توظيف الدين في خطاب الحرب


استغرب الكثيرون من عودة الشعارات والأساطير الدينية في الحروب الحالية الدائرة رحاها سواء بين أمريكا وإسرائيل وإيران، أو بنسبة أقل بين روسيا وأوكرانيا، أو في بعض المواجهات داخل إفريقيا، وإذا لم يكن مستغربا اعتماد نظام الملالي التيوقراطي على بعض الشعارات والرموز الدينية من أجل التعبئة والطمأنة، إلا أن ظهور تعابير مباشرة ومشابهة لدى الطرف الأمريكي والإسرائيلي وعلى لسان شخصيات قيادية كبرى، يطرح أكثر من سؤال حول دلالتها.

فقد صرح ناتانياهو قائلا:”ليست قوتنا من تضرب إيران بل يد الربّ من تساندنا”، كما جاء في بيان لمجتبي خامنئي “قوة الله ستهدّ جبروت أمريكا، وأدعو المسلمين السنة إلى الوقوف بجانبنا لينالوا جزء من ثواب الجهاد الذي نخوضه”، كما صار ملفتا للانتباه الاستعمال المفرط للخطاب الديني من طرف شخصيات من محيط البيت الأبيض وحتى من ضباط الجيش الأمريكي، معتمدين نبوءات “نهاية الزمان” و”سفر الرؤيا” في العهد الجديد، مع عودة كلمة “أرماغيدون” Armageddon ورموزها، بل ومن وزير الخارجية الأمريكي نفسه عبر القول بأن أمريكا تدافع عن “العالم المسيحي“، وسفير أمريكا بإسرائيل الذي برّر حروب الدولة العبرية بالوعد الإلهي لليهود، إلى خطاب بعض الشخصيات الأمريكية العسكرية والسياسية، وهو أمر غير مسبوق بهذه الحدة الهذيانية في الحرب السابقة التي شهدها القرن العشرون والربع الأول من القرن الواحد والعشرين.

إن ظاهرة استحضار الآلهة في الحروب قديمة ومشتركة بين أغلب الحضارات، ويمكن فهمها كجزء من تصور الإنسان القديم للعالم، حيث لم يكن ثمة فصل بين الدين والسياسة والسلطة الاجتماعية، هذا الفصل الذي لم يظهر إلا بعد ترقي الإنسان في مدارج الحضارة.

ففي حضارات بلاد الرافدين ومصر القديمة واليونان القديمة، كان يُعتقد أن لكل شعب إلهه الحامي، ولم تكن الحرب بين جيوش البشر فقط، بل كان الاعتقاد سائدا في وجود “حرب موزاية” بين الآلهة أيضا، كما تذكر “إلياذة هوميروس” في حرب طروادة . وكان المنتصر يُفهم بأنه حظي بدعم مباشر من إلهه، بينما المهزوم ينظر إليه كأنه تم التخلي عنه من طرفه عقابا له. ويفسر هذا لماذا كان الملوك والقادة العسكريون يقومون بتقديم القرابين وطلب النصر من الآلهة. ففي اليونان القديمة أو روما مثلا، كان القادة يستشيرون الكهنة ويفحصون “علامات” معينة في بعض الظواهر المحيطة، قبل اتخاذ قرار الحرب، وذلك لمعرفة إن كان الإله قد سمح بإعلان الحرب أم لا. وبما أن الآلهة كان لها تماثيل ورموز مادية فقد كانت تُستعمل بشكل كبير في الحرب النفسية ضدّ الخصوم أو للتعبئة الداخلية. وكانت الابتهالات والأدعية الجماعية بمثابة استدرار لعطف الآلهة، وتطمينا نفسيا للأتباع.

وفي التاريخ الإسلامي عرفت الحروب بين المسلمين استعمالا مفرطا لمنابر المساجد التي لعبت أدوارا كبيرة خلال الفتن التي كان الدين فيها أهم وسيلة للإقناع والتبرير والشرعنة، وأحيانا ما كانت نفس النصوص تستعمل من الأطراف المتناحرة لتأكيد مصالح متضاربة، كما حدث خلال “الفتنة الكبرى” في بداية التاريخ الإسلامي.

ولأن الحرب ـ مهما كانت أهدافها الحقيقية ـ كانت تُقدَّم بوصفها تنفيذا لإرادة إلهية، فقد كان ذلك من أكبر وسائل شرعنة العنف المنظم، كما نجد في النصوص الدينية القديمة، حيث يصبح القتال “واجباً” مقدسا. وهكذا كانت الأطراف المتناحرة تسقط صراعاتها على العالم الميتافيزيقي لتمنحها معنى وشرعية في نفوس الأتباع.

ويبدو أن هذا ما يتم حاليا في الحروب المعاصرة بطرق مختلفة، حيث يتمّ استحضار الدين في خطاب الحرب من الأطراف المتناحرة، دون أن يعني ذلك بالضرورة بأن هؤلاء القادة “يؤمنون” فعلاً بأن الله يقف في صفهم، وإنما يعكس توظيفًا سياسياً ورمزياً للدين يخدم أهدافًا ظرفية متناقضة بين أطراف الحرب.

يمكن تفسير ذلك بأن الدين يظل رغم كل التقدم العلمي والفكري والتقني أداة تعبئة وشرعنة، حيث يقدم كل طرف نفسه بوصفه مدافعا عن “قضية عادلة” أو “رسالة مقدسة”، ما يمنحه شرعية أخلاقية أمام شعبه. في هذا السياق، يتم اختزال الربّ في خطاب تعبوي يبرر الحرب ويحوّلها إلى واجب أخلاقي. فالربّ سيساعد أمريكا على تخليص العالم من الشر الإيراني الذي تسعى به نظام العمائم إلى امتلاك السلاح النووي للسيطرة على المحيط الإقليمي كله، كما سيساعد الربّ إسرائيل على النجاة من الإبادة التي يخطط لها النظام الإيراني لكي تتكرر مأساة اليهود في السبي العظيم. وسيقف الله حتما بجانب إيران التي تتعرض لهجوم آثم من قبل قوى الاستكبار العالمي والتي يحكمها رجال دين مقربون إلى الله ويحكمون وهم في خدمته وطبقا لشرائعه.

وتلعب النصوص الدينية دورا هاما في الصراع القائم كما كان عليه الأمر من قبل، وهي بطبيعتها نصوص قابلة للتأويل في كل الاتجاهات، كما ينتقي منها كل طرف ما يخدم روايته: إيران تستند إلى خطاب “المقاومة”، إسرائيل إلى “أرض الميعاد” و”معاداة السامية”، والولايات المتحدة إلى فكرة “الرسالة الكونية” أو الدفاع عن النظام العالمي الذي تقوده. وفي هذه الروايات الثلاث لا يكون الله موضوع اتفاق، بل موضوع تأويل وتصرف.

وحين تختلط العقيدة بالطموحات السياسية والمخططات العسكرية، تتحول المصالح إلى “حق إلهي”، وهذا ما يجعل كل طرف يعتقد ضمنياً أن الله معه، لأن تصوراته عن الله صيغت أصلاً بما يخدم تلك المصالح.

وفي جميع الأحوال، يبدو أن عودة استعمال الدين في الحرب سنة 2026 ترافقها عودة كل سلبيات الماضي البشري، في شرعنة العنف والعدوان باسم السماء، وهي آلية دفاعية في التحليل النفسي يتخذ فيها الدين والحرب نفس التفسير، باعتبارهما معا نتيجة غرائز العدوان الكامنة في النفس البشرية، والتي يتم “كبتها” لتتمظهر في أشكال مختلفة، وقد عبر فرويد في أربعة كتب له ما بين 1913 و 1939 عن أن الدين تعبير عن الرغبة في الحماية الأبوية المكبوتة منذ الطفولة، وأنه يستعمل في كبت الغرائز والانضباط للجماعة، كما يستعمل في تبرير الحروب وأشكال العدوان.

لقد كانت القوة الميتافيزيقية المطلقة تُستعمل من أجل الاحتماء وتفسير الظواهر المحيطة وإيجاد التوازن المطلوب مع عناصر الطبيعة التي تسحق الإنسان بجبروتها، لكن تلك القوة نفسها ـ ويا للمفارقة ! ـ هي التي اعتمدها الإنسان في إعلان الحروب على غيره.


0 Commentaires