قراءة في كتاب الأمازيغية والحزب لعبد الله بوشطارت

  • 435
    Shares

عن دار السلام للنشر، صدر كتاب تحت عنوان:” الأمازيغية والحزب ” للكاتب عبد الله بوشطارت، سنة 2019، وهو كتاب من الحجم الكبير يقع في 300 صفحة يضم مقدمة و13 محورا، اختار له صاحبه عنوان فرعيا هو: دراسات قانونية ووثائق حول المنع، وهو عنوان يكشف منذ الوهلة الأولى عن مضمون الكتاب والمقاربة التي وظفت في التحليل بالرغم من أن الكتاب من وجهة نظري يوظف مقاربات أخرى سوف أكشف عنها في متن هذه القراءة.

في هذه الورقة سوف أقدم قراءة لهذا الكتاب الذي يندرج ضمن الكتابات القليلة التي تتخذ الفعل السياسي موضوعا للبحث والتحليل  وكذا موضوعا للمعرفة السياسية والبحث السياسي ، اٍلى جانب تجارب سابقة مثل مذكرات كل من  ” حميد أعضوش ” “ومصطفى أوسايا ”  “وعبد الرحيم اٍدو صالح ” لكن ما يميز هذا الكتاب بالأخص ، هو جعل من تجربة الحزب الديمقراطي الأمازيغي – PDAM  موضوعا للبحث العلمي ،  وذلك من خلال توظيف المنهج التاريخي والكرونولوجي لأحداث ووقائع طبعت مسار الحركة الأمازيغية بالمغرب كحركة مدنية تدعو وتطالب بإعادة الاٍعتبار للمكون الهوياتي الأمازيغي ضمن النسيج الثقافي الوطني الذي يتسم بالتعدد والتنوع والذي يحتل فيه المكون الأمازيغي المكانة البارزة باعتباره الأساس أو الوعاء الحضاري الذي انصهرت فيه جل المكونات الأخرى ، وأيضا مسار أو تجربة الحزب الديمقراطي الأمازيغي – PDAM كتجربة سياسية رائدة في مسار القضية الأمازيغية ككل بكل أبعادها اللغوية والثقافية والجمالية والسياسية أيضا .

ورغم أن التخصص العلمي للكاتب هو تخصص التاريخ فاٍنه قام بدمج القراءة التاريخية بالقراءة القانونية والقراءة السياسية والكرنولوجية لسياق الحركة الأمازيغية والحزب الديمقراطي الأمازيغي وهو يسائل مفهوم الوطنية المغربية كمفهوم يؤطر الحقل السياسي والثقافي والتربوي الوطني ويطرح السؤال ما علاقة الوطنية بالأمازيغية؟  وهذ السؤال يعتبرا مدخلا مهما من أجل فهم السياق الذي ظهر فيه الحزب الديمقراطي الأمازيغي كتجربة سياسية رائدة في مسار الحركة الأمازيغية بالمغرب، لأن بروز هذا الحزب في الساحة السياسية الوطنية يجب أن يوضع في سياقه العام التاريخي والاٍجتماعي والسياسي، باعتبار أن بروز التجربة السياسية في المغرب بشكل عام مرتبطة بسياقات تاريخية واجتماعية وسياسية كذلك، لكن بدون أن يشكل ذلك قطيعة مع السياق المغربي العام كما يدعي البعض، خاصة المناوئين لخطاب الحركة الأمازيغية وكذا خطاب الحزب الديمقراطي الأمازيغي.

وكما هو معلوم فالحقل السياسي المغربي منذ نشأته تؤطره أيديولوجية كبيرة مهيمنة هي الأيديولوجية العربية الاٍسلامية، والتي شكلت الاٍطار المرجعي لكل الأحزاب السياسية التي أنشأت في المغرب منذ بداية الظاهرة الحزبية بالمغرب سنة 1930 مع صدور ظهير المحاكم العدلية الذي سمي ب ” بالظهير البربري ” علاوة على أن المخزن المغربي ضل بدوره وفيا لهذه الأيديولوجية التي أسس عليها مشروعيته السياسية، باعتبار أن القوى التي كانت تتصارع على السلطة والمشروعية السياسية قبل الحماية كانت تتمثل في القبائل والزوايا والمخزن حسب عبد الله العروي في كتابه :” الأصول الاٍجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830-1912 ” والذي قدم له الكاتب قراءة نقدية باعتبار الدور الريادي للزوايا في الفكر السياسي المغربي والتراث السياسي المغربي كما أشار اٍلى ذلك ريمي لوفو – Rémy Leveau في كتابه ” الفلاح المغربي المدافع عن العرش ” وكذلك جون واتربوري – John Waterbury في كتابه ” أمير المؤمنين والنخبة السياسية المغربية ” ، هؤلاء جميعا أشاروا اٍلى أن الحركة الوطنية التي تشبع أقطابها بالفكر السلفي والقومية العربية دخلوا في صراع حول المشروعية السياسية  مع الزوايا والطرق الصوفية ، وهذا الصراع هو في الحقيقة صراع بين العرف والقبيلة والشرع والحركة الوطنية والمخزن ، فهل يمكن اٍعتبار هذه الخطاطة بمثابة المفتاح الذي سيساعدنا على فهم الحقل السياسي المغربي ؟

يقدم الكاتب نقدا لأطروحات الفكر السياسي والحزبي المغربي ومرجعية خطاب الحركة الوطنية والذي كان دائما وفيا للأيديولوجية المهيمنة والتي يعتبرها «مشرقية ” و لا تجعل من الأرض المغربية منطلقها الأساسي في معالجة القضايا التي تعتقد أنها وجدت أصلا لمعالجتها، بل تتخذ من المشرق منطلقها نحو البحث عن اٍيجاد الحلول المطلوبة، ما يجعل القضايا الأساسية للإنسان المغربي بعيدة عن اٍهتمام هذا الفكر السياسي، مادام يربط كل مشاكله والحلول التي يقترحها بالمشرق، وهو منطق سياسي مؤدلج وغير منضبط للحقائق التاريخية والاٍجتماعية والثقافية والسياسية على الأرض ، وبالتالي فالأمازيغية كوعاء حضاري وثقافي يرتبط بأرض المغرب وشمال أفريقيا ضل غائبا أو مغيبا في وعي هذا الفكر ، باعتبارها مشكلا ثانويا ولا يؤثر في سيرورات القرار السياسي الذي يروم القيام باٍنجاز الطفرات السياسية التي طبعت مسار الظاهرة السياسية بالمغرب .

في نقده لأطروحة عبد الله العروي وتناوله لما أسماه المنعطف التاريخي الأبرز الذي طبع تاريخ المغرب والذي أرجعه اٍلى أن المغرب عرف منعطفين تاريخيين بارزين أثرا في مساره التاريخي والاٍجتماعي تمثلا في : منعطف دخول الاٍسلام ومنطف دخول الاٍستعمار ، يقدم الكاتب تحليلا لموقع الأمازيغية ضمن هذين المنعطفين والذي لم يكن قط الموقع الذي يجب أن تحتله في البناء أو البنيان الحضاري المغربي والمغاربي ، باعتبار أن مفهوم المنعطف كما أشار اٍلى ذلك ، مفهوم يعني اللحظة التاريخية الحاسمة والمؤثرة والتي تغير مجريات الأحداث وتخلق أحداثا كبرى ووقائع و حقائق تاريخية مغايرة لما سبق ، تلك المكانة التي لم تكن الأمازيغية تحظى بها سواء في السياسية الاٍستعمارية أو سياسة الدولة فيما بعد الاٍستقلال.

أستحضر بخصوص هذا الاٍشكال مضمون فكرة بول باسكون – Paule Pacson حول المجتمع المركب، باعتبار أن المجتمع المغربي هو مجتمع مركب يجمع عدة متناقضات في شخصيته الثقافية والحضارية، والتي تعتبر الأمازيغية جزءا منها، هذه الخطاطة التي اٍستغلها المقيم العام الفرنسي ” هوبير ليوطي -Hubert Lyautey ” بذكاء ليحولها لما يخدم مصلحة السياسة الكولونيالية بالمغرب، بحيث جعل من ثنائية ” التقليد والحداثة ” أساس سياسته الاٍستعمارية.

وبقيت هذه الخطاطة مستحوذة على الفضاء الثقافي والاٍجتماعي في المغرب حتى بعد جلاء المستعمر، بحيث تم تأسيس الدولة الوطنية على نفس الأسس التي أقامها ليوطي والتي ما فتئ أقطاب الحركة الوطنية ينتقدونها ويدعون اٍلى تعويضها بخطاطة الأصالة المتمثلة في العروبة والاٍسلام، غير أن التناقض الذي سقط فيه هؤلاء يكمن في اٍعتقادهم الحفاظ على النسق السلفي المشرقي في تفسير المناخ الثقافي المغاربي والهيمنة عليه وربطه بقضايا الشرق، وكذا محاولة القفز على الحقائق التاريخية والأنثروبولوجية  التي انصهرت في بوتقة الخصوصية المغاربية جاعلة من هذا المناخ الثقافي والحضاري الذي هو المغارب مناخا مختلفا عن المشرق بشكل جذري رغم محاولاتهم العودة اٍلى التأكيد على أن المكون العربي والاٍسلامي هما المهيمنان ، لكن التناقض أو بالأحرى المفارقة العظمى لدى هؤلاء – Le super Paradoxe  يتمثل في أن الدولة الوطنية أو دولة الاٍستقلال تأسست على نفس المبادئ التي كانت سائدة في فترة الحماية وعلى رأسها مبدأ أو ثنائية ” التقليد والحداثة ” وبقيت التقاليد الموروثة عن المرحلة ما قبل الكولونيالية والمرتبطة بالاٍستبداد المشرقي سائدة في حين تم تزيين الواجهة ببعض الرتوشات وبعض الألوان الباهتة لكي تضفي على المشهد السياسي والاٍجتماعي رونقا مصطنعا والتي سميت بالحداثة ، وهي في الحقيقة حداثة شكلية ، وعمل المخزن وأحزاب الحركة الوطنية التي تشارك معه في الحكم فيما بعد على تكريس هذه الثنائية في الواقع السياسي والاٍجتماعي والممارسة السياسية المغربية .

لقد قامت الظاهرة الحزبية والتي شكلت العمود الفقري للحركة الوطنية كحركة سياسية تدعي ” مناهضة الاٍستعمار ” على أنقاض ما أطلقت عليه زورا ” الظهير البربري ” وعلى ضرب القاعدة السياسية للمقاومة المسلحة بالجبال من خلال التحالف الخفي مع الاٍستعمار ، وعلى هذا الأساس ما فتئ دعاة الحركة الوطنية المنحدرون من العائلات الموريسكية الحضرية في كل من الرباط وفاس وسلا والدار البيضاء يسمونه ب ” بالتمرد ” لدرجة أنهم هنأوا الاستعمار على قضائه على  التمرد في الجبال بمناسبة القضاء على آخر معاقل المقاومة المسلحة من طرف الاٍستعمار سنة 1934 في معركة بوكافر و قتل المجاهد زايد أوحماد  ،  وبالتالي فهذه الحركة في الظاهر عملت على اٍنقاد المغرب من الاٍنقسام والفرقة التي كان الظهير البربري يريد أن يشق بها الصف المغربي ، ولكنها في الخفاء كانت كانت متواطئة مع المستعمر في تصفية المقاومة المسلحة ، في اٍطار الصراع على السلطة والمواقع  والمكاسب السياسية ، وتجلى هذا في أن الحركة الوطنية استفادت من اٍزاحة ممثلي الأمازيغية من احتلال المواقع السياسية التي كان يمكن أن يحتلوها من خلال فرض واقع انتصار المقاومة المسلحة وقطع الطريق على كل فرصة للتفاوض مع المستعمر من طرف أبناء الجبال أي المقاومين الأمازيغ الذين نعتوهم بالمتمردين  ، والحقيقة التاريخية المهمة التي أشار اٍليها الكاتب في هذا السياق هي أن أغلب أولئك الذين اتخذوا من الظهير البربري ذريعة سياسية لمناهضة الأمازيغية كان أغلبهم في الأصل من المحميين المغاربة من قبل قناصل الدول الأجنبية والتي كانت فرنسا واحدة منها ، هؤلاء المحميين كانوا يختبئون وراء بسبورات –Passeport  الدول الأجنبية التي كانت تمنحهم الحصانة الكافية ضد الاٍعتقال في حين كان أبناء الشعب في المدن والبوادي والجبال المغربية يكتوون بنار الاٍعتقال والتعسف والنفي والطرد والقتل والتشريد.

أشار الكاتب كذلك في نفس السياق اٍلى أن لحظة الاٍستقلال ، خاصة الفترة الممتدة بين 1956 الى سنة 1959 ، كانت مناسبة لتكريس العروبة وقيم التعريب من قبل المخزن وأحزاب الحركة الوطنية، وهكذا عمل الاٍثنان {المخزن وأحزاب الحركة الوطنية} معا على تبخيس كل ما هو أمازيغي، هذا الواقع الذي كان مرفوضا من قبل بعض الأمازيغ، وبالرغم من كون الأمازيغ لم يشكلوا تكتلا سياسيا لديه القدرة على الضغط من أجل تغيير مجريات الأمور، ولكن ذلك الفعل السياسي شكل علامة فارقة في تلك المرحلة من أجل التصدي لأيديولوجية  الحركة الوطنية وهيمنة حزب الاٍستقلال ، تلك الهيمنة التي بدأت تقلق المخزن وبالتالي صار هذا الأخير يبحث عن حليف يمكن أن يضعف تلك الهيمنة ، وربما كان قد وجد في الأمازيغية أو بعض الأمازيغ ذلك الحليف المأمول ، فالرغبة في اٍستحواذ على الشرعية السياسية الوطنية وعلى المؤسسات من قبل حزب الاٍستقلال باسم الشرعية النضالية التي كان يدعيها ، دفع المخزن للتصدي بقوة لهذا المطمح من خلال العمل على تأسيس نخبة قروية يشكل التحالف معها فرصة تاريخية بالنسبة له لمناهضة سياسة الحزب الوحيد التي كان ينوي حزب الاٍستقلال تكريسها في الواقع السياسي والحزبي المغربي .

 كان نتيجة الشعور بتهميش المكون السياسي الأمازيغي في رسم مستقبل البلاد في البداية اٍلى ظهور بعض الزعامات الاٍدارية والسياسية مثل عدي أوبيهي والحسن اليوسي وموحا أو سعيد ومحمد أمزيان كنخبة مناهض لسياسة حزب الاٍستقلال وجيش التحرير، هذه الأخيرة سرعان ما تحولت اٍلى ٍعلان التمرد بسبب اٍمعان المخزن وأحزاب الحركة الوطنية في تجاهل مطالبهم، والتي كانت تتمثل في ضرورة معالجة التفاوتات المجالية والحسم في سؤال الهوية الوطنية من خلال رد الاٍعتبار للمكون الأمازيغي ، غير أن المخزن الذي تحالف مع حزب الاٍستقلال في تلك الفترة سرعان ما قام بقمع تلك الزعامات باعتبار أنه لا يرى في الأمازيغية مجرد مطالب لغوية وثقافية فحسب بل يرى فيها مشروعا سياسيا جنينيا خطيرا كما أشار اٍلى ذلك الكاتب ، الشيء الذي دفع بظهور الحركة الشعبية بزعامة المحجوبي أحرضان ، كحزب يحاول أن يوفق بين دفاعه عن القضية الأمازيغية من منظور توجيه خطابه السياسي اٍلى الجماهير خاصة بالبادية ،  و تحالفه مع المحزن ضد حزب الاٍستقلال الذي تأكد للمخزن فيما بعد مخططه في الاٍستيلاء على السلطة والمؤسسات في البلاد وفرض نظام الحزب الوحيد  ، فالأمازيغ الذين وجدوا أنفسهم على هامش دولة الاٍستقلال على المستويات الاٍقتصادية والاٍجتماعية والثقافية .

أشار الكاتب اٍلى أن تواجد الأمازيغية أمام واقع حزبي يمتاز يهيمنه الخطاب القومي العروبي وامتداداته الثقافية والسياسية في فترة الستينيات اٍلى الثمانينات حيث بدأ ظهور الخطاب الاٍسلامي، لم يكن أمامها مجال لتلتقط فيه أنفاسها، ودخلت في مرحلة اتسمت بالتهميش المطلق اٍلى حدود نهاية الستينيات حيث ظهر أول اٍطار جمعوي يهتم بها والذي تمثل في الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، وفي سنوات التسعينيات عرفت القضية الأمازيغية زخما نضاليا كبيرا تمثل في تأسيس اٍطارات جمعوية متعددة لكن في اٍطار العمل الثقافي ، كانت من ثمرتها مجلس التنسيق الوطني وميثاق أكادير والذي أعتبر بمثابة اٍعلان ميلاد الحركة الأمازيغية في المغرب ، وكأن أبرز حدثين في التسعينيات تمثلا في اعتقال أعضاء جمعية تليلي بالرشدية ثم خطاب الملك الراحل الحسن الثاني في 20 غشت 1994 واٍقراره تدريس الأمازيغية واٍدماجها في الاٍعلام ، غير أن الدهشة التي أصابت الحركة الأمازيغية هي التي حدثت عقب تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2003.

أشار الكاتب كذلك اٍلى أن السياق الذي تأسس فيه الحزب الديمقراطي الأمازيغي كان سياقا تميز بالجمود الذي أصاب الحركة الأمازيغية و انشطارها وتحولها اٍلى اٍطارات ذات توجهات متعددة ومختلفة، تمثلت في الجمعيات الثقافية، الجمعيات التنموية، جمعيات الأرض، جمعيات الثروات الطبيعية والمعدنية، الجمعيات الحقوقية، تنسيقيات جهوية ووطنية ؛ جنوب وسط شمال ثم ظهور حركة توادا ..الخ، أمام واقع تشظي الحركة الأمازيغية وفقدان المناضلين للبوصلة الحقيقية للنضال ، وتشتت الجهود ، رغم أن هناك من يمنح قراءة اٍيجابية لهذا المعطى باعتبار تعدد مكونات الحركة الأمازيغية هو غنى يساهم في تعزيز دورها الترافعي في سبيل اٍقرار المطالب وانتزاع الحقوق ، كما أن دمج النخب الأمازيغية التي ساهم معظمها في بلورة ميثاق أكادير واٍدارة مجلس التنسيق الوطني وصولا اٍلى بلورة الميثاق السياسي الذي اٍشتهر  بتسمية  ” بيان بوزنيقة ” أو ” بيان محمد شفيق ” في دائرة المخزن واستقطاب الكوادر المشتغلة في مراكز البحث أربك دينامية الفعل الأمازيغي وأسقطها في الدهشة والاٍنتظارية والسلبية القاتلة ، مع بروز حقيقة ضيق هامش الفعل أمام مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ، واعتباره مجرد مؤسسة استشارية وليست قوة اقتراحية تمتلك القدرة المؤسساتية على بلورة المشاريع المهيكلة بخصوص واقتراحها على الحكومة والبرلمان  ، هذه الوقائع شكلت نقطة مفصلية في تاريخ الحركة الأمازيغية بالمغرب ، بحيث رسخ القناعة لدى الكثيرين باستنفاذ العمل الثقافي لمقوماته ودوره التاريخي الذي كان يتمثل في تفعيل وتكريس الخطاب الأمازيغي في الساحة الثقافية والسياسية وبضرورة الاٍنتقال من العمل الثقافي اٍلى العمل السياسي ، رغم أن هناك قراءة أخرى تعتبر أن العمل الثقافي هو نفسه يختزن اٍمكانات سياسية يجب توظيفها من أجل الضغط باتجاه تفعيل المطالب الأمازيغية ، غير أن اقتناع الكثير من المناضلين بكون العمل السياسي هو الذي يستطيع أن ينتزع المطالب المهمشة من خلال الترافع عنها من داخل المؤسسات ، عوض العمل الثقافي الذي يكرس المشهدية الفرجوية – Le paysage spectaculaire للثقافة الأمازيغية ويحصرها في الفعل الثقافوي ذي النتائج المحدودة ، هو الذي عجل بنضوج فكرة تأسيس الحزب الديمقراطي الأمازيغي كأول اٍطار سياسي ذي مرجعية سياسية أمازيغية بالمغرب ، فماهي الظروف المحيطة بتأسيسه ؟ وما هي أهدافه؟ وماهو أفق اٍشتغاله؟ وماهي هي أهم الاٍشكالات القانونية والسياسية والأيديولوجية المرتبطة بتأسيسه؟

أشار الكاتب اٍلى عدة عوامل وظروف ساعدت على ظهور الحزب يتمثل بعضها أولا: على المستوى القانوني في تفكيك المؤسسة العرفية للأمازيغ خاصة مع اٍلغاء محاكم الجماعات وتعويضها بمحاكم القرب بموجب قانون 10.42 الصادر بتاريخ 17 غشت 2011، التي كانت تحتكم اٍلى الاٍعراف المحلية في فض النزاعات بالمناطق القروية والتي لا يوجد بمقتضاها نص في التشريع الوضعي المغربي ولا في الشريعة الاٍسلامية، ثم على المستوى السياسي في خروج حركة لكل الديمقراطيين التي أسسها فؤاد عالي الهمة مستشار الملك الذي كان كاتبا للدولة في الداخلية تحولت فيما بعد اٍلى حزب الأصالة والمعاصرة  ، من أجل احتواء حالة الجمود السياسي وترهل الأحزاب الاٍدارية واٍنهاك الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية خاصة بعد مشاركتها في حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 ، خاصة الصدمة التي أصابت البنية السياسية التقليدية أو الكتلة التاريخية بتعبير الجابري مع الاٍنزياح عن المنهجية الديمقراطية بتعيين الملك الوزير الأول من خارج هذه الكتلة سنة 2003 ، بحيث أشار الكاتب الى أن هذه الحركة استوحت العديد من الأفكار والمبادئ من الحزب الديمقراطي الأمازيغي سواء بسبب التحاق بعض الفعاليات الأمازيغية بها أو بسبب كونها أسست من أجل التصدي لخطاب حركات الاٍسلام السياسي ومن ثمة كان لابد لها من جمع خليط يتكون من مكونات الخطاب الحداثي المستوحى من الخطاب الأمازيغي ودمجه في اٍطار الحفاظ على ثوابت السلطة والتي تتمثل في ثنائية ” التقليد والحداثة ” التي أسسها هوبير ليوطي ، وكذلك في صعود تيارات الاٍسلام السياسي مع انحسار الخطاب اليساري القومي ، وهيمنتها على الساحة السياسية واستعدادها لتشكيل جبهة سياسية للتصدي للأفكار التقدمية والتنويرية التي يطرحها الخطاب الأمازيغي في الساحة السياسية . فماهي أهداف الحزب الديمقراطي الأمازيغي؟

أشار الكاتب اٍلى أن البديل الأمازيغي شكل الأرضية السياسية التي بني عليها التصور الأيديولوجي للحزب، هذه الأرضية تتمحورفي الدفاع عن مبادئ الحرية والكرامة وتكريس مبدأ الفصل بين السلطات في النظام السياسي المغربي وتوزيع الثروة وتنمية الاٍقتصاد ومحاربة الريع والاٍهتمام بالمواطن وجعله في صلب العملية التنموية، ورد الاعتبار للأمازيغية في عمقها الثقافي والحضاري وامتدادها الاٍقتصادي وانغراسها الأنطولوجي في المعطى الأنثروبولوجي للبدان المغاربية ومساهمتها في القيم الكونية من بوثقة الخصوصية، لكن المرتكز الأيديولوجي الأساسي يتمثل في التصدي للخطابات المناوئة للأمازيغية سواء الرسمية منها أو غير الرسمية ، خاصة الخطابين اليساري القومي أو القومجي والخطاب الإسلاموي ، والذين يتفقان في مناوئة الأمازيغية بالنظر اٍليها كحركة سياسية جنينية سوف تنسف كل جهودهم السابقة في الهيمنة السياسية والأيديولوجية وبالتالي السيطرة على الموارد والمواقع الاٍقتصادية والرمزية بالبلاد ، بالإضافة الى نقد الخطاب الرسمي الذي يهلل للمنجزات الطفيفة التي مست بعض الجانب المطلبية مثل تدريس الأمازيغية ببعض المدارس ، لا يتجاوز عددها 300 بمجموع التراب الوطني مع فترح بعض التكوينات الجامعية محدودة الأفق ، واٍطلاق النشرات الاٍخبارية باللغة الأمازيغية في التلفزيون العمومي وتأسيس قناة ” تمزيغت سنة 2008 ” .

أشار الكاتب اٍلى مسألة مهمة تتمثل في اٍمكان تشبيه التجربة السياسية الأمازيغية بالمغرب مع نظيرتها بالجزائر، خاصة في منطقة القبائل والتي تتمثل في تجربة كل من جبهة القوى الاٍشتراكية – FFS   المؤسس سنة 1963 من طرف محند او الحسين أيت أحمد ، والذي يرتكز فكره الأيديولوجي على : الأمازيغية والاٍسلام والعروبة والحداثة ،  والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية – RCD  ، الذي تأسس في 9 فبراير 1989 من طرف الدكتور سعيد سعدي ، والذي يرتكز مشروعه السياسي والأيديولوجي على المرجعية التاريخية في بلورة كل التصورات السياسية والثقافية وفصل  حقيقي للسلطات واستقلال القضاء وإعادة بناء النظام السياسي والدستوري على أساس جهوي وفدرالي ، و ٍقرار اللائكية في الدستور كأساس فكري وعقائدي لتنظيم علاقات المؤسسات والدولة والأفراد ، من هنا نستطيع أن نعقد مقارنة مع الحزب الديمقراطي الأمازيغي بالقول أن حزب جبهة القوى الاٍشتراكية وذلك نظرا للظروف التاريخية التي تأسس فيها والتي تميزت بهيمنة جبهة التحرير الوطني على المجال السياسي وعلى مفاصل الدولة بالبلاد  قام بإدماج البعد الهوياتي الأمازيغي ضمن مصفوفة من الأبعاد تتمثل في العروبة والاٍسلام والحداثة ، ورغم أن الأمازيغ في الجزائر يعتبرون هذا الاٍجراء بمثابة ميلاد الحركة الأمازيغية في الجزائر أو على الأقل اٍقرار بالبعد الأمازيغي ضمن الخارطة السياسية للبلاد ، اٍلا أن وضع هذا البعد اٍلى جانب تلك الأبعاد الأخرى خاصة العروبة والاٍسلام يضع الحزب في تقابل مع الحركة الأمازيغية الجزائرية فيما بعد والتي لديها تصور مختلف للهوية والأبعاد المشكلة لها يختلف عن هذا التصور والذي تعتبره تقليديا ويتضمن تناقضات جوهرية ، في حين بالنظر اٍلى الظروف السياسية  التي تأسس فيها حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية والتي تميزت بالاٍنفراج السياسي والاٍنتقال نحو التعددية الحزبية قام بإحداث نقلة نوعية سواء باعتبار الأمازيغية المكون الهوياتي الأساسي الذي ترتكز عليه باقي المكونات واعتبار الاٍسلام القبائلي الشعبي مناقضا للإسلام الرسمي ، غير أن أوجه اٍختلاف التجربة السياسية بالجزائر اذا جاز نعتها بالأمازيغية ، عن تجربة الحزب الديمقراطي الأمازيغي ، مرتبطة باختلاف السياقات السياسية والاٍجتماعية للبلدين وكذا بالجانب القانوني الذي شكل المدخل الذي نفذت منه السلطة في المغرب لمنع الحزب الديمقراطي الأمازيغي ، باعتبار أن قانون الأحزاب يمنع تأسيس الأحزاب بالمغرب على أساسي عرقي أو ديني ، أعتقد أن تسمية الحزب ب ” الأمازيغي ” شكل حساسية للسلطة بحيث قامت بتكييف هذه التسمية مع منطوق القانون ، كما أن القضاء بدوره تماهى مع قراءة السلطة وهدفها المتمثل في منع هذا الحزب باعتبار الشحنة السلبية التي تختزنها تسمية ” الأمازيغي ” في اللاوعي الجمعي المخزني ، والتي لديها قراءات متعددة تتراوح ما بين الخوف من أن يشكل ذلك الاٍمتداد السياسي والطائفي للأمازيغ بالمغرب والتأثير بالتالي على التماسك الاٍجتماعي  وهي قراءة نوعا موضوعية باعتبار أن حتى الأحزاب القومجية والاٍسلاموية لاتحمل في أسمائها عبارات ” عربي ”  أو ” اٍسلامي ” ، وبين القراءة السياسوية التي تنظر اٍلى هذا الحزب كمكون جنيني قادر على إعادة تشكيل الخارطة السياسية والأيديولوجية وتبويئ الأمازيغية صدارة المشهد السياسي والهيمنة على الحقل السياسي والرمزي والأيديولوجي .

علاوة على ما سبق التطرق اٍليه، يطرح تأسيس الحزب الديمقراطي الأمازيغي كذلك اٍشكالات قانونية ـ تطرقنا اٍليها، وأخرى سياسية وأيديولوجية باعتبار أن الأفق الذي يريد أن يشتغل ضمنه موسوم بهيمنة الملكية على المشهد السياسي وبالتالي فالمبادرة الحزبية بالمغرب لا تمتلك سلطة القرار أو المبادرة  الا بشكل هامشي  أو ثانوي مقارنة مع موارد المؤسسة الملكية الهائلة في هذا المجال ، فالأحزاب في المغرب لا تحكم واٍنما تشارك في الحكم، والدستور المغربي رغم النقلة النوعية التي تميز بها في مجال دسترة العديد من الحقوق والمؤسسات ، وبالأخص دسترة اللغة الأمازيغية ومؤسسات الحكامة الاٍقتصادية و هيئات حقوق الاٍنسان ودور المعارضة البرلمانية في صنع السياسات العمومية ، اٍلا أن  هذا الدستور كإحدى أهم ميكانيزمات النظام السياسي تقلص المبادرة الحزبية وتحصرها في المجال الاٍستشاري فقط وليس الاٍقتراحي  ، فالفصل 49 من الدستور يسند اختصاص السياسة العامة للمجلس الوزاري الذي يتراسه الملك ، وبالتالي فدور المبادرة الحزبية لا يخرج عن أطار تنزيل  أو تنفيذ السياسة العامة التي تم تسطيرها في هذا المجلس ، ولا يرقى اٍلى دور بلورة السياسات العمومية اٍنطلاقا من المشروع السياسي للحزب حتى ولو كان مشروعا سياسيا تقدميا ورائدا مثل مشروع الحزب الديمقراطي الأمازيغي .

محمد أيت بود


  • 435
    Shares
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments