عندما كنت “رجعيا” وفخورا بـ”رجعيتي”

  • 139
    Shares

صفة “رجعي” لم تكن تعني، في مغرب السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، فقط معناها العام المعروف منذ الثورة الفرنسية، والذي كان يُقصد به المعارض للتغيير الذي أحدثته الثورة، ثم أصبحت تعني، بعد ذلك، المناهض للتقدم والتطور، المفضِّل للتقليد على التجديد، الممجّد للماضي، المدافع عن بقاء الأوضاع على حالها الراهنة رفضا لأي تغيّر وتحوّل. فبما أن كل المفاهيم، السياسية والفلسفية، التي كانت رائجة وموظّفة بالمغرب في هذه الفترة من القرن الماضي، لم تكن تُستعمل بمعناها الأصلي الذي ظهرت به في الغرب، مثل: الثورة، الاشتراكية، التقدّم، الديموقراطية، الرجعية…، وإنما كانت ـ ولا زالت ـ تضاف إليها معانٍ جديدة نتيجة عربنتها وشرقنتها، أي إخضاعها لعملية تعريب بالمشرق العربي قبل أن ينتشر استعمالها في المغرب، فكذلك مفهوم “الرجعية” حيث كانت صفة “الرجعي” تعني، أولا، ذلك الذي لا يدعم التيارات الناصرية والبعثية، ولا ينخرط في المشروع القومي العربي، ولا يهيم بعشقه لفلسطين، ولا ينطلق من مرجعية يسارية بمفهومها العروبي، ولا يتبنّي أفكار ناشري هذه الإيديولوجيات المشرقية بالمغرب، مثل بن بركة وعبد الرحمن اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد والفقيه البصري…، رحمهم الله، ولا ينضمّ إلى تنظيماتهم وأحزابهم ونقاباتهم. وتعني، ثانيا، تكميلا للمعنى الأول، ذلك الذي لا يناهض النظام المخزني من أجل الإطاحة بقائده الحسن الثاني رحمه الله، ولو بقوة السلاح إن اقتضى الأمر ذلك، تحقيقا للنهضة القومية العربية، وثورتها الاشتراكية. فصفة “الرجعي” كانت تُطلق إذن، في مغرب تلك الفترة، على كل من لا يعمل من أجل تغيير النظام المخزني بنظام قومي عربي، بمضمونه السياسي والإيديولوجي، البعثي الناصري. أما من كان يعلن أنه أمازيغي ـ وليس أن يدافع عن الأمازيغية، وهو شيء كان خارج المفكّر فيه ـ فكان يمثّل قمة الرجعية، لأنه بذلك يعلن أنه في تعارض تام مع التقدّمية التي كان يعدّ ـ ولا يزال ـ شرطُها الواقف بالمغرب هو تبنّي التحوّل الجنسي، أي القومي والهوياتي، انتماء وفكرا وقناعة، وذلك بانتحال الانتماء إلى الجنس العربي تعبيرا عن الانتماء إلى عالم الحضارة والتقدّم، وقطعا من عالم التخلّف والرجعية الذي كانت تمثّله الأمازيغية، كما كان يعتقد أصحاب الإيديولوجية القومية التي كانت تشكّل أفيون السياسيين والمثقفين المغاربة في تلك المرحلة.

ولأنني كنت من الذين تجتمع فيهم كل هذه المواصفات المحدّدة لصفة “الرجعي”، فقد كان معارفي، من الأصدقاء والزملاء، يعتبرونني رجعيا، بل من شيوخ الرجعيين بالنظر إلى أنني كنت أفتخر بانتمائي الأمازيغي ولا أحاول إخفاءه كما كان يفعل الكثير من الناطقين بالأمازيغية. وهو ما كان يساوي، في ذلك الوقت، الافتخار بالانتماء إلى الرجعية. وهنا يجدر التذكير أن صفة “رجعي” كانت، في تلك الفترة، أكبر سبّة يمكن أن تُلحق بشخص ما بالمغرب، إذ أن حمولتها القدحية كانت أثقل بكثير من كل القدْح والتجريح والانتقاص والمذمّة الذي (كل) تتضمّنه صفاتُ “مخزني”، و”عياشي”، و”إقطاعي”، و”انتهازي”…، المستعملة اليوم. بل كانت تحيل على معنى الخيانة، أي أن الرجعي كان، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، هو ذلك الذي خان الشعبَ العربي، والوطن العربي، والعروبة والقومية العربية، ومبادئَ اليسار والاشتراكيةَ، وفلسطين، والطبقة الكادحة، العميل للصهيونية والإمبريالية، الموالي للمخزن ونظامه الإقطاعي وحكمه الاستبدادي.

وعلى ذكر المخزن لا بد من التوضيح أنني كنت أشرح لأولئك الذين كانوا يعتبرونني “رجعيا” بخصوص موقفي من النظام المخزني، أنني أرفض هذا النظام في ذاته كنظام مخزني يقوم على الفساد والاستبداد. لكن بالمقارنة مع الأنظمة القومية، الناصرية والبعثية والاشتراكية العربية المشرقية، التي يسعى “التقدميون” المغاربة إلى إقامتها بالمغرب بعد القضاء على النظام المخزني، كما كانوا يحلمون، فأنا كنت أعلن تفضيلي لهذا الأخير على تلك الأنظمة المشرقية، معترفا أن ديكتاتورية المخزن أفضل من ديكتاتورية تلك الأنظمة القومية المشرقية، ولو فقط لكونها ديكتاتورية مغربية محلية وليست أجنبية مستوردة. وهذا ما كان يرى فيه المختلفون معي، في ما يتعلق بحكم الحسن الثاني رحمه الله، تمسّكا عنيدا بالرجعية ورفضا للتقدمية التي تمثّلها، حسب رأيهم، الأنظمة القومية المشرقية، البعثية والناصرية.

وإذا كانت هذه “التقدّمية”، بمفهومها العروبي المشرقي، القومي البعثي والناصري كما شرحت، والتي كانت موضة العصر لدى المثقفين والمعارضين السياسيين المغاربة، قد ساهمت في إفقاد المغرب لاستقلاله الهوياتي بإلحاقه بالبلدان العربية المشرقية كتابع لها هوياتيا، في انتظار إلحاقه بها سياسيا بتبنّي الأنظمة البعثية الناصرية بعد القضاء على نظام الحسن الثاني، كما كان ينتظر ذلك “التقدميون” المغاربة، إلا أن أخطر النتائج الكارثية لهذه “التقدّمية” هو أنها كانت وراء خلق جبهة “البوليساريو” الانفصالية. والعلاقة بين هذه الحركة الانفصالية و”التقدّميين” المغاربة واضحة:
ـ هذه الحركة الانفصالية أعلنت، بأمر ووصاية من الجزائر، الحرب ضد الدولة المغربية ممثَّلة في نظام الراحل الحسن الثاني، والذي كان “التقدميون” يعتبرونه نظاما إقطاعيا يجب القضاء عليه.

ـ كانت ترمي إلى إقامة جمهورية عربية بالصحراء المغربية. وبما أن النظام الحاكم بالمغرب هو نظام ملكي، وأن الأنظمة القومية العربية، البعثية والناصرية، كانت كلها أنظمة جمهورية كان “التقدميون” المغاربة “يناضلون” من أجل استنباتها وتبنّيها في المغرب، كما سبق أن قلت، فإن إقامة “جمهورية عربية” بالصحراء المغربية هي بداية لتحقيق المشروع “الجمهوري” “للتقدميين” المغاربة.

ـ انفصاليو “البوليساريو” يقتدون في “كفاحهم” الانفصالي ضد ما يسمونه احتلال المغرب بالكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي. وبما أن “التقدميين” المغاربة يعتبرون دعم الكفاح الفلسطيني شرطا لكل “تقدمية”، فلذلك كانوا يرون في دعمهم لـ”جمهورية” الانفصال استمرارا “تقدّميا” لدعمهم للكفاح الفلسطيني. أما استمرار الفلسطينيين في دعمهم لجبهة الانفصال، رغم كل الدعم المالي والسياسي والديبلوماسي الذي يخصّهم به المغرب، فذلك لأنهم يعتبرون “كفاح” الجبهة الانفصالية نسخة من كفاحهم، مثلما أن علم جبهة الانفصال هو نسخة من علم فلسطين.

هكذا كان “التقدميون” المغاربة وراء إنشاء حركة “البوليساريو” الانفصالية. وهذا ليس مفاجئا ولا غريبا إذا اعرفنا أن كبيرهم، الذي يعتبرونه قدوتهم، ساند الجزائر علانية ضد المغرب أثناء حرب الرمال في 1963. ومن المعروف أن العديد من هؤلاء “التقدميين” الذين كانوا معارضين للحسن الثاني، ولا ينتمون أصلا إلى الأقاليم الصحراوية، شاركوا من داخل الجزائر في التحضير لإنشاء الجبهة الانفصالية.

لكن إذا كان هؤلاء “التقدميون” هم من صنع جبهة “البوليساريو” الانفصالية “التقدمية” لمحاربة من كانوا يعتبرونهم رجعيين موالين للنظام المخزني الرجعي، فإن الذين حموا الصحراء المغربية من هؤلاء الانفصاليين “التقدميين”، هم هؤلاء أنفسهم الذين ينظر إليهم هؤلاء “التقدميون” كرجعيين يخدمون النظام المخزني.

وما كان يبدو غير مفهوم لهؤلاء “التقدّميين” الذين لا يتفقون مع آرائي ومواقفي، بخصوص اختياراتي الهوياتية والسياسية والإيديولوجية “الرجعية”، كما كانوا يحكمون عليها، هو أنني ذو تكوين فلسفي وأعمل أستاذا للفلسفة بالتعليم الثانوي. وأداة التحليل الفلسفي في ذلك الوقت كانت هي الماركسية وماديتها الجدلية. وبما أن النظرية الماركسية كانت تُعتبر فلسفة تقدمية تدعو إلى الثورة ضد الرجعية، فقد كان ما يحيّر معارضي الإيديولوجيين هو كيف لأستاذ يدرّس الفلسفة، أي يدرّس التقدّمية، يتبنّى فكرا رجعيا في مواقفه السياسية والإيديولوجية.

واضح أن مصدر الاختلاف بيني كـ”رجعي”، كما كان يحكم علي خصومي الإيديولوجيون، وبينهم كـ”تقدّميين”، كما كانوا يفخرون بذلك، هو في فهميْنا المختلفيْن لمعنى “الرجعية” و”التقدمية”. فـ”التقدّمي” عندهم هو الذي يتنكّر لجنسه الأمازيغي وينتحل الانتماء إلى جنس عربي أجنبي، متعاطيا بذلك لشذوذ جنسي، أي قومي وهوياتي، يمارسه بفخر واعتزاز. ولا تقف “التقدمية” عند هذا الشذوذ الجنسي الهوياتي، وإنما تمتدّ إلى كل ما يرتبط بالعروبة المنتحَلة من فكر ولغة وثقافة وإيديولوجية وأنظمة سياسية… وهذا ما يفسّر أن هؤلاء “التقدّميين” كانوا “يناضلون” من أجل استيراد الأنظمة السياسية المشرقية، القومية البعثية والناصرية، التي كانت سائدة في تلك المرحلة، وغرسها في المغرب كبديل للنظام المخزني المحلي المغربي، الذي كانوا يعتبرونه رجعيا وإقطاعيا، كما شبقت الإشارة. فلم يكن الهدف هو استيراد الديموقراطية، وإلا لعمل هؤلاء “التقدميون” على استيراد أنظمة أوروبية غربية معروفة بديموقراطيتها، وإنما الهدف هو العروبة، بأنظمتها القومية الشمولية، البعثية والناصرية. وهنا يُطرح السؤال التالي: من هو “الرجعي”؟ هل هو ذلك الذي يتمسّك بانتمائه الأصلي الطبيعي، ويفخر بلغته المحلية الوطنية، ويدافع عن قضايا شعبه ووطنه، ويذود عن الوحدة الترابية لدولته، ويناضل من أجل تطوير النظام السياسي لبلده نحو الحكم الديموقراطي…؟ أم هو ذلك الذي يتنكّر لهويته الأصلية والطبيعية، ويحتقر لغته المحلية الوطنية، وينتحل الانتماء إلى هوية خارجية زائفة، ويدافع عن قضايا أجنبية عن شعبه ووطنه، ويعمل على تقسيم بلده وتجزيئه إلى دويلتين، ويتآمر مع أجانب لقلب النظام الحاكم لبلده قصد استبداله بأسوأ منه…؟ المنطق السليم يقضي بأن الأول هو التقدّمي الحقيقي، والمناضل الحقيقي، والوطني الحقيقي؛ والثاني هو الرجعي الحقيقي، والمتخاذل الحقيقي، والخائن الحقيقي لأنه يعمل ضد مقومات وطنه اللغوية والهوياتية، وحتى السياسية عندما يريد تغيير النظام السياسي لبلده بنظام أجنبي أسوأ من النظام المغربي المحلي.

نلاحظ أن هناك قلبا في المفاهيم، كما رأينا بخصوص مفهومي “الرجعية” و”التقدمية”، وذلك نتيجة القلب الأصلي الحاصل في الهوية، وهو ما أسميه التحوّل أو “الشذوذ الجنسي”، بمعناه القومي والهوياتي. فهذا الشذوذ القومي والهوياتي، الذي انتشر بالمغرب في صيغته الجماعية منذ 1912، ثم رسّخته “الحركة الوطنية” ودولة الاستقلال، هو الذي جعل مثقفي المغرب وسياسييه يستعملون العديد من المفاهيم، مثل الانتماء، اللغة، التقدمية، الرجعية، الديموقراطية، الوطنية، النضال…، استعمالا مقلوبا، أي شاذا نتيجة كونهم ضحايا لشذوذ جنسي، قومي وهوياتي.

ولهذا فإن ما يحتاجه اليوم المغرب هو تصحيح وتطبيع (إرجاعها إلى حالتها الطبيعية) هذه المفاهيم التي تستعمل بشكل شاذ، أي مقلوب وغير سوي، مع البدء بتصحيح الأول منها الذي يشكّل أصل ما أصاب هذه المفاهيم من قلب وتشويه. هذا الأصل هو الاستعمال الشاذ والمقلوب لمفهوم الانتماء الجماعي للمغرب. فعندما يصبح هذا الانتماء يعني الانتماء إلى أرض المغرب الأمازيغية الإفريقية، وليس إلى الأرض العربية الأسيوية، يكون التقدّمي الحقيقي، والمناضل الحقيقي، والوطني الحقيقي…، هو ذلك الذي يفتخر بانتمائه الأمازيغي الإفريقي؛ وذلك الذي يعتز بالأمازيغية والدارجة ويعمل على تطويرهما والانتقال بهما إلى لغتين مدرسيتين كتابيتين، وليس الذي يحتقرهما ويبخسهما؛ وذلك الذي يدافع عن استرداد سبتة ومليليه وليس استرداد فلسطين؛ وذلك الذي يدعو إلى قطع العلاقات مع الدولة التي تحتل جزءا من الأراضي المغربة وليس رفض إقامة علاقات مع إسرائيل التي لا تحتل أرضا مغربية؛ وذلك الذي يدعو إلى إقامة دولة أمازيغية، بالمفهوم الترابي الموطني، وليس الدفاع عن إقامة دولة عربية في أرض أمازيغية إفريقية كما كان يفعل مناصرو جبهة “البولساريو” من “التقدّميين” المغاربة.

إذا كانت الدولة هي المسؤولة الأولى التي عليها أن تقوم بهذا التصحيح والتطبيع، إلا أن دور المثقفين ليس أقل أهمية من دور الدولة بهذا الخصوص. لماذا المثقفون؟ لأنهم هم الذين نشروا فاحشة الشذوذ الجنسي، القومي والهوياتي، وعمّموها على نطاق واسع عبر انتشار أفكارهم وكتاباتهم باعتبارهم مثقفين ومفكرين، وخصوصا في مرحلة السبعينيات والثمانينيات عندما كان المثقف ذا وزن كبير وتأثير أكبر.


  • 139
    Shares
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments