الأمازيغية في قانون الميزانية التوقعية لـ 2024


قد تكون انطلقت منذ مدة التحضيرات لإعداد ميزانية السنة المالية المقبلة 2024، قبل عرضها للدراسة والمصادقة على مجلس الحكومة والبرلمان بغرفتيه، رغم أن العمليتين الأخيرتين ليستا إلا إجراءات شكلية ومسطرية، ولا تؤثران بشكل كبير في رسم التوجهات العامة للحكومة وميزانيتها. في مثل هذه المناسبات يطرح علينا سؤال ما موقع الأمازيغية في البرنامج الحكومي، وما حجم التمويلات التي ستخصص لورش تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية؟ وأي موقع للأمازيغية ضمن رزنامة الأولويات الحكومية للسنة المقبلة في ظل مستجد الإقرار الملكي لرأس السنة الأمازيغية عيدا وطنيا مؤدى عنه؟ والوضع يسائلنا هل تمتلك الحكومة تصورا ورؤية وخارطة طريق واضحة لتنزيل الالتزامات تجاه الأمازيغية كما وردت في القانون التنظيمي 16-26؟

لا يمكن اليوم الحديث عن الأمازيغية دون التطرق لموقعها في قانون الميزانية لكل سنة على حدة، لأنه الفعل الذي يعكس بوضوح درجة ومستوى ترجمة التزامات الدولة والحكومة بشكل ملموس في مجال تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، وهنا لا بد أن نقف عند حجم وقيمة مخصصات الحكومة لورش تفعيل الطابع الرسمي للغة، فالحكومة على مدى سنتين من عملها لم يتجاوز حجم إنفاقها على الأمازيغية 500 مليون درهم، حيث خصصت لذلك صندوقا خاصا بغلاف مالي يناهز 200 مليون درهم برسم سنة 2022، و300 مليون درهم برسم قانون المالية لسنة 2023، على أن يتم رفعه تدريجيا، خلال السنوات المقبلة، ليبلغ 1 مليار درهم في أفق سنة 2025، في إطار ما أطلق عليه “صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي واستعمال الأمازيغية” والذي تشرف على تدبيره وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، ويبقى هذا الرقم هزيلا جدا ولا يتناسب مع حجم الالتزامات التي يحددها القانون التنظيمي 16-26، اذ لا يتجاوز 0,5% من ميزانية جهة الدار البيضاء لـ 2022-2023 البالغة 53 مليار درهم.

تقدم الحكومة إحداث الصندوق باعتباره إجراء غير مسبوق وخطوة مهمة وجبارة في ورش الأمازيغية، حيث أن رئيس الحكومة في خرجاته الإعلامية والتواصلية يؤكد على أن الحكومة وضعت خارطة الطريق لتفعيل هذا الورش، تضم 25 إجراء في المحاور المتعلقة بالإدارة والخدمات العمومية، والتعليم والعدل والثقافة والإعلام السمعي البصري. ويعتبر ذلك إنجازا مهما للغاية، رغم أن الحكومة إلى حدود الساعة لم تقم بنشر أي وثيقة تبسط فيها هذه الإجراءات والتدابير، وفي هذا الإطار وقعت يوم الثلاثاء 10 يناير 2023 بالخميسات وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة على اتفاقيات شراكة مع كل من وزارة العدل، ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ووزارة الشباب والثقافة والتواصل.

إلا أن المتتبع لورش الأمازيغية سيقف عند حقائق صادمة بخصوص التزامات الحكومة الحالية بمضامين الدستور والقانون التنظيمي، سنعمل على توضيحها هنا رفعا لأي لبس في الموضوع وتنويرا للرأي العام.

ينص المرسوم رقم 2.23.245 الصادر في 17 من شوال 1444 (8 ماي 2023) على تحديد أشكال وكيفيات دفع المبالغ وتقديم الدعم من صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي واستعمال الأمازيغية. على أن تعد السلطة الحكومية المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، بتنسيق مع السلطة الحكومية المكلفة بالمالية، برنامج العمل السنوي للصندوق بناء على التوجهات الاستراتيجية المندرجة ضمنها العمليات المتعلقة بتحديث المرافق العمومية والتحول الرقمي واستعمال اللغة الأمازيغية. ويمكن تحيين هذا البرنامج خلال السنة. على أن يتضمن برنامج العمل السنوي للصندوق المحاور ذات الأولوية القابلة للدعم والاعتمادات المخصصة لكل محور، في حدود الاعتمادات المتوفرة خلال السنة مع العمل على نشر برنامج العمل بالمنصة الإلكترونية للصندوقwww.fomap ma قبل العاشر من شهر يناير من كل سنة وعند كل تحيين. إلا أنه وإلى حدود الساعة لم يتم احترام مقتضياته، ولم يتم إحداث الموقع الإلكتروني الخاص به، كما أن الوزارة المكلفة لم تعلن عن أي برنامج أو عن أي طلبات تقديم عروض أو مشاريع للتمويل لفائدة كل الفئات المعنية بالصندوق، والأخطر من هذا أن الوزارة المعنية أطلقت منصة لتلقي المقترحات والمشاورات لتحديث الإدارة العمومية باللغة العربية دون اللغة الأمازيغية، علما أنها الجهة المكلفة بأجرأة تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية.

لا يخفى على أحد أن القانون التنظيمي 16-26 دخل حيز التنفيذ ابتداء من 12 مارس 2020، كما نص على ذلك القانون التنظيمي نفسه في مادته 35 مع الأخذ بعين الاعتبار المادتين 31 و32، حيث حدد أجل بدء تفعيله في ستة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي سنة ونصف قبل تنصيب الحكومة الحالية في أكتوبر 2021، وجدير بالذكر أن حكومة العثماني قد أعدت مخططا مندمجا لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وأسندت لوزارة الثقافة عملية التدبير والتنسيق بين القطاعات الحكومية ذات الصلة بالمخطط، حيث صادق مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 03 شتنبر 2020 على مشروع مرسوم رقم 2.60.600، بتحديد تأليف اللجنة الوزارية الدائمة المكلفة بتتبع وتقييم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات سيرها، والذي حدد مهام هذه اللجنة، بعد أن أسند رئاستها إلى رئيس الحكومة، في دراسة مخططات العمل والبرامج القطاعية المرتبطة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والحرص على التقائية السياسات العمومية، وكذا تتبع وتقييم تنفيذها داخل الآجال المحددة لها، ودراسة التقرير التركيبي السنوي والمصادقة عليه. وللأسف يتم تجميد عمل اللجنة الوزارية ووقف تنفيذ وتنزيل المخطط المندمج دون سابق إشعار، ودون أن تكلف الحكومة نفسها مسؤولية تقديم بديل أو توضيحات بخصوص مآلها، في ضرب صارخ لاستمرارية السياسات العمومية لأجرأة الاختيارات الاستراتيجية، هذا إن كانت الأمازيغية كذلك، إذ من الواضح أنها ليست كذلك بكل حسرة، وهذا العمل يبرز وبجلاء حجم العبث في إعداد السياسات العمومية وتنفيذها، وغياب أي تصور لترصيد المجهودات المبذولة من طرف الحكومة السابقة وعدم رسملة ما قامت بإعداده، الشيء الذي يعد هدرا لزمن الفعل العمومي وهدرا للجهود التي بذلت في هذا المجال والإمكانات والفرص.

اليوم ونحن على بُعد أقل من سنتين من انتهاء المدة التي حددها القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، حيث ورد في المادة 31 (الفقرة الأولى) منه، ما يلي : “يعمل بأحكام المواد 4 (الفقرة 2) و7 و9 و10 (الفقرة الأولى) و12 و13 و14 و15 و20 و24 و27 و28 و29 من هذا القانون التنظيمي داخل أجل خمس سنوات على الأكثر ابتداء من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية”، وبإيجاز هذه أهم الالتزامات التي وجب على الحكومة العمل على تحقيقها قبل نفاذ ولايتها الانتدابية الحالية:

– تعميم تدرس اللغة الأمازيغية، بكيفية تدريجية، في جميع مستويات التعليم الأولي والابتدائي والثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلي والتكوين المهني.

– إدماج اللغة الأمازيغية في برامج محو الأمية والتربية غير النظامية.

– استعمال اللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية في إطار أشغال الجلسات العمومية للبرلمان وأجهزته، ويجب توفير الترجمة الفورية لهذه الأشغال من اللغة الأمازيغية وإليها عند الضرورة.

– نقل جلسات البرلمان بمجلسيه مباشرة على القنوات التلفزية والإذاعات العمومية الأمازيغية، مصحوبة بترجمة فورية لأشغالها إلى اللغة الأمازيغية

– إدماج اللغة الأمازيغية في مختلف وسائل الإعلام العمومية والخاصة، بجميع أنواعها، بما يتناسب ووضعها كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، وذلك في إطار اتفاقيات الدعم الذي تخصصه الدولة لهذه الوسائل، وكذا في إطار دفاتر التحملات الخاصة بالقنوات التلفزية والإذاعية.

– تأهيل القنوات التلفزية والإذاعية الأمازيغية العمومية لتأمين خدمة بث متواصلة ومتنوعة، تغطي كافة التراب الوطني، مع تيسير استقبال هذه القنوات خارج المغرب.

– الرفع من حصة البرامج والإنتاجات والفقرات باللغة الأمازيغية في القنوات التلفزية والإذاعية العامة أو الموضوعاتية في القطاعين العام والخاص بما يتناسب ووضعها كلغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية.

– يراعى معيار استعمال الأمازيغية ضمن معايير توزيع الدعم العمومي الموجه للإنتاجات السمعية -البصرية بما فيها الأفلام السينمائية والتلفزية وغيرها من الأعمال الفنية وكذا الصحافة المكتوبة والرقمية.

– بث الخطب والرسائل الملكية والتصريحات الرسمية للمسؤولين العموميين، على القنوات التلفزية والإذاعية العمومية الأمازيغية، مصحوبة بترجمتها الشفاهية أو الكتابية إلى اللغة الأمازيغية.

– بث، باللغة الأمازيغية، البلاغات والبيانات الموجهة لعموم المواطنين.

– إدماج الثقافة الأمازيغية والتعابير الفنية الأمازيغية في مناهج التكوين الثقافي والفني بمؤسسات التكوين التي تعنى بالشأن الثقافي والفني سواء العمومية منها أو الخاصة.

– توفير بنيات للاستقبال والإرشاد باللغة الأمازيغية بمختلف الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية وسائر المرافق العمومية.

– توفير خدمة مراكز الاتصال التابعة لها باللغة الأمازيغية. بمختلف الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية وسائر المرافق العمومية.

– استعمال اللغة الأمازيغية، إلى جانب اللغة العربية، في:

اللوحات وعلامات التشوير المثبتة على الواجهات وداخل مقرات الإدارات والمرافق العمومية والمؤسسات والمنشآت العمومية والمجالس والهيئات الدستورية والمجالس والهيئات المنتخبة؛

اللوحات وعلامات التشوير المثبتة على الواجهات وداخل مقرات السفارات والقنصليات المغربية بالخارج وكذا المرافق والإدارات التابعة لها؛

لوحات وعلامات التشوير المثبتة في الطرق والمحطات الطرقية والمطارات والموانئ والفضاءات العمومية.

– كتابة باللغة الأمازيغية، إلى جانب اللغة العربية، العلامات الخاصة بمختلف وسائل النقل التي تقدم خدمات عمومية أو التابعة لمصالح عمومية، ولا سيما منها:

السيارات والناقلات التي تستعملها المصالح العمومية، ولاسيما منها المكلفة بالأمن الوطني والدرك الملكي والوقاية المدنية والقوات المساعدة وسيارات الإسعاف؛

مختلف السيارات والناقلات المخصصة للخدمات العمومية أو المرخص لها بذلك؛

الطائرات والسفن المسجلة بالمغرب، وكذا القطارات.

توفير الخدمات الصوتية باللغة الأمازيغية، إلى جانب اللغة العربية، لإرشاد وتوجيه المواطنين بالمرافق العمومية.

اعتماد اللغة الأمازيغية، إلى جانب اللغة العربية، في الحملات التحسيسية والتواصلية الموجهة من قبل الإدارة لعموم المواطنين عبر مختلف الوسائط والدعائم، خاصة منها السمعية البصرية.

من خلال تتبع مختلف المجالات المعنية بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية، يتضح أن الحكومة الحالية لم تشرع بعد في التنفيذ والوفاء بهذه الالتزامات ونحن على مشارف نهاية الفترة التي حددها القانون التنظيمي 16-26، والأدهى من هذا أنها مططت في الآجال الخاصة ببعض القطاعات كالتعليم مثلا إلى سنة 2030، في ضرب صارخ للدستور والقانون التنظيمي، ودون أن تقدم خارطة طريق واضحة المعالم بأهداف تدابير وإجراءات واضحة وبمؤشرات قابلة للقياس.


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments