حول المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة المغربية

  • 317
    Shares

تقديم

تهدف دراسة المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة المغربية الى اٍضاءة الجانب المشترك في هذه الثقافة من خلال البحث عن البعد الأصلي الأنثروبولوجي لها ، باعتبار أن الأنثروبولوجية الثقافية تهتم بدراسة التراث الشعبي الشفهي وكل ماله علاقة بالثقافة و الهوية لكن في اٍطار المفهوم الحديث للثقافة- بطبيعة الحال – الذي لا يقصي الثقافة العصرية العالمة من التناول العلمي أيضا ، وباعتبار أن الأنثروبولوجيا كعلم من العلوم الاٍجتماعية يهتم بدراسة الظواهر المتعلقة بحياة البشر في جميع أطوار حياتهم واختلاطهم مع بعضهم وتاريخهم وتطورهم واٍنتاجاتهم الثقافية واختلاف بيئاتهم الثقافية والعقدية وكيفية تواصلهم وتكيفهم مع تلك البيئات في اٍطار مجتمعات مختلفة و لذلك أطلق عليه اٍسم علم الاٍنسان أو الاٍناسة ، فاٍن المفهوم الأنثروبولوجي للثقافة المغربية يراد به مدى انصهار الأبعاد المتعددة والروافد المختلفة للثقافة المغربية في بعضها البعض على مدى التاريخ الطويل لتشكل في النهاية الشخصية المغربية الحالية ذات الخصوصية المتميزة والتي هي ليست لا شرقية ولا غربية واٍنما – وذلك نظرا للتمازج والتجانس الذي حصل بينها – أصبحت تشكل سمة بارزة من سمات الهوية المغربية و المغاربية باعتبار البعد الأصلي للاٍنسية المغربية والمغاربية ذات الجذور العميقة جدا .

ومن أجل اٍضاءة عتمات هذا الموضوع الشائك سوف أبسط أطروحات الأنثروبولوجيين المغاربة والمغاربيين – ذات الصلة -أمثال محمد أركون وعبد الله حمودي وعبد الله العروي وحسن رشيق ثم سأتناولها بالتحليل والنقد من أجل الخلوص اٍلى ما يمكن أن يعضد الطرح العلمي لهذه الورقة والذي يرتبط بسؤال: هل يصح أو يجوز الحديث عن مفهوم أنثروبولوجي للثقافة المغربية؟ .

1- أطروحة محمد أركون :

دعا محمد أركون في كتابه بعنوان : ” قضايا في نقد العقل الديني ” اٍلى توسيع المفكر فيه وتأسيس أطر الفكر الاٍستشكالي والخروج من هيمنة الأرثوذوكسيات بالمغارب ، بما يعني ذلك من تفكيك الأطر التاريخية الدوغمائية للفكريات المهيمنة ، هذه الدعوة من طرف هذا العالم الأنثروبولوجي تتوخى تأسيس تقاليد ثقافية نقدية جديدة خارجة عن المواضعات الاٍبستمولوجية للفكر التقليدي وقابلة للاٍنفتاح على مكتسبات ومستجدات العلوم الاٍنسانية والاٍجتماعية ، وبالنسبة اٍليه فاٍن هذا الأمر لن يتم بدون تفكيك جميع التراتبيات الفكرية بالمغارب ، وذلك من خلال اٍجراء مراجعة شاملة لمسألة الفكر العربي والثقافة العربية بالمغرب الكبير ، هذه الدعوة الى قراءة المسألة الثقافية بمناهج العلوم الاٍجتماعية الحديثة هدفها هو البحث عن المشترك في الثقافة المغاربية الذي تم طمسه بواسطة طغيان القراءات الأيديولوجية للتراث الثقافي المغاربي واستثماره في اٍطار تصور ثقافي جامع بإمكانه أن يساهم في تأسيس مجتمعات مغاربية حداثية ومواطنة واعية بذاتها وبتاريخها ومستقبلها المشترك واعتبار كل العناصر المشكلة للذات المغاربية قيمة مضافة للهوية الجماعية بدل اعتبارها عنصر تنافر وصراع .

محمد أركون دعى اٍلى تأسيس أنثروبولوجية مغاربية تنطلق من التراث الثقافي للمغارب من خلال النبش العميق في هذا التراث من أجل استخراج كل العناصر التي تم طمسها بواسطة التوظيف الأيديولوجي للعناصر الأخرى بغية استثمارها في بناء مغارب جديد توظف من خلاله كل المكونات الثقافية في هذا البناء بالشكل الذي سيقوي الاٍندماج والاٍنصهار الثقافي المغاربي ويحصن الهوية المغاربية ضد النزعات الاٍقصائية والصدامية.

2- أطروحة عبد الله حمودي :

يدعو عبد الله حمودي في كتابه بعنوان : ” في صياغة أنثروبولوجية عربية ” اٍلى صياغة أنثروبولوجية عربية ، وأكد أن لفظ ” عربية ” لا يحيل على أية قومية أو وطنية عربية بقدر ما يدعو اٍلى توطين علم الانثروبولوجيا في وطن عربي واسع ، حيث من الممكن أن ينمو ويتطور في هذا الوطن ويتوسع ، ويقصد بذلك – بطبيعة الحال – اٍعادة تأسيس علم من العلوم الاٍجتماعية الذي منشؤه غربي بالأساس – في مجال عربي خالص ، وهي دعوة اٍلى اٍحداث نقلة نوعية في العقل العربي من خلال البحث عن طرق توطين العلوم الاٍجتماعية ومنها علم الأنثروبولوجيا بدل عملية الاٍقتباس والاٍستيراد لهذه العلوم ، مع ما يتطلبه ذلك من أعادة صياغة المفاهيم والنظريات والمناهج والأطر الفكرية ، ويتوخى الطرح الحمودي اٍهتمام الأنثروبولوجيا العربية بهموم المنطقة واٍشكالاتها الثقافية والسياسية والاٍجتماعية مع ما يتطلبه هذا الأمر من اٍعادة صياغة المفاهيم العلمية ، ويقترح من أجل الخروج من المأزق الاٍمبريقي لهذا الطرح والمتمثل في قضية الاٍنتماء والملابسات العلمية التي تطرحها اعتبار أن العلوم الاٍجتماعية لن تكون بالضرورة ميدانا تنافسيا بين وضعيات منهجية مختلفة بل يجب أن تكون ميدانا لتلاقح التجارب بدل اٍعادة الاٍقتباس والتبعية

3- طرح عبد الله العروي :

يدعو عبد الله العروي من خلال مجموعة من خلال مجموعة من كتبه مثل : ” الأيديولوجية العربية المعاصرة ” و ” العرب والفكر التاريخي ” و ” ثقافتنا في ضوء التاريخ ” و ” مفهوم العقل ” اٍلى ضرورة الاٍهتمام بالثقافة الشعبية ضمن مشروع الحداثة ، بحيث يرى أنها تشكل مدخلا أساسيا نحو التحديث باعتبارها سوف تساهم بشكل أساسي في هذا المشروع الذي يعتبر غير مكتمل اٍلى الآن نظرا لتهميش دورها فيه من طرف العديد من الاٍسهامات الفكرية ، وذلك باعتبار الثقافة الشعبية تعتبر خزانا كبيرا للتراث الثقافي المغربي والعربي ولمعتقداته والأشكال المادية واللامادية للتراث والخبرات …الخ ، باعتبارها مكونا ثابتا للمجموعات الثقافية المتعايشة أحيانا والمتصارعة أخرى في الفضاء المغاربي والعربي ، وانتقد الأنثروبولوجيا الثقافية باعتبارها تكرس دونية الثقافة الشعبية وتصنفها في خانة الفلكلور ، وينتقد كذلك الفعل الثقافي النخبوي الذي يعتبر نفسه متعاليا عن الثقافة الشعبية ومفارقا لها ، واعتبر ذلك من معيقات الحداثة والتحديث في المنطقة ، واعتبر أن الثقافة الشعبية في علاقتها بالحداثة تطرح اٍشكالات ابستمولوجية غاية في التعقيد وذلك نظرا للمقاربة الاٍثنوغرافية التي تمت بها دراسة الثقافة الشعبية والتي يتم بها تصنيفها في بعدها الأنثروبولوجي مثل شيء خارج سياق الحداثة والتحديث اٍن لم يكن معيقا لها معتبر أن هذه المقاربة خارجية ولا تقارن بالمقاربة التاريخية التي تقول بالتقدم والتطور وتنتصر للمكتوب وتنادي بوعي نقدي وتضع نصب عينيها بناء مستقبل مجتمع خرج حديثا من الاٍستعمار….الخ ، خاصة في ظل ثنائية الحداثة والتقليد أو التقليدانية – Traditionalisme التي دأب مأ أسماه ب ” الفكر النخبوي ” على توظيفها لحل هذا الاٍشكال الاٍبستمولوجي ، فالأنثروبولوجيا الثقافية في نظره تعيق التحديث والحداثة من خلال سعيها اٍلى تجاوز أو اٍقصاء لكل ما هو موروث من الاٍطارات الاٍجتماعية والسياسية مثل القبيلة والثقافة الشعبية والتعبيرات الشفوية …الخ ، ونبه اٍلى أن الدراسات الأنثروبولوجية الكولونيالية كان هدفها غير المعلن هو تضخيم عوامل التناثر والتشتت باعتبار كل ما هو تراثي وشعبي يصنف في خانة { الفلكلور } في اٍشارة منها اٍلى الثقافة العربية المكتوبة ، كون الأولى وحدها تشكل ثقافة الشعب الأصلي والأمي .

4 – أطروحة حسن رشيق :

اٍنخرط حسن رشيق في كتابه بعنوان: ” القريب والبعيد – مائة عام من الأنثروبولوجيا في المغرب “. وهو يحاول البحث في الغطاء المعرفي الذي دفع الباحثين الأنثروبولوجيين الكولونياليين لإنجاز أبحاث حول المغرب ، في مشروع فكري ضخم يتمثل في دراسة علم الأنثروبولوجيا بالمغرب من زوايا متعددة منهجية ونظرية واٍبستمولوجية وأيديولوجية ، مؤكدا على أن ما يلفت النظر في دراسة الأنثروبولوجيا كعلم من العلوم الاٍجتماعية بالمغرب هو أن مفهوم الأنثروبولوجيا في حد ذاته كان مفهوما مشكوكا فيه في السياق التاريخي نظرا لارتباطه بالاٍستعمار وبمصطلح ” الاستكشاف – Exploration ، من هذه الزاوية فالأبحاث الأنثروبولوجية التي اٍنطلقت في المغرب منذ مائة عام كان هدفها هو ” اٍستكشاف المغرب ” تمهيدا لاستعماره فيما بعد ، من خلال دراسة الذهنية المغربية والثقافة المغربية والاٍسلام المغربي أو ما أسماه حسن رشيق ب ” طبع المغاربة” – Caractère …الخ ، وقسم مراحل البحث الأنثروبولوجي اٍلى ثلاثة أقسام هي : المرحلة ما قبل الكولونيالية و المرحلة الكولونيالية ثم المرحلة ما بعد الكولونيالية ، وكان لكل مرحلة باحثون أمثال شارل وفوكو وادموند دوتي في المرحلة الأولى ، وروبير مونتاني وجاك بيرك في المرحلة الثانية ، وجون واتربوري واٍرنست غيلنر في المرحلة الثالثة ، مع ضرورة الاٍشارة اٍلى أن المرحلة الثالثة تميزت بدخول الأنثروبولوجيين الأنجلوساكسونيين في اٍطار ” الأنثروبولوجيا الـتأويلية” أمثال البريطاني اٍرنست غيلنر و الأمريكي كليفورد غيرتز .

أشار حسن رشيق اٍلى أن الدراسات الكولونيالية أطرتها النظرة الاٍثنوغرافية والغرائبية ، بالرغم من كونه في المقابل أشار أيضا أنه من الخطأ اختزال الأنثروبولوجيا الكولونيالية كمجرد انعكاس للأيديولوجيا الكولونيالية وكعامل مساعد لسياسة ” الهيمنة ” ، لأن الأعمال التي أنجزت حول المغرب كانت كثيرة وغزيرة ومتنوعة قامت بمعالجة المغرب من زوايا نظر مختلفة ومتعددة ومن الناحية المنهجية فيصعب على الباحث أن ينجز أبحاثا مبنية على أفكار سيئة وعلى مصالح غير محمودة ويتمكن بعد ذلك وبشكل مفارق من اٍنجاز معرفة سليمة ، كما أنه ليس استثناء أن يقدم باحث كولونيالي حقائق جزئية حول المجتمعات المدروسة بالرغم من أحكامة المسبقة الاٍستشراقية أو أيديولوجيته الكولونيالية ، والأهم هو النظريات والمفاهيم والمناهج التي تم توظيفها في تلك الأبحاث ، بحيث شكلت الأساس الاٍبستمولوجي الذي انطلقت منه المساهمات المغربية بالرغم من انتقادها له ، ما يجعل المساهمات المغربية تفتقد للتأصيل النظري والمنهجي والمفاهيمي .

5- الأنثروبولوجيا والثقافة أية علاقة ؟

ترتبط الأنثروبولوجيا بالثقافة بعلاقة وطيدة باعتبار أن الأنثروبولوجيا هي علم الثقافة ، أي العلم الذي يدرس ثقافة الشعوب البدائية ، وقد ترسخت علاقة الأنثروبولوجيا بالثقافة مع ظهور الأنثروبولوجيا الثقافية ، باعتباره الجانب الذي يهتم بدراسة المظاهر الاٍجتماعية لثقافة الشعوب ، ولن أتناول هنا بطبيعة الحال ذلك الجدل الذي دار بين المدارس الأنثروبولوجية بين من يعتبرون الأنثروبولوجيا الثقافية هي الأصل باعتبارها تهتم بثقافة الشعوب البدائية وبين من يرون العكس ، خاصة المدرستين البريطانية والأمريكية ، بحكم أن المدرسة البريطانية والتي أسسها ألفريد رينولد راد كليف براون – Alfred Reginald Radcliffe-Brown تعتبر أن الأنثروبولوجيا الثقافية كان لها السبق في دراسة الجانب الاٍجتماعي للثقافة ، وهذا الرأي كان له اٍسهام كبير في ظهور الأنثروبولوجيا الاٍجتماعية على يد راد كليف براون ، بينما يرى أحد الأقطاب المؤيدين للأنثروبولوجيا الاٍجتماعية الأمريكية وهو برونيسلاف كاسبر مالينوفسكي – Bronislaw Kasper Malinowski أن الأنثروبولوجيا الاٍجتماعية باعتبارها تدرس العلاقات والأبنية والنظم الاٍجتماعية هي الأصل وأنها أعم وأشمل وتدخل الأنثروبولوجيا الثقافية في مجال اٍهتمامها ، ويرجع الفضل في ظهور واٍغناء مفهوم الثقافة ومفهوم الثقافة الشعبية اٍلى الأنثروبولوجيا بحكم أن هذه الأخيرة اٍهتمت بدراسة الظواهر الثقافية ذات البعد الاٍجتماعي في حياة المجموعات القبلية والبدائية في أفريقيا وأمريكا ، باعتبار انتشار المستعمرات البريطانية في أفريقيا وأمريكا ، وقد قام اٍدوارد تايلور – Edward Burnett Taylor وهو من أبرز الأنثروبولوجيين البريطانيين الذين قاموا بتوطيد العلاقة بين الأنثروبولوجيا كعلم يهتم بدراسة الظواهر الاٍنسانية في أبعادها الاٍجتماعية ، وهو يقدم تعريفا للثقافة في كتابه :” الثقافة البدائية ” على أنها ذلك المركب الذي يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الاٍنسان باعتباره عضوا في المجتمع ، وفي الأصل فمفهوم الثقافة – Culture حسب العالم الأنثربولوجي اٍدوارد طومسون- Edward Thomson في كتابه :” الأيديولوجيا والثقافة الحديثة” ذو جذور لاتنية هي – Cultura ، وتعني الفلاحة والزراعة وحراثة الأرض ، وتطورت الكلمة في القرن 19 لتأخذ معنى الحضارة – Civilisation ثم وظفت كلمة حضارة فيما بعد لتأخذ دلالة تطور الثقافة فيما بعد ، خاصة في عصر الأنوار ، ومع تطور المجتمع الرأسمالي في أوروبا وانتشار وسائل الطباعة ووسائل الاٍتصال الجماهيري وانتشار دور العرض المسرحي وتطور الكتابة والنشر ، وانقسام المجتمع الرأسمالي اٍلى طبقة بورجوازية وأخرى عاملة ، بدأ مفهوم الثقافة الشعبية في الاٍنتشار في مقابل الثقافة العالمية أو الراقية وهي ثقافة النخبة البورجوازية وهي مرتبطة بالمدرسة والجامعة وتشمل البحث الأكاديمي والفلسفة المسرح والأدب والفنون عامة وطريقة تفكير ونمط عيش تلك النخبة أيضا ، ومفهوم الثقافة الشعبية أو ما كان يسمى بثقافة الجماهير – mass culture وكان يقصد به ذلك الجانب من الثقافة السوقية التي ينتجها العوام من الناس والتي تعتبر ثقافة تجارية و استهلاكية أي كل ما تنتجه وسائل الاٍتصال الجماهيري بقصد الاٍستهلاك ، وهي ثقافة دونية مرتبطة بمستوى وعي وفكر الطبقة العاملة والطبقات الدنيا من المجتمع ، وتشمل الاٍنتاجات الفنية والفرجوية والاٍشهار …الخ .

قدمت الأنثروبولوجيا الاٍجتماعية محاولات في نزع ذلك الجانب السلبي عن الثقافة الشعبية باعتبارها ثقافة الرعاع والجهال والأميين خاصة التعريف الذي قدمه تايلور للثقافة والذي يختلف عن التعريفات الاٍثنوغرافية السابقة التي تربط بين الثقافة كنتاج اٍنساني وبين العرق أو الاٍثنية برباط وثيق بحيث يبدو مفهوم الثقافة حسب هذا المفهوم حتميا ومطلقا ومتعاليا عن التاريخ والزمن والمكان ، وبخلاف ذلك فاٍن التعريف الذي قدمه تايلور يوضح أن الثقافة هي مجموع الاٍنتاج البشري كيفما كانت مصادره وطرق اٍنتاجه ، بحيث يبدو أن التعريف الذي أعطي للثقافة الشعبية تعريف بورجوازي يطغى عليه البعد الأيديولوجي ، وهذا التعريف رغم كل المحاولات التي تبذلها العديد من الأطروحات العلمية من أجل طرحه جانبا لايزال مستمرا ومنتجا لأثاره الاٍجتماعية والسياسية ، بحيث مثلا في المغرب نلاحظ أن هذا المفهوم لايزال ساريا ، باعتبار أن الثقافة الشعبية هي ذلك الجانب غير المؤسسي والرسمي من الثقافة ، والجدير بالملاحظة أيضا أن الثقافة الشعبية تعتبر راسخة وأصبحت تتطور باستمرار وصارت لها اٍنتاجات واٍبداعات راقية أيضا كما أنها تعتبر المحرك الأساسي للعجلة الاٍقتصادية في ظل غياب سياسة ثقافية تستحضر كل الأبعاد التي تندرج في اٍطار الاٍنتاج البشري الثقافي وتقوم بإدماجها على شكل برامج ومشاريع مندمجة .

لقد دعى محمد أركون اٍلى ضرورة اٍجراء حفريات بالمفهوم الأنثروبولوجي للثراث بالمغارب من أجل الوصول اٍلى تلك الطبقات التكتونية الأساسية من هذا التراث المترسبة في الأعماق والتي سعى الطرح الأيديولوجي للثراث بطمسها على مدى 14 قرنا من تواجد المعتقد الديني الاٍسلامي في شمال أفريقيا ، بحيث اٍرتبط مفهوم التراث نظرا لذلك بالثرات الاٍسلامي فقط في اٍستبعاد تام للثراث المحلي الذي كان سائدا قبل دخول الاٍسلام اٍلى المنطقة ، وهذا الجزء الأساسي من التراث والذي هو الجزء الأمازيغي لابد من الاٍعتراف بكونه يعتبر حاملا أنثروبولوجيا تمت على أساسه صياغة كل مظاهر التراث و الثقافة المغاربية اٍلى يومنا هذا ، ويظهر ذلك جليا في ذهنية و طريقة تفكير المغاربة وطريقة لباسهم وحديثهم وطبخهم وعمرانهم …الخ ، والذي يختلف كليا سواء عن المشرق أو الغرب ، في حين يدعو عبد الله حمودي اٍلى توطين الأنثروبولوجيا كعلم من العلوم الاٍجتماعية وذلك بالقيام بعملية تبيئة المفاهيم والمناهج بغية الوصول اٍلى حل الاٍشكاليات المحلية من خلال دراسات علمية تستحضر البعد المحلي بشكل أساسي بعيدا عن الاٍقتباس والتقليد ، واٍن كان هذا الطرح يبدو سليما من الناحية المنطقية الاٍ أنه يبدو عسيرا من الناحية العلمية ، أولا لأن اٍنتاج المعرفة العلمية مرتبط بشروط اٍجتماعية وتاريخية وسياسية تبدو غير متوفرة في منطقة شمال اٍفريقيا والشرق الأوسط أو ما يسميه عبد الله حمودي بالعالم العربي في الوقت الراهن ، ثم لأن الطرح الحمودي تطغى عليه النزعة الأيديولوجية الاٍثنية من حيث قيامه بالتعميم ، فقيام علم أنثروبولوجيا ” عربي ” كما سماه هو ، هي دعوة اٍلى علم بمقاس معين وهذا العلم بطبيعة الحال لن ينتج معرفة علمية سليمة بقدر ما سوف ينتج أطروحات أيديولوجية معيارية ، اٍن اختزال علم معين في ضرورة اٍنتاجه بواسطة معايير عرقية معينة – بالرغم من نفيه هو لهذا الطرح – يبدو محدود الأفق ما لم يقم باستحضار الأبعاد المحلية للثراث والخصوصيات التي تختزن جل الأبعاد الثقافية المضمرة وغير البارزة في هذا التراث ، والتي لابد من الاٍعتراف بها قبل البدء في التفكير بتبيئة المناهج والمفاهيم العلمية .

يحاول عبد الله العروي متأثر بأطروحات الأنثروبولوجيا الثقافية بالرغم من انتقاده لها أن يعلي من شأن الثقافة الشعبية داعيا اٍلى ضرورة الاٍعتناء بها واٍدماجها في المنظومة الثقافية الشاملة في أفق القيام بتدبير عقلاني للمتعدد الثقافي الوطني ، وعدم اٍستبعاد أي بعد لأن من شأن ذلك أن يعمل على اٍعطاب المنظومة الثقافية ككل ، وينتقد عبد الله العروي الأطروحة الكولونيالية من خلال سعيها اٍلى اٍختلاق تفرقة بين مفهومين للثقافة بالمغرب ، المفهوم العالم والمفهوم الشعبي ، مع أن هذا الطرح لايزال سائدا للأسف ، باعتبار أن ظهور الأنثروبولوجيا كعلم والذي ظل مرتبطا بالاٍستعمار عموما طغى عليه الجانب الأيديولوجي بحيث تم نقل نفس الاٍشكاليات العلمية التي تناولها اٍلى الدراسين المغاربة مع قليل من النقد وكثير من الأجرأة وتكريس لنفس الأطروحات ونفس المفاهيم ، وقد سعى حسن رشيق من خلال الأبحاث الميدانية التي قام بها في العديد من مناطق المغرب اٍلى محاولة الخروج من المأزق العلمي الذي وجد فيه الأنثروبولوجيون المغاربة أنفسهم والمتمثل في اٍشكاليتين كبيرتين ؛ اٍما التسليم بالإرث الكولونيالي والسير على نهجه ، أو نقده وتجاوزه وتأسيس علم أنثروبولوجيا مغربي بالخصوصيات المغربية ، وفي هذه النقطة بالذات يعود الاٍشكال الاٍبستمولوجي ليفرض نفسه بشكل محرج ، فاذا كان عبد الله حمودي يدعو لإنتاج معرفة أنثروبولوجية عربية فاٍن محمد أركون يدعو اٍلى تأسيس علم أنثروبولوجيا مغاربي وعبد الله العروي وحسن رشيق يدعوان اٍلى تأسيس أنثروبولوجيا مغربية ، وهذه الأطروحات تلتقي وتفترق عند نفس الاٍشكال العلمي الذي يؤرق المهتمين بالعلوم الاٍجتماعية جميعا والمرتبط بضرورة تأسيس علوم اٍجتماعية بمناهج ومفاهيم محلية ، لكن في ظل أية شروط ؟ من المعلوم أن الثقافة المغربية والمغاربية أيضا تعرف غنى و تنوعا شديدا وتفاصيل دقيقة وغزيرة جدا من منطقة اٍلى أخرى قريبة جدا من الأولى ، وهذا ما دفع حسن رشيق اٍلى الاٍقتناع بأن ” الوضعية الاٍثنوغرافية ” لم تتغير كثيرا في المغرب ، فالطقوس الدينية والأشكال الغرائبية – Exotisme المرتبطة بها مثل السحر والشعوذة وزيارة الأضرحة والدعارة …الخ ، لم تتغير كثيرا رغم التحولات الاٍجتماعية التي شهدها المغرب منذ زوال الاٍستعمار ، وهو نفس الموقف الذي دفع بول باسكون – Paul Pacson بالقول بتركيبة المجتمع المغربي الشديدة والمعقدة ، بحيث يتعايش التقليدي والحداثي والطقوسي والباطرياركي والقائدي والفيودالي والقبلي …الخ جنبا اٍلى جنب في هذا المجتمع بشكل مذهل ، وهذا ما دعى بول باسكون اٍلى القول بأن المغربي يختلف حتى مع نفسه ،هذا التركيب المعقد يبدو منذ الوهلة الأولى أنه غير متجانس ، لكنه يشكل في العمق خليطا كيميائيا ثم صهره في بوثقة الخصوصية المغربية الأصلية منذ آلاف السنين والتي هي جوهر الذهنية المغربية والطبع المغربي مهما اختلفت المناطق واللهجات ومهما شعر كل طرف أو كل جزء من الهوية المغربية المتعددة أنه ينتمي اٍلى مناخ ثقافي وهوياتي مغاير .


  • 317
    Shares
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments