كتاب وآراء

أمزازي سعيد : دروس العيد


وضع السيد وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، على صفحته الرسمية بالفايسبوك يوم امس على الساعة 19h59، تهنئة إلى المغاربة بمناسبة عيد الفطر. على شكل منشور واحد يضم تهنئتان منفردتان، واحدة مكتوبة بالأمازيغية بحروف تيفناغ والثانية مكتوبة باللغة العربية. والمنشور تفاعل معه حوالي 9500 مستعمل للفايسبوك مستعملين اشكال التعبير المختلفة المتاحة.

ولكن يلاحظ أن التهنئة المكتوبة بتفناغ تفاعل معها حوالي 900 مشارك بصيغ الاعجاب، وعلق عليها حوالي 410 إلى حدود كتابة هذه السطور، وأغلب المعلقين والمعلقات كتبوا تعليقاتهم بحروف تيفناغ. اما التهنئة المكتوبة باللغة العربية فلم يتفاعل معها سوى 450 حساب فايسبوكي ، وكذلك التعليقات لم تتجاوز 50 تعليق. ليتأكد أن حجم التفاعل مع الوزير حصل بفعل كتابته بحروف تيفناغ.

بالرغم من بساطة هذه المعطيات، لكنها في اعتقادي تظهر عدة مؤشرات يجب على الوزير أن يأخذه بعين الاعتبار، فبعد قراءة تعليقات المكتوبة بتيفناغ، تبين أنها مكتوبة في جلها بلغة امازيغية سليمة، وتؤيد السيد الوزير في استعمال تيفناغ في التخاطب مع المغاربة على الاقل كتابة. وحسب الذين اعرف حساباتهم الإفتراضية يلاحظ أنهم لا ينتمون كلهم إلى أسرة التعليم والتدريس، وبالتالي فإنهم تعلموا الكتابة بتيفناغ خارج المدرسة ومراكز التكوين، وتلقنوها عن طريق الرغبة الذاتية والشغف الثقافي، وداخل مدارس النضال والتطوع، وهذه إشارة مهمة يجب على الوزير أن يقرأها بعناية، فلغة النضال والتضحيات والتطوع والشغف تصمد أكثر من لغة تريد الدولة أن تفرضها من الفوق وتستعملها كآلية من آليات السلطة والقهر والاقصاء الاجتماعي.

دون أن ننسى أن حرف تيفناغ الذي يتم الكتابة به، لم يتم اعتماده رسميا إلا بعد سنة 2003، كذلك تدريس الأمازيغية بدأ في نفس السنة ببطئ كبير، وتردد غير مفهوم، تحت ذريعة التدرج.
هذا معناه، أن الوزير يجب أن يكون منسجما مع الواقع والدستور مؤسساتيا وليس افتراضيا، وأن يسارع إلى تعميم تدريس اللغة الأمازيغية كلغة إجبارية لجميع التلاميذ المغاربة، قبل تعليمهم أي لغة أخرى. باعتبارها اللغة الأم ولغة الأرض كلغة الدارجة، أما اللغة العربية الفصحى والفرنسية هي لغات الإدارة والدولة ولا علاقة لها بالشعب.
فتفيناغ تنتشر في أوساط المتعلمين وغير المتعلمين، ويتعلمها الشعب خارج الاقسام المدرسية، فهي ليست لغة محظورة أو ممنوعة من طرف الدولة ومؤسساتها، ولكن يبدو أنها لغة غير مرغوب فيها بالنظر إلى عدم وضوح السياسات العمومية تجاه لغة رسمية في الدستور، وعدم الاستعداد لتطبيق مراسيم القوانين التنظيمية التي تفعل الطابع الدستوري لها. ثم بسبب وجود جيوب حزبية تهيمن على الحكومة تقاوم بعناد كبير قضية التعدد اللغوي والثقافي بالمغرب وتدبيره مؤسساتيا، إضافة إلى منع الدولة تأسيس احزاب بمرجعية أمازيغية للدفاع عن المساواة والحقوق بشكل متوازن ومتناغم داخل المؤسسات، لأنه اليوم، ظهر وجود تياران يتصارعان داخل الدولة، الأول يريد فرض المزيد من التعريب والعربية وشرقنة المغرب، والثاني يصارع لفرض لغات أجنبية ولكن يعتمد على عكاز الدارجة، وفي العمق هو صراع سياسي بين الدولة واحزاب الاخوان المسلمين. والضحية هي هوية المغرب وثقافته وحضارته، لأن الدولة التي تتصارع مع الإسلاميين هي الأخرى دولة عربية إسلامية حسب الدستور وحسب سياستها وهويتها كما تمارسها واقعا.

كلام أخير للسيد معالي الوزير أمزازي، انت لست أول وزير للتربية الوطنية ولن تكون آخرهم، فيجب أن تعلم أن الأمازيغية لغة مناضلة، لغة الشعب والأرض والوطن، فحتى لو لم تكن لكم الجرأة لاجبارية تدريسها، فإن تيفيناغ تتوسع وتنتشر وتتلقى إقبالا كبيرا منقطع النظير، فهي عماد الهوية التي تميز بلدان المغرب عن المشرق.
فلكم أن تقرأوا دورس تيفناغ في ليبيا الحالية، التي تواجه جيوش إرهابية غازية، حيث يتم اعتماد حروف تيفناغ التي اعتمدها المغرب رسميا، وهذا مؤشر حقيقي على ظهور ملامح وحدة مغاربية تتأسس على الثقافة والحضارة واللغة، وهي عناصر التنوع والانفتاح والتناغم والتمازج عوض سياسة الاقصاء والتذويب والانكار…


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments
Back to top button
Close