معمري من الملك الراحل الحسن الثاني أن يعتزل وقال له ” حنا الناس ديال القبايل، دايرين بحال الفيال ( جمع فيل) لازم نموتو في الأرض التي ولدنا فيها”. وبعد وفاته حضر جنازته في مسقط رأسه الجنرال اوفقير ووزير الثقافة أنذاك باحنيني. وخلف معمري عدة مؤلفات.

ولعب الفقيه محمد معمري دورا كبيرا داخل المخزن المغربي، وصبغ عليه فكره وتوجهاته وتصوراته السياسية، حيث كان فقيها أمازيغيا ذو التكوين العربي الإسلامي والفرنسي أيضا، فبقدرما حرس على تحديث البروتوكول المخزني بقدرما حرس أيضا على تكريس تقليدانياته.
مولود معمري المفكر الأمازيغي، قضى قسطا من طفولته وتعليمه الابتدائي والاعدادي تحت يد عمه الفقيه ظل السلطان المغربي. فخلال عقد الخمسينيات التي عين فيها الفقيه محمد معمري وزيرا للتشريفات والقصور الملكية بالرباط، انفجر فيها مولود معمري المفكر والاديب ابداعا وفكرا وعلما، وعقد العزم على تكريس حياته ومجهوده لخدمة الثقافة الأمازيغية. وكان ينوي انجاز معجم أمازيغي كبير يشمل كل اللغة الامازيغية بتعبيراتها المختلفة في شمال افريقيا. لولا اغتياله المفاجئ. وربما هذه الفكرة اخذها عنه المفكر والمؤرخ الامازيغي المغربي محمد شفيق، الذي كان هو الآخر أستاذا بالمدرسة المولوية واستاذا للملك محمد السادس، وكلفه الملك الراحل الحسن الثاني بعدة مهام داخل القصر وكان وزيرا للتعليم. محمد شفيق اصدر المعجم الامازيغي العربي وعدة كتب ومؤلفات في التاريخ واللسانيات واللغة، وعينه الملك أول عميد للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية بالمغرب سنة 2001.

أما محمد أركون الذي ولد هو الآخر بقبيلة أيت يني بالقبايل بالجزائرسنة 1928 في نفس بلدة مولود معمري بتاوريرت ن ميمون، من عائلة فقيرة، رحل والده الى ضواحي مدينة وهران، ودخل إلى مدرسة الإباء البيض التبشيريين، ومنها انتقل الى الجزائر العاصمة ودرس بها القانون والآداب والفلسفة، ومنها رحل إلى جامعة السربون بتوصية أحد اساتذته. ويعتبر أركون من بين أحد علماء عصره، يتقن عدة لغات، أمازيغية وعربية وفرنسية وانكليزية والمانية، والف العديد من الكتب في التاريخ والفلسفة وعلم الحضارات والأديان، ويقول عن نفسه انه يحمل مشروعا فكريا سماه مشروع نقد العقل الإسلامي، فهو مشروع تاريخي وانثروبولوجي، من مؤلفاته: الفكر العربي/ الإسلام أصالة وممارسة/ الفكر الإسلامي نقد واجتهاد/ من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي/ قضايا في نقد العقل الديني/ الفكر الأصولي واستحالة التأصيل…والعشرات من المؤلفات الأخرى كلها تعالج القضايا التي تخصص فيها أركون، وعلى رأسها نقد الخطاب الديني. وقد درس أركون في جامعة السربون بفرنسا وبجامعة برلين وجامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة الامريكية سنة 1969، ثم جامعة برنستون سنة 1985 وجامعة نيويرك 2001/ 2003. كما اشتغل خلال نفس المدة مستشارا علميا لمكتبة الكونكريس الأمريكي بواشنطن.
ومعروف بسمعته العلمية وبقامته المعرفية المحترمة، وشغل عضوا في العديد من اللجن العلمية ذات الصبغة الدولية. توفي يوم 14 شتنبر 2010 بفرنسا ودفن بمدينة الدار البيضاء بالمغرب تنفيذا لوصيته، وبعث الملك محمد السادس رسالة عزاء ومواساة لزوجته المغربية. وهكذا نرى أن هذا المفكر الامازيغي العالمي الذي زار ودرس بأبرز الجامعات الدولية وترجمت كتبه إلى مجموعة من لغات العالم، المولود بالجزائر، اختار أن يدفن تحت تراب المغرب.

أما الفنان إدير الذي فارقنا قبل أيام قليلة، فانه هو الآخر ابن قبيلة أيت يني بالقبايل، ولد بإحدى قراها الجبلية سنة 1949، فهو شاعر وموسيقى وعازف ماهر، حقق نجاحا كبيرا، استطاع أن يجعل الموسيقى الأمازيغية تحلق في سماء العالمية، اخرجها من بوتقة المحلية والخصوصية إلى موسيقى تصدح بها حناجر شعوب وأقوام كثيرة، عزف أغاني بلغة القبايل مستوحاة من اساطير الجدات والامهات على منصات المهرجانات والملتقيات الفنية في عدد كبير من دول العالم. اعترف به أمهر الموسيقيين والفنانين العالميين أمثال أزنافور وآخرون، وانتشرت جميع أغانيه في كل بلدان شمال افريقيا وأوروبا. ينتمي إدير إلى طينة الفنانين الملتزمين الذين ينشدون الحرية والحياة لجميع الشعوب. والذين يبدعون بالفن والموسيقى لمحاربة كل اشكال الاضطهاد والظلم والجور. كان طيلة حياته شعلة تضيئ الحرية والمساواة للانسانية جمعاء. كان شديد الانتقاد لدولته الجزائر بسبب عدم اعترافها بحقوق الأمازيغ، واغترب في فرنسا لعقود، ولم يعد إلى الجزائر إلا سنة 2018 حين تم الاعتراف بالأمازيغية في الدستور الجزائري. وبعد وفاته مؤخرا خلق رجة عالمية من حجم العزاء والمواساة الذي لقاه عبر مختلف وسائل الاعلام الدولية والمحلية والإقليمية، وعزاه ثلاث رؤساء الدول. وملايين الناس بالمغرب والجزائر وفرنسا وليبيا وتونس ومختلف بقاع العالم.

وكان إدير يحب المغرب كثيرا ويعتبره بمثابة وطنه الثاني، بالرغم من منفاه الاختياري في فرنسا ورفضه زيارة الجزائر وتنظيم ملتقيات فنيه به، فإنه كان دائم الحضور بالمغرب، ويحرس على تلبية جميع دعوات المشاركة في السهرات والمهرجانات الفنية، فمنذ سنة 1997 كان إدير دائم المشاركة في مختلف الملتقيات. وقد تشرف الأسطورة إدير بافتتاح الدورة الأولى من مهرجان تيميتار سنة 2004، وشارك في عدة نسخه فيما بعد، ثم شارك في مهرجان موازين بالرباط سنة 2013، ومهرجان تاوزيا بطنجة، ولقاءات أخرى بتافراوت وتزنيت والدارالبيضاء ومكناس …وكانت كل سهراته تعرف نجاحا كبيرا وحضورا جماهيريا وازنا ومميزا. وصرح أكثر من مرة على انه يرغب في تلحين وغناء احدى قصائد الشاعر صدقي علي أزايكو. ويطهر من عدة استجوابات صحافية اجراها الفنان الراحل أنه يعشق المغرب كثيرا، ويشعر كأنه يتجول في بلده القبائل بالجزائر، خاصة حين ينزل بمدينة أكادير.

ماذا نستشف من كل هذه المسارات والتجارب؟

نستشف أن لدى كل من مولود معمري ومحمد أركون وإدير، مفهوما آخرا للوطن. يساءل المفهوم الجاف والضيق ل”لدولة الوطنية” المبنية على الاقصاء والعرق عن طريق تقديس العروبة والقومية العربية. فالوطن عند هؤلاء هو مجال مفتوح يشمل كل بلدان شمال افريقيا، هو علم لا يؤمن بحدود رسمها الاستعمار وسيجتها القومية العربية المتزمتة، هي قيود كسرها مولود معمري بلسانياته الامازيغية، وهدمها محمد أركون بتاريخه الناقد، وحطمها إدير بكيتارته السحرية. وقبلهم استنكرها عريس الشهداء معتوب لونيس منذ سنة 1963 حين رفض قتال اخوانه المغاربة حيث كان في صفوف التجنيد الإجباري، ورمى بندقيته وهرب إلى جبال القبايل رافضا اقتتال المغاربة في حرب عشواء ومجانية.
وهذا يذكرنا فعلا بفترات تاريخية كان فيها الامازيغ الزواوة، ( ايزواوين هو الاسم الأصلي للقبايل بالجزائر هم من فروع قبيلة كتامة الأمازيغية) يساهمون في بناء وصناعة التاريخ بالمغرب، فمنهم قبائل كثيرة هاجرت إلى المغرب واستقرت بمناطق متفرقة، وقد بزغ دورهم السياسي بشكل كبير في فترة السلطان المنصور الذهبي، حيث شكلوا فيلقا مهما ضمن جيوشه.

فهذه التجارب الجزائرية التي أنجبتها قبيلة واحدة للصدفة، لم تتمسك بنزعات سياسة نظام الجزائر وقشورها وأفكارها المتزمتة تجاه التعدد اللغوي والثقافي. وتجاه الامازيغية تحديدا. وهو النظام العسكري المغلق الذي لازال يحلم بتأسيس جمهورية عربية على صحراء المغرب الأمازيغية.
عرف عنه بشن سياسة متشددة ودموية تجاه الامازيغ، اغتال فيهم الكثير والكثير من الشباب والمثقفين والنشطاء والعلماء والفنانين، أبرزهم معتوب لونيس ومولود معمري وماسينسا گرماح ورفقائه 126 شهيدا في سنة 2001 اغتالهم بالرصاص الحي، لا يطالبون إلا بحقوق عادلة ومشروعة بانصاف لغتهم وثقافتهم وهوياتهم.
فهذه القامات الذي ذكرنا جزءا صغيرا من مساراتها وحيواتها، فهي قامات وشخصيات علمية وعالمة، تشبعت بالعلم والمعرفة وتسلحت بالبحث الاكاديمي الجاد والرصين، عاشت في المغرب، وعشقته لسبب بسيط لأنه يرون فيه امتدادا مجاليا وثقافيا واجتماعيا لوطنهم الجزائر، لأن جبال الأطلس بالمغرب ومدنه تتنفس الامازيغية التي تتنفسها جبال دجرجورة بالقبايل. كما أن النظام المغربي استقاف من سباته العروبي مبكرا . بالمقارنة مع الجزائر.

دروس هؤلاء العباقرة وعلاقتهم بالمغرب، يجب أن تدرس وأن تؤخذ بعين الاعتبار من طرف الدولة المغربية، وأن تستوعب المغزى من هذه التجارب، وأن تكون دولة رحيمة بمواطنيها ورحيمة بالأمازيغية كثقافة وحضارة ولغة، وأن تسارع إلى انقاذها وصيانتها.
الأمازيغية تقترح لكم في شمال افريقيا وطنا منفتحا ومفتوحا قوامه السلم وأساسه الثقافة وافقه المصير الحضاري المشترك.

0 Comments
Inline Feedbacks
View all comments