دراسة سوسيولوجية لنظام القبيلة في الجنوب الشرقي وتجلياته في الثقافة الأمازيغية بين التعصب والتحرر


يسود “النظام  القبلي” أو “تقبيلت” منذ القدم وإلى عهد غير بعيد كل المجتمعات، ولم  يستثني أي قومية أو إثنية، حيث كان أفضل خيار للبشرية في بيئة عشائرية قبلية تعيش مع الجماعة وتستمد أغلب ركائزها من العادات والتقاليد التي تعتبر ممارسات مغلقة ومتوارثة، تتميز كذلك بنوع من السلاسة والمرونة التعاقدية “العرفية” والتي تتطلبها القوانين المتعاقد عليها اجتماعيا مما يعطيها طابع من القداسة.

تمثل رابطة القرابة أهم مؤسس لنظام القبيلة حيث تتميز  بما يسمى  بالأسر الممتدة والتي تنتج نظام خاص يرتكز عادة على الأعراف والتقاليد، لكن في المجتمعات الأمازيغية يختلف هذا التعريف فبدلا من أن يأخذ طابع التعصب فإنه يأخذ طابع  تحرري/جماعي. ففي الجنوب الشرقي بالتحديد في طاطا وبعض الأقاليم ك “ايمي اوگادير” فإن الحياة الاجتماعية هناك تتميز بمظاهر الحداثة بالرغم من وجود بعض معالم نظام “تقبيلت” تتأسس على تمظهرت المشاركة الجماعية  كنظام السقي و”المعروف”  وتيويزي/تاويزا والتعاون والاستهلاك بين الإنتاج والتبادل.

فمن خلال خوضنا في هذه الدراسة يجب التركيز على إشكالات أهمها:

  • ما القبيلة؟ هل هي بعد سياسي أم جغرافي؟
  • اهم تمظهرات المجتمع القبلي في الجنوب الشرقي؟
  • كيف أثرت هذه البنية على المرأة ؟
  • هل كان احتكاك  المجتمع الواحي مع الثقافة  الغربية إبان الاستعمار مرتكزا أساسي نحو خروجه من نظام القبيلة ؟

في كتاب  “المخزن والأمازيغ” لعبد الله العروي  أكد على أن مفهوم القبيلة يرتبط بالفلاحة والملك الجماعي، وتعتمد على عمقها الاثني لتدبير نفسها وإعادة بناء السيرورة التطورية.

ومن جهة أخرى يرى الأنثروبولوجي “إيفانز بريشارد” أن القبيلة هي الفاعل في النسق السياسي الذي تحد ملامحه الظروف الإيكولوجية (الفلاحة والرعي).

ومن هنا يمكن ان نصرح بأن المجتمع المغربي يتسم قبل الفترة الاستعمارية حسب الدراسات السوسيولوجية ببنية قبلية تعيد إنتاج نفسها بنفسها بصورة مستقلة عن كل التدخلات الخارجية، حيث جعل له بنية خاصة تكفل له الاستمرارية في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

وفي سياق محلي خاص عرف المجتمع الواحي في الجنوب الشرقي نشاطا اقتصاديا  كان تحت لواء الأمازيغ بشكل بين، وخير مثال على ذلك دار “إليغ” التي هيمنت على جزء من المحور الغربي للتجارة العابرة للصحراء. وأوضحت كذلك هذه المجتمعات على الأهمية  الاستراتيجية لتدبير الموارد الطبيعية خاصة المياه والأراضي، فقد  كان لنظام السقي التقليدي نمطا متنوعا في تقنيات توزيع الماء أو ما يدعى في المعجم الأمازيغي ب “تاناست” وتخضع إلى التوزيع العادل للماء بين مختلف العائلات بالقانون العرفي، حيث يتحدد بوحدة قياسية تسمى “تيرمت” وتكون هذه  الوحدة -النوبة- سواء في الليل أو النهار، وتمتد مدتها حسب الفصول وتقاس زمنيا ب 24 ساعة، وتستعمل بالآلة التي تم ذكرها سلفا، وهي آلة مصنوعة من النحاس أو “تاناست” وهذا العرف مازال يمارس لغاية اليوم في الأوساط الواحية.

أما على المستوى الاجتماعي فقد كانت العائلة تربطها دينامية روحية كما فطن بها كل من الدراسات السوسيولوجية والنفسية والأنثروبولوجية، بحيث  تعد الأسرة رمزا للهوية التي تتأسس على العادات والتقاليد المادية منها والغير المادي، وكانت الملجأ الدائم الذي نستوطن فيه بعيدا عن المعارك الاجتماعية والثقافية التي تمارس علينا ويسيرها مبدأ التضاد والتناقض والتدمير.

إلا أن هذا كله كان في عصر نظام القبيلة الذي كان يتأسس على العمل الجماعي والتضامني ومظاهر التعاون في الإنتاج والتبادل عوض النقد الاقتصادي والاجتماعي  الذي أصبح سائدا، وما أن تفككت بنية المجتمع القبلي وظهور نمط  الاقتصاد النقدي بعد  الاستعمار خلال مجموعة من التحولات الاقتصادية منها والاجتماعية كذلك، حتى عرف نمط الحياة الاجتماعي للمجتمعات  الواحية بالجنوب الشرقي تناقضات عدة تتحدد في الممارسات اليومي بين ما  هو حداثي عصري متجدد وبين من يدعي الأصالة والتراث  والانتماء الهوياتي، وبين هذا وذاك مازال المجتمع التقليدي يعاني من الازدواجية الاجتماعية التي أوصلته إلى التجرد من هويته،  واكتسب بعد هذا طرح جديد ومتجدد ينعكس في الممارسات المتعلقة بالاحتفال والأعراس والأعياد وكذلك الهجرة الداخلية من القرية الى المدينة، وصرنا نرى ما يعرف بتمدن القرية في المناسبات ونمط العيش، إلا أن هذه التطورات وهذه التغيرات ظلت عاجزة في أن تؤثر على بعض ملامح الثقافة والمتمثلة في بعض السلوكيات الاجتماعية والعادات والتقاليد اللصيقة بالذات المحلية والموسومة بالتقليدانية.

يعتبر  طقس تناست وتيويزي على وجه الخصوص من أبرز المحددات الاجتماعية/الاقتصادية التي تحدد نمط تفكير كل فرد ضمن الجماعة من جهة، والجماعة لذاتها من جهة أخرى؛ بمعنى أن ذلك النوع من التحرر والانفتاح والتفاعل الاجتماعي المعنوي الإيجابي الذي تتميز به المنظومة العشائرية القبلية الأمازيغية، هو نتاج تدبير القضايا الاجتماعية والاقتصادية (الاقتصادي هنا بالمفهوم الضيق الذي يتيحه الفهم التاريخي لمنظومة القبيلة) ولذلك فمن  الطبيعي أن ينعكس نمط التدبير الجماعي لقضايا البني التحتية للمجتمع) قضايا الاقتصاد والمجتمع في عامتها (على البنى الفوقية للمجتمع) وهي طرائق التفكير الجماعية وبنياتها الثقافية ومنها المعتقد الثقافي والقداسي (فالمقصود بالبنية التحتية الصفات التي تميز نظاما اجتماعي من ناحية مساراته في تدبير قضاياه المادية الملموسة والمحسوسة في المجتمع أما البنية الأخرى وهي البنية الفوقية فهي مباشرة ما يقصد بها طرائق التفكير الجماعي؛ التضامن الاجتماعي كمثال، باعتباره قيمة إنسانية يختلف مضمونها باختلاف نوع نمط الإنتاج: يعني نظام الإنتاج/النظام الاقتصادي، ونقول أيضا نمط الإنتاج المشاعي البدائي ونمط الإنتاج الإقطاعي، ونمط الإنتاج الاقتصادي الرأسمالي أو الاشتراكي أو غيرهما.

وبما معناه أن الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي l’existance sociale qui détermine la conscience كما عبر “كارل ماركس”  أن الوجود الاجتماعي الاقتصادي الحياتي التدبيري اليومي هو من يحدد طريقة تفكيرنا وطرق تعاملها مع بعضنا البعض؛ أي أن الاحترام الذي كان بحوزة المرء ذكرا/أنثى نتاج طبيعة العلاقة السائدة في مجتمع الإنتاج والاستهلاك.

وبين الثابت والمتحول تبقى المرأة كذلك وسط هذه التناقضات فاعلا رئيسيا حيث من الضروري أن نشير  إلى أدوارها الوظيفية،  باعتبارها المحور الأساسي للجغرافية الثقافية للمجتمع الواحي، ولها دور كبير في التحكم بالبنى السوسيوثقافية لواحات الجنوب الشرقي، ولأنها أصبحت هي الأخرى الفاعلة الجديدة في مجالات عدة لم تكن ممارسة فيها من قبل.

وعلاقة بأدوار المرأة الواحية  في تغيير طرق تفكير البنى التحتية في علاقة مع البنى الفوقية، حيث تختلف الذهنية النسائية بين القرية والمدينة، ففي الجنوب الشرقي المحدودة -الذهنية الثقافية- بحدود المجال الذي تعيش فيه، وأن العرف السائد هو بقاء المرأة في منزلها ويعد خروجها إساءة معتقدة بدورها المنحصر بالبيت، وأن المرأة المحترمة هي تلك تمكث في منزلها لتضمن بذلك دخولها إلى مرحلة الزواج ويسرى عليها  الوصف المجتمعي المشبع بثقافة ذكورية -إليس ن تگمي- وهي عبارة بالأمازيغية تعني بالعربية -بنت الدار- بمعنى أنها سيدة محترمة مطيعة لأسرتها.

وأنا أكتب هذه الدراسة؛ تذكرت  قصة صغيرة عايشتها عن قرب، وقد كان ذلك عندما قدمت  من مدينة بعيدة إلى بلدتي طاطا بغرض قضاء غرض إداري، وفي طريقي نحو الإدارة المعنية في طاطا، صادفت وأنا أنتظر سيارة أجرة أب مع ابنته متجهين لنفس المصلحة في ذات الإدارة، بعدها استقلنا سيارة الأجرة سويا وفي حوار جمع الأب بالسائق أخبره أنه قدم مع ابنته للمدينة بغرض قضاء غرض إداري يهم ابنته وأنها ليست في مستوى على تحمل المسؤولية لوحدها وأنها مجرد –ولية- يجب تحملها إلا أن يكتب لها أن تتزوج وتنتقل الوصاية لزوجها، بعد ان أكمل الأب خطابه أردف السائق مؤكدا أنه يستوجب عليه أن يترك لابنته مساحة خاصة لكي تختلط ببنات المدينة وتكتسب شخصية قوية قد تشجعها على التمرد على  أعراف المجتمع.

كلنا أمل في أن نتنمكن يوما ما من فتح هكذا مساحات للنقاش والذي سيجعلنا ننتج ذهنية نسائية تختلف عن الثقافة السائدة  وتشارك في تفعيل مخططات التنمية كفاعل راشد ومسؤول، ونقدم على خطوات حقيقة في طريقنا نحو مجتمع المناصفة على كافة الأصعدة ومجالات الحياة، وكما كانت المرأة فاعلة حقيقة من داخل المجتمعات الأمازيغية الأميسية حيث أن كلمة -تمغارت- ليس إلا دليلا على تسمية المرأة بتمغارت دلالة على القيادة السياسية في القبيلة  للمرأة في مقابل شيخ القبيلة الذي يسمى “أمغار” وبهذا المعطى يجب ملامسة تغيير فعلي للجغرافية الثقافية للذهنية النسائية في هذا المجال كي تنتقل المرأة من ذهنية مفعول بها إلى ذهنية فاعلة في المجتمع.

فبين بنية القيم وبنية المجتمع القبلي كان يجب أن  نشير لأطروحة المجتمع المركب لعالم الاجتماع الفرنسي “بول باسكون” التي تتأسس على التجاوز والتداخل لمجتمعات عدة في المجتمع الواحد بحيث تصير أنماط العيش والسلوك والثقافات كلها تخضع لثنائيات المجتمع المزيج، كالمقدس والمدنس والأسطورة والواقع وكذا الأصالة والمعاصرة.

فالمجتمع المغربي حسب باسكون يتميز على أنه  “مجتمع قائدي مخزني يسيطر على نظام قبلي في طور الاندثار، ويسيطر على نظام أبوي (بطريريكي) مازال قائما ضمن الخلية العائلية ومن خلال وضعية المرأة لكن هذا النظام الإقطاعي برمته يدخل تحت سيطرة النظام الرأسمالية العالمي كما يتجلى ذلك في ميدان الإنتاج والتبادل“.

ومن هذا المنطلق فقد عرف الجنوب الشرقي دينامية النسق القيمي الذي يتأسس على المنظومة الإيكولوجية والحياة الإجتماعية، وهذا الأخير ينسجم مع العوامل الطارئة على المجتمع الواحي الذي يرغب في التطور والعصرنة دون الإبتعاد عن الأصول الأولى للواحة ومميزاتها الثقافية الفريدة.

فعندما نتحدث عن بنية النظام القبلي في الجنوب الشرقي أو المجتمع الواحي عامة فيجب أن نشير إلى إشكالية أساسية ألا وهي:

كيف تم تفكيك بنية المجتمع القروي من خلال  اللغة الهوياتية التي تبنتها هذه المجتمعات؟

من هنا يستوجب علينا أن نستحضر كذلك الفصل الأول والمعنون “بالثابت والمتغير في الثقافة الأمازيغية“. من كتاب “الأمازيغية والسياسة  اللغوية والثقافية بالمغرب “لكاتبه” أحمد بوكوس“.

أعطى بوكوس طرح مفصل والذي يتأسس على التماسك الاجتماعي للقرية وخص بالذكر الأسرة التي تعتبر النواة التي تحولت من نواة جماعية الى فردانية تمجد الملكية الخاصة عوض التعاون الجماعي. قام الكاتب في هذا الفصل بإبراز خصائص الفن القروي، باعتباره يتنافى مع المبادئ الجمالية الحضارية خاصة المستوحات من الغرب وتعكس هذه الثقافة اهتمامها المطلق بالماء والمرأة والعلاقة بين الأرض والسماء.

من جهة أخرى يتبين لنا أن الثقافة الأمازيغية تعاني من خطر  الإستيلاب بسبب التهميش الثقافي واللغوي الذي ألحقه تفكك بنية المجتمع الأمازيغي الاجتماعي والاقتصادي، فتفكك المجتمع  القروي اليوم كان بفعل عوامل عدة تم ذكرها سلفا نتج عنه وضع ثقافي قروي مهمش، انعكس على وجه الخصوص بالأدب والفنون الأمازيغية.

الأدب الشفهي نموذجا.

تعد الثقافة الأمازيغية من أقدم الثقافات والتي لازالت مستمرة بالرغم من الإكراهات التي عاشتها لكنها ظلت صامدة ومحافظة على أصالتها.

ويعد الشعر موطنا للهوية الأمازيغية حيث أن أغلب خطابها كان شفهيا فقط ولم يؤرخ إلا في الأونة الأخيرة حيت سارع العديد من الباحثين والجامعيين في الدفاع عن هذا الموروث الثقافي فنجد في كتاب “الخطاب الشفهي الأمازيغي بأشتوكن (2017)” لكاتبه الباحث  “مهدي مفتاحي” محاولة تحصين هذه الثقافة حيت عبر الباحث في كتابه:

المرجع هو بمتابه اختيار يغذيه ضعف الاشتغال على هذا الموروث اللامادي بالرغم من أهمية ما يكتنزه من إرث حضاري وعمق انساني تعكسه التعابير والممارسات والرموز والمتمثلات المتوارثة، والتي تمكننا من فهم أعمق لثقافتنا ووجودنا الإنساني في ماضيه وتحولاته الراهنة ومن هذا المنطلق نسعى للإحاطة بمختلف جوانبه والانتقال إلى جمعه وتدوينه وتصنيفه. إذ أن الإسهام في توثيق مختلف مكوناته هو السبيل الوحيد لحفظه من الزوال ونقله للأجيال اللاحقة، كما يشكل هذا التوثيق مدخلا نحو تثمينه واستثماره في حاضرنا عبر الإشتغالات الأدبية والفنية المعاصرة“.

في سبيل الختم

اليوم نحن بحاجة إلى باحثين وجامعيين يدونون هذا الملك الجماعي لتنتصر ثقافتنا التي مازال البعض يخجل عندما يصرح بها أمام الملأ.

ونحن بحاجة أيضا  لتفعيل المساواة الجندرية لتخرج المرأة في سباتها العميق لتجاهر بحقها في التفعيل وسط المجتمع بجانب الرجل وكسر الطابوهات الإجتماعية لتنتصر الإنسانية أمام من يتصدى لذلك.

اليوم وفي الجنوب الشرقي هناك فضاء خصب للدراسات الإجتماعية حيث تتاونى فيها المسؤوليات وتعاني المنطقة من التسطح الهوياتي وصارت تأخد بوادر التمدن، فلا عيب في التجديد والعصرنة لكن يجب الحفاظ على الأصالة أولا.

بقلم: هند أبياض – أستاذة اللغة الأمازيغية وطالبة باحثة في علم الإجتماع


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments