التحريف والتزوير كمنهج في كتابات دعاة القومجية العربية

إن المنهج الذي يتبعه هؤلاء في كتاباتهم، هو منهج التلفيق و التحريف، سواء كانت مواضيع كتاباتهم لغوية أو تاريخية أو سياسية، كما يتقنون جيدا انتقاء المعلومات التي توافق أهواءهم و نزعاتهم القومجية و تراهم يستبعدون كل المراجع التي تخالفهم، بل الأكثر من ذلك يضربون في مصداقية الباحثين المتخصصين في اللغات و التاريخ و خصوصا إن كانوا أجانب، أما إن كانوا أمازيغ أو عرب فيتهمونهم بالعمالة و خدمة الإستعمار و قلة العلم و المعرفة، و من هؤلاء من يقول بأن بعض المصادر التاريخية مزورة و محرفة عن آخرها، كما هو الشأن بالنسبة لكتاب التاريخ لابن خلدون حيث قالوا بأنه مزور، مستدلين على قولهم هذا بمخطوطة مجهولة المصدر؛ و هي أيضا من أكاذيبهم، لأن الكتابة التي كتبت بها المخطوطة حديثة جدا و يستطيع أيا كان قراءتها بكل سهولة، عكس المخطوطات القديمة التي يستحيل قراءتها إلا من قبل المتخصصين.

إن مجالات البحث التي طالها تزوير هؤلاء الأفاقين كثيرة، و سأكتفي في هذا المقال بذكر بعض تخاريفهم في مجال علم اللغة المقارن، و لن أذكر جميع من كتبوا في هذا المجال، و سأكتفي بذكر ما جاء به الكاتب العماني سعيد الدارودي في كتابه المعنون ب “حول عروبة (البربر)، و إليك بعض ادعاءاته في هذا الموضوع:

  1. يدعي الدارودي أنه متخصص في علم اللغة المقارن، لكن بالإطلاع على مضمون كتابه نستنتج أنه لا علاقة له بهذا العلم، و كل ما يقوم به عبارة عن مقارنات سطحية بين عدة كلمات من لغات مختلفة، دون احترام مناهج و قواعد علم اللغة المقارن، أيضا يعتبر غياب المنهج الوصفي  و التاريخي في كتاب الدارودي دليل آخر على عدم اطلاعه و شح معلوماته بخصوص هذا المجال الذي يدعي أنه متخصص فيه، المنهج المقارن يعتمد بصورة مباشرة على المنهج الوصفي، فأية دراسة مقارنة لابد وأن تسبق بوصف لغوي لكل لغة على حدة، وبمقتضى هذا الوصف يتسنى للباحث أن يجري مقارناته وأن يستخلص نتائجه، فمن المستحيل إجراء مقارنة بين طرفين مجهولين أو بين طرف معلوم وآخر مجهول، وهنا تأتي حتمية الوصف كشرط أساسي لعلم اللغة المقارن ؛
  2. الدارودي أخرج علم اللغة المقارن من موضوعه الأساسي و الذي يتناول المقارنة بين اللغات للوصول إلى لغة أم مفترضة إلى موضوع البحث في الأعراق البشرية، و هذا الأخير بعيد كل البعد على علوم اللغة بصفة عامة، و بنى الدارودي و باقي فلول القومجية رأيهم على مقولة “اللغة هي الكشاف الأول والهام عن أصل الشعوب”، و هنا نقول للدارودي أن العلوم تبنى على نظريات علمية و ليس على مقولات و أمثال شعبية ؛
  3. يدعى الدارودي أن مقارناته كلها يعتمد فيها على معاجم اللغة العربية، لكن هذا غير صحيح، فكتاب الدارودي يحتوي على مئات الكلمات التي لا توجد في معاجم اللغة العربية، و هذه الكلمات هي التي أخذها من لغات اليمن القديم ( عددها تقريبا 225 مفردة )، ترى ما الذي يمنعه من اعتماد معاجم تلك اللغات و الإشارة إليها في قائمة المراجع كما فعل مع بعض المفردات الأمازيغية؟
  4. بخصوص الكلمات الدخيلة على العربية و التي أقحمها الدارودي في كتابه على أساس أنها عربية فصيحة، سأذكر 30 مفردة و هو العدد الذي حدده الدارودي و رفعه كَتَحَدٍّ لي، و معروف عن الدارودي مثل هذه الأساليب الطريفة في النقاش، و المفردات هي كالتالي : 

البريد، البرذون، التنور، الخنجر، السيف، النيزك، بوقال، السطل، درهم، درويش، دينار، صاقور، أجرومية، فرن، قنطار، سلطان، فرم، كميت، إسكلة، غربال، طاق، لجام، سكين، مرت، الوج، خندق، حانوت، سربال، برج، الدسكرة…

هذه 30 مفردة دخيلة على العربية، و يقدمها الدارودي المتخصص في علم اللغة المقارن على أساس أنها من العربية الفصحى، و هذا غير صحيح، فالمفردات التي ذكرتها أخذتها من المراجع التي تتناول الدخيل من اللغات إلى اللغة العربية.

  1. يعتمد الدارودي على أسلوب المراوغة و اللعب بمعاني الكلمات و ذلك بإعطائها معاني مخالفة لما هو موجود في معاجم اللغة العربية، تارة يغير المعنى كاملا و تارة أخرى يغير جزء منه و يتوسع فيه، لا لشيء إلا لكي يثبت خرافاته و أكاذيبه، و من الأمثلة على ما نقول نذكر ما جاء به في كتابه، حيث يقول في الصفحة 97 : 

أمازيغ: الرجل النبيل، والشريف المُكرم، والحر والعزيز، الفصحى. البزيغ: الرجل النبيل، أبدلت الباء ميما “.

و تعليقا على هذا القول نقول:

  • أن ما جاء به الدارودي بخصوص لفظة البزيغ و التي أراد إلصاقها بلفظة أمازيغ غير صحيح نهائيا، و دليلنا من المعاجم العربية، إذ لا تحمل لفظة البزيغ أي معنى يفيد الحرية و النبل، و البزيغ كما جاء في لسان العرب هو اسم لفرس معروف و لا نعرف من أين جاء الدارودي بهذه الفرية.

و نفس الشيء أيضا بخصوص لفظة ” أمازير” حيث يقول في نفس الصفحة :

  • أمازير : الحر والعزيز، النبيل، الشجاع، القوي، الشريف المُكرم”، لكن هذه اللفظة في اللغة الأمازيغية تعني روث البغال و الحمير، و لا علاقة لها بالحرية لا من قريب أو من بعيد، و يبقى ما ذكره الكاتب مجرد افتراء منه لا أقل و لا أكثر؛

 و نفس الشيء نجده في الصفحة 99 بخصوص مفردة إِمِّي ” ⵉⵎⵎⵉ ”  التي قال عنها : 

  • “إمي: الرجل الصالح، الناسك الزاهد، الفصحى. الأَمة: الرجل الجامع لخصال الخير” ، لكن هذا غير صحيح ، فهذه الكلمة معناها في اللغة الأمازيغية هو الأم؛

أيضا ذكر كلمة تادوايت « ⵜⴰⴷⵡⵡⴰⵢⵜ » في الصفحة 100 و قال عنها:

  • تادوايت: النميمة، الفصحى. الدوي: الصوت” و هذا أيضا غير سليم، فالكلمة معناها هو الثرثرة و الفضول، أما النميمة مقابلها في اللغة الأمازيغية: هو تيزميت ، تامدجاوت، أسلاض، تيقرقرت. 

و نقرأ كذلك في الصفحة 101 عن معنى كلمة أمردول حيث يقول:

  • ” أمردول: البخيل، الفصحى. المرذول: الخسيس، الوضيع، أبدلت الذال المعجمة دالا مهملة” ، كذلك هذا المعنى ملفق ، إذ لا تحمل لفظة أمردول أي معنى يفيد البخل أو نحوه، بل معناها في اللغة الأمازيغية هو المرعى الشاسع.

و نفس الشيء نجده في الصفحة 218 حيث يقول الدارودي : 

  • ” أفردو: الحصن، الفصحى. البرج: الحصن”.  هذه المفردة معناها في الأمازيغية هو المهراس كما ذكرها شفيق في معجمه، و ذكرها كذلك ألأستاذ مبارك الأرضي بنفس المعنى في المعجم الوظيفي، و هذين المعجمين هما اللذان اعتمدهما الدارودي في كتابه.

و نقرأ كذلك في الصفحة 224 :

  • ” إلّْف: حملت المرأة، الفصحى. أنفت المرأة: حملت فلم تشتهي شيئا “. إلّْف في الأمازيغية معناها هو الطلاق و ليس الحمل.

و في الصفحة 250 نقرأ :

  • إكيك : البرق، الفصحى. العقيق: البرق، أسقطت العين وتعاقبت القاف الصريحة مع القاف المعقودة، قارن كذلك. الأجوج: المضيء.  ⵉⴳⴳⵉⴳ إكيك   في اللغة الأمازيغية هو الرعد و ليس البرق كما يدعي الدارودي.

عموما؛ هذا هو منهج الدارودي في كتابه، إذ يستحيل أن يأتـي بالمعنى الأصلي للكلمات الأمازيغية كما وردت في المعاجم، بل يغير في معانيها و يتصرف في حروفها كما يشاء لكي توافق مع اللفظة العربية التي سيقارنها بها، و نحن نعذر هذا العالم المتخصص في علم اللغة المقارن، فلو لا هذا الأسلوب لما استطاع أن يكتب شيئا من افتراءاته و ادعاءاته هذه.

هذه فقط بعض الأمثلة و هي كلها في صفحات متتالية، و كل صفحة من صفحات هذا الكتاب لا تخلو من نفس هذه المغالطات التي يمررها الدارودي عن قصد، مستغلا جهل القراء باللغة الأمازيغية و بعلم اللغة المقارن، كما فضل عدم ذكر مصدر كل كلمة أمازيغية، و كل هذا من أجل مزيد من التضليل. 

  1. لا ينقل الكاتب الكلمات الأمازيغية كما ذكرت في المعاجم الأمازيغية، بل يغيرها إما بإضافة حروف أو حذفها بالكامل أو تغيير مكانها في الكلمات، و نذكر بعض الأمثلة :
  • أمازدال كتبها أمردول؛
  • أمضروي كتبها أمضوري؛
  • تماغلايت كتبها تماغلالت؛
  • تامغرا كتبها تمغرت، و الكل يعرف الفرق بين المفردتين ……….

 يتصرف الدارودي في جذور الكلمات الأمازيغية و يبتكر جذورا لبعض المفردات الأمازيغية حسب هواه و حسب الكلمة العربية التي سيقارنها، و سنضرب بعض الأمثلة على ذلك . يقول الدارودي في الصفحة 164 :

  • ” إسركس: كذب، أسركاس: الكذاب، الجذر”سرك” والسين الأخيرة مزيدة، الفصحى. سرج: كذب، والسراج: الكذاب الذي لا يصدق أثره يكذبك من أين جاء”. هنا جاء الدارودي بجذر وهمي ، مبتكرا إياه بحذف السين الأخيرة في المفردة الأمازيغية و قال بأنها مزيدة و فضل الإحتفاظ بالسين الأولى، رغم أنها هي المزيدة، فالجذر الأمازيغي هو ” كرس” كما ذكره صاحب معجم الجذور الأمازيغية، و الجذر الوهمي الذي ذكره الدارودي جاء به مقابل للفعل “سرج” لذلك احتفظ بالسين الأولى لأنها موجودة في المقابل العربي.

و في الصفحة 165 و نفس المفردة الأمازيغية، لكنها مقلوبة – و هذه ظاهرة موجودة في العديد من اللغات – حيث يقول :

  • ” تيكركست: الكذب، جذرها “كرك” والباقي مزيد، الفصحى قرق: هذى، قارن أيضا. المضرية القديمة. قرق: كذب “.

هنا الدارودي ذكر جذر وهمي لكلمة تيكركست حيث قال بأن جذرها ” كرك” ، و هذا غير صحيح، فالجذر الأمازيغي هو كرس كما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه.

و نفس الشيء بالنسبة لكلمة تنزروفت التي ذكرها و ذكر جذرها زرف بزاي مفخمة ، و بلا أدنى شك فجميع الجذور التي ذكرها الدارودي غير سليمة و ذلك لعدة اعتبارات منها: 

  • جهله التام باللغة الأمازيغية ؛
  • استبعاده لجميع معاجم جذور اللغة الأمازيغية و التي كتبها المتخصصون الأمازيغ و غيرهم و اعتماده على كتابات غلاة النزعة القومجية العربية التي لا تعتمد أي منهج علمي.

ذ. عبد الله نعتــــــي

  • 1K
    Shares