ماذا وراء مقاومة اللغة الأمازيغية الجامعة؟

تواجه جهودُ مَعْيَرَةِ اللغة الأمازيغية مُقاوَماتٍ من جهات، تختلف في دوافعها، ولكنها تلتقي في مراميها أو، على الأقل، في النتيجة المترتبة موضوعيا عن رفضها تلك المَعْيَرَة: ألا وهي مَنْعُ الأمازيغية من السعي إلى اكتساب لغة كتابة جامعة panamazighe، يتواضع الناطقون بالأمازيغية على الكتابة والتأليف بها، أيّا كانت لهجاتُهم الشفهية. ويمكن تصنيف الرافضين لمعيرة الأمازيغية حسب دوافعهم إلى فئتين، أُولاهُما ينبني موقفها على عداء أيديولوجي للأمازيغية من حيث هي، شفوية كانت أم كتابية؛ والثانية تتذرّع بضرورة التمسك باللهجات الأمازيغية كما هي، نطقا وكتابة، حبا في لغة الأم وخوفا عليها من التهجين والتصلب وفقدان الحيوية المرتبطة بالشفهية.

أولا: الرافضون لمعيرة ألأمازيغية من باب العداء للأمازيغية هوية ولغة وثقافة:

لن نتوقف طويلا عند هؤلاء؛ إذ إن موقفهم من معيرة الأمازيغية ليس سوى مظهرٍ من مظاهر موقفهم المبدئي من الأمازيغية عامة، شفهية كانت أم مكتوبة. فبعد أن خسروا حرب دَسْتَرَة الأمازيغية عادوا ليستأنفوا حربهم عليها بطرق أخرى، الغايةُ منها تقليصُ آثار الاعتراف الدستوري ذاك.

وليس حديث “التعبيرات اللغوية” والتباكي على “التنويعات الجهوية” سوى ذرائعَ ظاهرُها الدفاعُ عن “التنوع اللغوي” وباطنُها الرغبةُ في الحيلولة بين الأمازيغية وبين الرُّقِيِّ إلى مَصافِّ اللغات المكتوبة. ذلك أنهم يرون في ذلك، إذا تحقق، تهديدا لاستمرار احتكار اللغتين العربية والفرنسية لسوق التداول الكتابي للغات في المغرب.

إنهم، بتعبير الراحل عبد السلام ياسين، لا يقبلون أن تكون الأمازيغية الجامعةُ “ضَرَّةً” للغات الكتابة السائدة. ولن يتخلص هؤلاء من تَوَجُّسِهم المَرَضي من الأمازيغية إلا بالتخلي عن أيديولوجيتهم الشمولية وقرينتها المؤامراتية، والقبول بالتعايش في إطار مجتمع حداثي منفتح، يرى التنوع غنى والأحاديةَ تفقيرا واضطهادا (فيما يخص العروبيين)، وبالتعافي من عقدة الخواجة، أي الميل إلى تقليد واقتناء كل ما هو أجنبيّ، (بالنسبة للفرنكفونيين). ولا يبدو أن الشفاء سيكون عاجلا، بالنظر إلى المعطيات الإكلينيكية المتوفرة…

ثانيا: الرافضون لمعيرة الأمازيغية تعلُّقا بـ”لغة الأم”:

سنفترض صدق عاطفة هؤلاء، لعدم وجود ما يدعو إلى الشك فيه، وما دمنا لم نشقَّ على صدورهم. والواقع أن هذا التعلق، إذا صدُق، قد يكون من الحميمية بحيث يجعل صاحبَه يعتقد أن أدنى تصرف، بالتشذيب والتحويل والرد إلى الأصل بالزيادة أو النقصان…، أي بالتقعيد، هو بمثابة الاعتداء على الأم نفسها، لا على لغة الأم فحسب. إنه مزيج من مشاعر العقوق والخيانة والغيرة يلازم كل إقدام على المس بالصورة الشفهية للغة. وإن لكاتب هذه الأسطر إدراكا حادا لحساسية الموضوع بحكم ممارسته الكتابةَ الأدبيةَ بالأمازيغية، حيث سطْوَةَ “الأمومة” على كتاباته أقوى من دواعي الضبط والتقعيد…

لكن أليست الحياة ذاتها مسلسلا من الانفطامات؟ إن الفطام، بصعوبته، هو ثمن الولوج إلى النضج. وإن لغة تسعى إلى الخروج من دائرة الحميمية الضيقة إلى العالم الرحب للفكر والمعرفة والعلم والأدب لا بد لأهلها من القَبول بالتضحية، في نسختها الكتابية، بالعناصر التي تحد من مداها القِرائي. وذلك عن طريق تحييد التحيينات والأداءات المغرقة في المحلية، وإعادة بناء الصيغ الصوتية-الصرفية والتركيبية بما يجعل مختلف المتكلمين بالأمازيغية يتعرفون على الخطاطة المشتركة التي خلف التحيينات اللهجية، فلا يصعب عليهم فهمُ المكتوب، أيا كانت لهجتهم.

وعليه، فإن العائق نفسي وليس تقنيا أو لِسنيا. وإذا كانت الأجيال الأمازيغية الحالية تحتاج إلى القيام بعمل سيكولوجي على ذاتها في اتجاه القبول التدريجي بأمازيغية كتابية جامعة، بحكم أن الأمر يتعلق في حالتها بجهد إرادي فردي، فإن الوضع يختلف فيما يخص الأجيال القادمة من الأمازيغيين؛ إذ إن هذه ستتلقى أمازيغية الكتابة من خلال التعليم كما تتلقى لغات الكتابة الأخرى، ولن تعرف التمزقات المُحايِثة لكل فطام.

على أن الانتقال إلى الأمازيغية الكتابية الجامعة لا ينبغي أن يفضي بنا إلى ازدواجية لسانية (diglossia) من قبيل ما وقع للغة العربية، مثلا، التي يتعلم التلميذ الناطق بإحدى لهجاتها أو تنويعاتها لغةَ الكتابة فيها كما لو أنه يتعلم لغة ثانية. نتحدث هنا، بطبيعة الحال، عن البنيات الصوتية والصرفية والنحوية أو التركيبية الأساسية للغة الأمازيغية؛ أما المعجم فمفتوح على الجديد من المعاني والمفاهيم والمصطلحات بفضل ما تُتيحُه آليّاتُ اغتناء اللغة من اشتقاق ونحت ومجاز وتمزيغ واقتراض وغيرها.

ومن الحب ما قتل…

يبدي بعض المثقفين المغاربة الناطقين بالأمازيغية والكاتبين بغيرها تعلقا شديدا، لا أقول بالتنويعة الأمازيغية الكبرى للجهة التي ينتمون إليها، بل بِلَكْنَة قبيلتهم أو عشيرتهم، معتبرين ذلك دفاعا عن الأمازيغية التي ليس لأحدٍ أن يزايد عليهم في حبها. فنجدهم يشتركون مع المعادين أيديولوجيا للأمازيغية في التبخيس من جهود المعيرة والتقعيد، مؤسَّسِيةٌ كانت أم فردية؛ متحدِّثين باحتقار عن “أمازيغية مختبرية” يخشون خطرها على لغة الحياة التي يتكلمها الناس سَهْوًا رَهْوًا من غير تكلُّف ولا تَعمُّل… وأغلب الظن أن هؤلاء يعملون، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، على الإبقاء على الأمازيغية خارج نطاق التداول الكتابي حتى لا يشعروا بوخز الضمير وهم “يخونونها مع غيرها”. وهم إذْ يفعلون يشاركون في القتل الرحيم للغة التي يزعمون أنهم يحبونها (حتى الموت: موتِها).

عوْدٌ على بَدْء

ختاما، أحببت أن أدعوَ الذين يستكثرون على الأمازيغية اتخاذَ صيغة كتابية جامعة عن طريق مَعْيَرَةٍ رشيدة متوازنة، لا تنقطع فيها الصلة بين المنطوق والمكتوب – أقول: أحببتُ أن أدعوَهم إلى تأمل هذا المثال الذي ساقَه يانْ رٍسْتو Jan Resö، اللساني المتخصص في اللسانيات السامية، مَدْخَلا لمقاله الموسوم بِـ «What is Arabic?» (ما العربية؟)، المنشور ضمن المُؤَلَّف الجماعي The Oxford Handbook of Arabic Linguistics ed. J. Owens, Oxford 2013 pp. 433-450

المثال هو التالي (حيث š = ش؛ ḥ = ح؛ ʕ = ع؛ ʔ = ء):

wiš taba daḥḥīn

šū bəddak hallaʔ

š-ítrīd hassa

ʕāwiz ēh dilwaʔti

āš bġēts dāba

mādā turīdu l-ʔān

يعلق يَانْ رِسْتو قائلا: هذه الجمل كلها تعني الشيء نفسه: “What do you want now?”، ويضيف:

“للوهلة الأولى لا يبدو أنها تشترك في شيء باستثناء أنه يقال عنها إنها عربية. وهي تمثل مختلف التنويعات داخل المُرَكَّب اللساني للعربية (1: الرياض. 2: دمشق. 3: بغداد. 4: القاهرة. 5: الرباط)”.

ولِسائلٍ أن يسأل: وأين تُقال الجملةُ السادسة؟ (ماذا تريد الآن). الجواب: في لا-مكان! أو بالأصح: في الكتب! لكنها هناك تُكتبُ… ولا تُقال!

أمَعَ هذا يَجْرُؤُ الذين ذكرناهم على الهَمْزِ واللّمْز في “أمازيغية مختبرية” كلما تعلق الأمر بالجهود المبذولة في سبيل بناء أمازيغية كتابية جامعة انطلاقا من الأمازيغية المتداولة؟ لِنتركْ لهم الجواب!

  •  
  •