الحكامة الدولية في زمن الوباء


يعتبر مفهوم الحكامة الدولية -La gouvernance mondiale- من المفاهيم التي لا زال الأخذ والرد بشأنها وبشأن مضامينها مستمرا بين الخبراء والمفكرين من تخصصات عدة، مع أنه من المفاهيم الأكثر تداولا، خصوصا عندما يكون العالم في مواجهة أزمة من أزماته كما هو الحال مع وباء كورونا. رغم زئبقية المفهوم وتشعب معناه، يمكن القول بأن الحكامة الدولية أسست على مجموعة من القواعد أفرزتها الأوضاع وموازين القوى ما بعد الحرب العالمية الثانية، سعيا وراء ردم الهوة بين طبيعة المشاكل والصعوبات التي يواجهها النظام الدولي الناشئ والهندسة المؤسساتية المعهود إليها مهام الاستشراف والتدبير. وقد كان الرهان على الحكامة الدولية نابعا من الحرص على بلورة وعي مشترك بضرورة العمل الجماعي لمواجهة الأزمات المستعصية التي غالبا ما كانت تؤدي إلى الحروب والمآسي والكوارث.

لقد تحول فيروس كورونا إلى وباء في ظرف قياسي، معتمدا على حركية الأشخاص والسلع عبر العالم، يضرب بقوة حيث توجد الأسواق، خطورته تكمن في تحويل بعض إنجازات العولمة لصالحه. غير أنه على النقيض منها، يرعب الجميع ويهدد الأغنياء كما الفقراء، لا يؤمن بالفوارق الاجتماعية ولا بأرصدة ضحاياه في البنوك، لا يأبه بمعدلات النمو ولا بالتصنيف الائتماني للدول. ما يحدث مع الوباء يسائل الحكامة الدولية التي أسس لها كي ترافق العولمة، تفتح أمامها الحدود المغلقة وتعالج أضرارها الجانبية وتنكب على حل أزماتها. تداعيات كورونا تطرح سؤال الجدوى من حكامة دولية ما زالت مؤسساتها مشلولة أمام زحف الوباء، على دول وشعوب فقيرة قد يَقضي على آمالها في الاستمرار على قيد الوجود.

لا يمكن الحديث عن الحكامة الدولية في مواجهة التداعيات الإنسانية، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية لوباء كورونا، دون العودة إلى أصل حكاية تلك الحكامة. لقد بدأ التفكير في الحكامة الدولية بعد تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 1929 وما خلفته من دمار ومآس. بعد تلك الأزمة اندلعت الحرب العالمية الثانية مخلفة قرابة 70 مليون قتيل، وخلّصت بهمجيتها ودمويتها النظام الرأسمالي المأزوم من الملايين من العاطلين، ووفر “اقتصاد الحرب” للشركات والأبناك، خصوصا بالولايات المتحدة الأمريكية، كل الشروط المثالية للخروج من الأزمة والانتعاش وإنتاج الثروة ومراكمتها. شجعت النتائج الإيجابية والثروة التي روكمت، الأوساط المالية العالمية والسياسيين الناطقين باسمها، على الانتقال من مرحلة التفكير إلى مرحلة التأسيس لحكامة دولية تحرر الأسواق وتحمي رؤوس الأموال وتستشرف المستقبل، حتى تستطيع مواجهة الأزمات المستقبلية بأقل الأضرار.

الكثير من الاقتصاديين والمفكرين يؤكدون على أن النظام الرأسمالي تخلص من أزمة 1929 بفضل الحرب العالمية الثانية وليس بفضل الصفقة الجديدة (New Deal)، فالأب الحقيقي لدولة الرفاهية ببريطانيا (Welfare state britannique) السيد ويليام بيفريدج كان يقول دائما لمحاوريه “الحرب، هي أنجع دواء ضد البطالة وجده النظام الرأسمالي”. علينا أن نأخذ في الحسبان، أيضا، ما قاله الاقتصادي الأمريكي ومستشار الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، السيد “جون كينيث كالبرايت” في إصدار له حول أزمة 1929. يقول كالبرايت: “الإلمام بما حدث سنة 1929 سيكون أفضل حصانة ضد تكرار تلك المآسي”. وباء كورونا وتداعياته مأساة كبيرة لا يبدو بأن هناك ما تُحصن به الشعوب نفسها غير الحجر الصحي والمسافة الاجتماعية، فحتى الكمامات المسكينة أصبحت عملة نادرة تزن ذهبا في العلاقات الديبلوماسية. أمام الوباء وقفت الحكامة الدولية ومؤسساتها شاردة، فقد غابت عنها تلك الهمّة والفعالية التي واجهت بها أزمة الرهون العقارية سنة 2008، فمن أجل إنقاذ بعض الأبناك العالمية الكبرى ضُخّت في أرصدتها ملايير الدولارات. أما اليوم فباسم قواعد الحكامة، عَلّق الرئيس الأمريكي “ترامب” كافة أشكال تمويل منظمة الصحة العالمية، إحدى مؤسسات الحكامة الدولية المعنية بمواجهة وباء كورونا، ما دفع الكثير من النشطاء عبر العالم إلى الدعوة لإنقاذ المنظمة لضمان استمرارها في إنقاذ أرواح الآلاف من بني البشر.

شرود الحكامة الدولية وعجز مؤسساتها عن تحصين العالم من هذا الوباء الفتاك، أو على الأقل مواجهته بالنجاعة اللازمة في إطار تضامني يحمي الملايين من المعاناة والهلاك، يطرح تحديات كبرى على كل الشعوب والدول خصوصا منها الفقيرة أو السائرة في طريق النمو. لتفسير هول تداعيات وباء كورونا، قالت “كريستينا جيورجييفا”، مديرة صندوق النقد الدولي، أهم مؤسسات الحكامة الدولية: “لا يمكن مقارنة الأزمة الحالية بأزمة الرهون العقارية لسنة 2008، يجب الرجوع إلى الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1929 من أجل المقارنة حتى يتضح حجم الأزمة التي تواجهها الاقتصادات العالمية، معدل النمو سيكون سلبيا سنة 2020 وسيستفحل الأمر إن استمر الوباء”. إن كان الأمر مرعبا إلى هذا المستوى فما الذي أعدته مؤسسات الحكامة الدولية لإنقاذ الدول الفقيرة والسائرة في طريق النمو؟

في استجواب حصري خص به الرئيس الفرنسي إذاعة فرنسا الدولية، يوم الثلاثاء الماضي، حول الدعم الاقتصادي للدول الإفريقية، قال إمانويل ماكرون: “نحن سنقدم الدعم لقارة تعيش صعوبات اقتصادية، فالأرقام تتحدث عن نفسها. ففي سنة 2012 كان مستوى الدين بإفريقيا لا يتجاوز 30 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، اليوم وصل إلى 95 بالمائة. الصعوبات ستتفاقم بسبب وباء كورونا، يجب علينا مساعدة إفريقيا (…) لقد اقترحت الأمر على الدول الأعضاء في مجموعة العشرين -G20-مساعدة إفريقيا واجب أخلاقي وإنساني”. يوم واحد بعد هذا التصريح، تمخض جبل مجموعة العشرين فولد فأرا صغير الحجم قدمته لأربعين دولة إفريقية في إطار الدعم والمساعدة؛ لقد قررت مجموعة العشرين التعليق المؤقت لخدمة الدين (le service de la dette) لفائدة أربعين بلدا إفريقيا ولمدة اثني عشر شهرا، بمعنى آخر ذَكّرت مجموعة العشرين شعوب ودول إفريقيا بأنه لا وجود لوجبات بالمجان.

إن الإبقاء على ديون الدول الإفريقية يعمق أزماتها ويقوض كل فرصها في مواجهة تداعيات الوباء، بل قد تتفاقم أوضاعها بما يهدد بانهيار العديد منها، وقد تكبر قائمة اللادول – les pays sans Etats – بالقارة الإفريقية. لمواجهة الأزمة، يوصي الكثير من الاقتصاديين والخبراء بتجنب سياسات التقشف، ويؤكدون على ضرورة دعم الطلب والقدرة الشرائية للأسر مع توفير كل سبل الدعم للعرض حتى تستعيد دورة الإنتاج حيويتها. فالاقتصادية الفرنسية “إيستير دوفلو” – Esther Duflo – صاحبة جائزة نوبل في الاقتصاد، تؤكد على أنه لا مناص من الدين والنفقات العمومية وضخ الموارد في الاقتصاد لمواجهة تداعيات الوباء، مع الاعتماد على سياسة جبائية تستهدف دوي المداخيل الكبرى. وهذا الأمر يصعب تحقيقه بالنسبة للكثير من الدول التي باغتتها تداعيات الوباء وهي تحت ضغط المديونية والدائنين ومؤسسات الحكامة الدولية.

يبدو من خلال ما سبق ذكره، بأنه لا يمكن حل مشكلة باستخدام نفس العقليات التي أنتجتها، كما كان يقول العالم ألبير إينشتاين. فمؤسسات الحكامة الدولية ليست في خدمة الشعوب وهي غير مستعدة لتوزيع الطعام بالمجان، ولن تنتبه لتداعيات الوباء إلا في حدود ما يهدد مصالح الأوساط المالية الدولية المتحكمة في اللعبة وقواعدها. تلك المؤسسات باتت تشكل خطرا على الشعوب وقد تسير بالحضارة الإنسانية إلى الفناء. أحد المساهمين الأساسيين في التنظير لها وإخراجها إلى الوجود، الاقتصادي البريطاني والمفكر الكبير “جون ماينار كينز”، سبق وأن عبر عن خيبة أمله مما يجري حوله قبل وفاته سنة 1946، حيث قال: “بما أن قادتنا هم مجموعة من الحمقى والمنحرفين بلا كفاءة، فإن حضارتنا على وشك الانقراض”.


عبد الله حتوس

فاعل وباحث أمازيغي والرئيس السابق لمنظمة تماينوت وللمرصد الأمازيغي للحقوق والحريات

0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments