رواية “ضفائر في النافذة” وبصمة “همنجواي”


أصدر الكاتب الدكتور عبد الحكيم امعيوة ـ هو دكتور في الطب النفسي الذي يمارسه بعيادته بمدينة الناظور المغربية ـ رواية بعنوان: “ضفائر في النافذة”، نشر “لوتس للإنتاج والتوزيع” بجمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى 2019، 402 صفحة من الحجم المتوسط.

رواية بلا “أحداث” ولا تسلسل زمني:

من توقّف، مثلي، في قراءته لنماذج من الأدب الروائي عند الرواية الكلاسيكية للقرن التاسع عشر، التي تبتدئ بعقدة وتنتهي بحلّ، مثل “بؤساء” فيكتور هوجوVictor Hugo، أو “الأحمر والأسود” لستندال Stendal، أو “صفحة من الحب” لزولا E.Zola…، سوف يتيه وهو يقرأ هذه الرواية للدكتور امعيوة، لأنه سوف لا يجد “عقدة” تدور حولها أحداث الرواية، ولا “حلا” تنتهي إليه تلك الأحداث، ولا تسلسلا زمنيا لنفس الأحداث، ليشكّل كل ذلك مصدرا للتشويق الذي يشدّ القارئ إلى القصة شدّا ويجتذبه إليها اجتذابا. فإذا كانت هذه الرواية مقسّمة إلى 16 فصلا، فلا يُفهم من ذلك أن هناك انتقالا كرونولوجيا من فصل إلى الذي يليه، مما قد يعني تقدّما للأحداث نحو نهاية منتظرة. هي فصول مستقلة بعضها عن بعض، لا يجمع بينها إلا أيوب بطل الرواية، وحضور بطل آخر هو الكاتب إرنست همنجواي Ernest Hemingway، الذي سأعود إليه لاحقا. ولهذا فـ”ضفائر في النافذة،” هي رواية بلا “أحداث”، بمفهوم الوقائع المادية والتسلسل الزمني، لأن “أحداثها” هي مشاهد من الطبيعة ومن حيوات تجتمع فيها كل المتضادات والتناقضات، من فرح وحزن، وحكمة وجنون، ورضا وغضب، وصِدق ونفاق، وأنانية وإيثار، وحب وكره، وقوة وضعف، وجمال وبشاعة… لكن الكاتب لا يحكي لنا عن هذه المشاهد، من الطبيعة والحيوات، كمن يكتب تقريرا أو يحرّر محضر معاينة، وإنما يقدّم لنا لوحات فنية جميلة ورائعة، مما يجعل هذه المشاهد تنتصب أمامنا كواقع حاضر نكاد نلمسه، بل نكاد نعيشه ونكون طرفا فيه.

الطبيب أيوب:

تتحدث الرواية عن أيوب الذي عُيّن طبيبا داخليا بمستشفى الحسنى بمدينة الناظور، حيث استقر بالسكن الوظيفي بداخلية المستشفى، مع زيارته من حين لآخر لمنزل الأسرة، بنفس المدينة، للاطمئنان على والديه العجوزين. كانت تزوره بداخلية المستشفى الفتاةُ نورا المطلّقة، على أمل أن يتزوّجها كما كانت تدعوه إلى ذلك بإلحاح. لكن قلبه كان يميل إلى مليكة، الجارة التي تسكن على مقربة من بيت الأسرة، والتي تعرّف عليها عندما فتح ذات يوم نافذة بيته بالطابق العلوي لمنزل الأسرة فكانت هي تُطل من النافذة المقابلة حيث تدلّت ضفائر شعرها خارج النافذة. ومن هنا استوحى عنوان الرواية: “ضفائر في النافذة”. ومنذ “لقاء” النافذة أصبح ولهانا بملكية، «تربطه إليها بحبلين من فولاذ، كما تربط السفينة إلى رصيف الميناء، وتشده برغبتين جامحتين: الهوى والشهوة» (صفحة 180)، رغم أنها هي كذلك مطلّقة، فضلا على أنها تُعتبر مصابة بمسّ من الجنون. وقد دعته يوما من النافذة أن يزورها خلسة ببيتها ليلا. وهو ما تجاسر على القيام به. يقضي يومه في العمل مع المرضى والمعطوبين وجثث الموتى، مثل تلك المجموعة من الجثث المتحلّلة التي قذف بها البحر إلى شواطئ الناظور لعدد من المهاجرين السرّيين الذين هلكوا بعد غرق مركبهم، والتي كُلِّف بإنجاز تقارير معاينتها. أما الخمر فكانت هي أنيسه خارج العمل، في بيته بالداخلية أو في منزل الأسرة. أما السيجارة فنادرا ما تفارقه. «لقد سحقته السهرات الفارغة وحولته إلى نِثار يصعب جمعه» (278)، يقول عنه الكاتب عبد الحكيم امعيوة الذي هو نفسه أيوب بطل الرواية.

مليلية عبد الكريم الخطابي:

في زيارة أيوب لمدينة مليلية، وتجواله بحي الجنيرال سان “خورخو” القديم في محاذاة البحر، بمنازله السفلية الخالية من أية طوابق، والتي شبّه أزقتها بـ«ترسيمة […] على شكل شبكة ذكّرته بالكلمات المتقاطعة» (181)، ينقلنا، كمرشد سياحي خبير متمكّن، إلى زيارة المتحف وإطلاعنا على محتوياته التي يعرف تاريخها بتفاصيل مدهشة، تنمّ عن قوة الذاكرة ودقة الملاحظة. بعد ذلك يقف بنا أمام بناية سجن قديم ليخبرنا أن محمدا بن عبد الكريم قفز ذات يوم من أعلى أسوار هذا السجن رغبة في الفرار من الأسر، حيث أُصيب بكسر في «ساقه التي ظل يعرج بها قليلا طيلة حياته» (صفحة 202). ثم يعرّج بنا إلى المكان الذي كانت توجد به مقهى “مارينا” ليشرح لنا أن محمدا بن عبد الكريم الخطابي تناول بها قهوة مع بعض مرافقيه في 1910، عندما كان يعمل مدرّسا بالمدرسة الأهلية بمليلية. فلاحظ أن الثمن الذي طُلب منه يزيد كثيرا عما يدفعه مرتادو المقهى من الإسبان. ولما استفسر عن ذلك، «قيل له “إنما ذلك لتجنّب دخول المغاربة إلى المقهى”» (صفحة 203). وهو ما جعله يقدّم شكاية بصاحب المقهى أسفرت عن الحكم عليه إداريا ـ وليس قضائيا ـ بغرامة ثقيلة. بعد مغادرة المدينة القديمة والوصول إلى المنتزه الكبير، سيدلّنا أيوب، والذي هو نفسه الطبيب والكاتب امعيوة كما سبقت الإشارة، عن الإقامة التي كان يسكن بها محمد عبد الكريم الخطابي أيام اشتغله بمليلية، والتي تقع بشارع “كران كابيتان” رقم 27، غير بعيدة عن الإقامة التي كان يسكن بها فرانكو” في الجهة الأخرى المقابلة لنفس المنتزه. وهنا يعلّق: «يا لقساوة التاريخ! تاريخ الأحداث والبنايات جعل من منتزه مليلية الكبير معلمة تفصل بين ذكرى شخصين، بينهما برزخ من الفوارق والأضداد» (صفحة 205). وأخيرا وصل أيوب إلى “لاكانتينا”، حانة “باكو” حيث «الشراب يتدفق بانسياب، والموالح، على أصنافها، تدغدغ الغدد اللعابية» (صفحة 205).

تناقضات النفس البشرية:

في غوصه إلى أغوار النفس البشرية ـ ومن يجيد ذلك من غير مختص في الطب النفسي؟ ـ، يُبرز أيوب/الكاتب تناقضات هذه النفس وازدواجيتها وتعارض حقيقتها الظاهرة مع حقيقتها الحقيقية، أي الباطنية، وخصوصا بالنسبة للمتديّنين. فهذا الحاج عبد القادر باسطوس، والد مليكة، الذي يؤدّي الصلوات في أوقاتها بالمسجد، إلا أنه رغم ورعه الظاهر فهو «يتشمّم دائما تضاريس المؤخرات وهو ذاهب لأداء الصلاة في المسجد القريب» (صفحة 25). وهذا زميله بودلال، الطبيب الأكثر تديّنا وتقوى من بين جميع العاملين بالمستشفى. يواظب على صلاة الفجر ولا يشرب الخمر ولا يقرب المحرّمات. لكن ذلك لم يمنعه من أن يتقدّم، ذات مساء، أمام “السكّير” أيوب يترجّاه أن يُخرجه من الورطة التي وقع فيها بتسبّبه في حمل الطبيبة دلال، والتي يعرف أنها مخطوبة لزميل له يشتغل في إقليم آخر.
معرفته بالبشر، كلينيكيا وتجربة، هي التي جعلته يقول، ولو أنه كان يقصد بالتحديد القساوة التي يعامل بها والده أمّه: «ما يُحزن حقا هو حجم الخيانات البشرية التي تنسى العشرة بسرعة وكأن الأماني والانكسارات لم تكن شيئا ذا معنى في حياة الناس» (صفحة 122).

لكن في خضم هذه الخيانات البشرية، وغلبة الأنانية، واتشار “ثقافة” نكران الجميل، هناك مواقف تبرهن على أن الوفاء والإيثار والتضحية هي فضائل لا تزال موجودة وممارَسة. وهو ما لمسه لدى تلك الراهبات الإسبانيات اللواتي نذرن حياتهن لخدمة المرضى ومساعدتهم والتخفيف من آلامهم بالمستشفى. فقد بعثت إليه كبيرتهن تلتمس منه أن يزور جناح المرضى المساجين الذين لا يسأل عنهم أحد، لا من الأهل ولا من الأطباء ولا من الممرضين. «عجب لنكران الذات هذا الذي جعلهن يتجاهلن حياتهن الخاصة ليعتنين في تفان لا حد له بأشخاص أغراب مرضى وقذرين. وها هي الراهبة الأجنبية أمامه تترجاه حتى يتكرم ليعتني بسجناء من بني جلده» (صفحة 133). «وكان قد لاحظ الحب والعناية اللذيْن تغدقهما (يقصد راهبتين) على الجرحى والمعطوبين في مصلحة الجراحة العامة». فتساءل: «هؤلاء الراهبات اللائي رفضن أن يكن أمهات، من أين لهن هذه الأمومة في السلوك والحديث؟» (صفحة 134). وقد كانت علاقته الودية بهؤلاء الراهبات، اللواتي كنّ يدعونه من حين إلى آخر إلى تناول فنجان قهوة أو كأس نبيذ بمسكنهن الموجود بالمستشفى، سببا في توتّر علاقته بمدير المستشفى الذي استدعاه رسميا لاستفساره عن زياراته المتكررة للراهبات، وهو ما أثار حفيظة أيوب الذي ثار في وجه المدير رافضا أن يتجسس عليه ويراقبه خارج عمله الرسمي القانوني.

غياب الجنس الساخن:

لا يخرج وصف أيوب لعلاقاته الحميمية مع النساء، نورا ومليكية أو تلك التي نعتها بـ «قمحية الجلد، خمرية اللون، ناهدة الصدر وممتلئة الساقين» (صفحة 66)، عن اللغة العادية “المقبولة” اجتماعيا. لماذا إثارة هذه النقطة؟ لأن في روايته “بعيدا عن بوقانا”، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى 2007، يتحدث الكاتب عن مغامراته “السريرية” بلغة مباشرة وجريئة، مكشوفة و”نيّئة”، وبصيغة المتكلّم، تقترب من الأسلوب الإباحي السافر، ولو أن ذلك يضفي على النص مزيدا من الصدقية والواقعية. ولهذا فاجأني، في “ضفائر في النافذة”، رغم أنه يؤكد بأنه «لا حب خارج الجسد المشتعل» (صفحة 275)، بالأسلوب “المعتدل” في حديثه عن تلك العلاقات الحميمية، والذي هو أسلوب عادي ومقبول اجتماعيا، كما قلت. هل يرجع هذا “الاعتدال” إلى التقدّم في العمر؟ أم إلى أن الكاتب أصبح رب أسرة؟ أم لأنه طبيب معروف له زبائن، منهم قراء ومثقفون ومتديّنون، لا يريد أن ينظروا إليه، أخلاقيا، كما ينظرون إلى “الخبز الحافي” لمحمد شكري؟

لغة جميلة وأسلوب أجمل:

قلت إن رواية “ضفائر في النافذة” لا تتضمّن “عقدة” تدور حولها أحداث الرواية، ولا “حلا” تنتهي إليه تلك الأحداث، ولا تسلسلا زمنيا لنفس الأحداث، ليشكّل كل ذلك مصدرا للتشويق الذي يشدّ القارئ إلى القصة شدّا، ويجتذبه إليها اجتذابا. ففي خلو عناصر التشويق هذه، ما الذي يشدّ القارئ إلى رواية “ضفائر في النافذة”، ويدفعه إلى قراءتها بشهية لا تقاوم؟

إنها اللغة التي كُتبت بها. هي اللغة العربية المعروفة. وهي ليست اللغة الأم للكاتب الأمازيغي الدكتور امعيوة، كما أنها ليست اللغة التي درس وتلقّى بها تكوينه الجامعي في الطب. لكنه غنمها وافتضّ بكارتها فأصبحت ملك يمينه، لا تنتمي إلا إليه، يستعملها كأداة لإنتاج الجمال والرُّواء والسموّ. لم تعد، بعد أن أصبحت ملكا خاصا به، تلك اللغة البدوية، ثم الدينية الفقهية، المثقلة بالمترادفات الفائضة عن الحاجة. بل تحوّلت ـ أو حوّلها ـ إلى لغة خفيفة، رائقة، متألقة، منسابة، مِطواعة، أنيقة، رشيقة وجميلة…، تستعرض، كحسناء لعوب، أناقتها ورشاقتها وجمالها في أسلوب به غير قليل من الغنج والدلال. هذا هو أسلوب الكاتب الذي يشدّ إليه القارئ بجماله وسحره (أليس إن من البيان لسحرا، كما جاء في الأثر؟)، ويضفي على الرواية سناء وسموّا وبهاء. فهذا الأسلوب المتميّز، الناتج عن تطويع العربية وجعلها ملك يمين الكاتب، كما قلت، هو بطل آخر، رئيسي، ضمن أبطال الرواية.

ولهذا فإن تلخيص الرواية، بالشكل الذي قدّمته أعلاه، يُبرزها كشيء أقل من عاديّ. وهذا صحيح. لماذا؟ لأن الرواية، كفنّ وإبداع، لا تُكتب لتُعاد رواية أحداثها كأخبار أو أحداث تاريخية، لأن مضمونها الفني، الإبداعي والجمالي، ليس في أحداثها وشخصياتها، وإنما في ما تخلقه لدى القارئ من إحساس بالجمال والبهجة والرضا. ولهذا تُكتب لتُقرأ حتى يُتذوّق جمالُها. فإدراك قيمتها الجمالية لا يكون برواية أحداثها وإنما بقراءتها كنص، وإلا لما كانت فنّا وإبداعا وخلقا للجمال. قد تكون خبرا أو تحقيقا صحفا، لكن لا تشكّل فنا روائيا ولا إبداعا أدبيا جميلا.

فمثلا كان من الممكن، خارج لغة وأسلوب الكتابة الروائية، أن يخبرنا الكاتب أن شفاه نورا، عشيقة أيوب، كانت تحافظ على نضارتها حتى بعد أن يقبّلها ويمحو بذلك مساحيقها، وأن شعرها أشقر يلامس وجنتيها وكتفيها. لكنه، بما أنه مبدع يخلق الجمال بأسلوبه الروائي، فهو يصف لنا شفاه نورا وشعرها بلغة جميلة وأسلوب أجمل، تخلق لدى القارئ، كما سبقت أن قلت، شعورا بالبهجة والرضا: «آه من شفاه نورا القرمزية والتي تحتفظ بنضارتها حتى بعد أن يأتي لعابه على الأصباغ والمساحيق الفاقعة التي تطليها بعناية مغربية وحرص إسباني» (صفحة 9). «أما شعرها الأشقر الهفهاف فقد تراقص على الوجنتين والكتفين وانسدل متلعثما في الجانبين يراود النهدين» (صفحة 72). أو بدل أن يخبرنا بأن حبيبة الطباخة كانت تتحدّث مع أيوب حول الطبيب الملقّب بالتمساح، يصف لنا كل التغيّرات الحركية لمكوّنات وجهها، التي يُحدثها الاستعداد للنطق والكلام، وصفا حيا أخّاذا: «خفتت ضحكتها، تقوس حاجباها وعضت شفتها السفلى ثم أفرجت عنها» (صفحة 13). أو يقول لنا إن هذا الطبيب يطلق عليه زملاؤه “التمساح” لأن شكل وجهه يذكّر بهذا الحيوان. لكن الكاتب يرسم لنا صورة فنية بديعة عن شكل وجه هذا المسمى “التمساح” فيقول، في تصوير دقيق رائع: «فكّاه ينسابان إلى أمام، في انسلاخ تام عن مستوى الوجه، بانسياب مخروطي ينتهي بأسنان شائكة تذكر الرائي بفم التمساح» (صفحة 14). أو يقول لوصف حالة الطقس بأن الليل بارد وممطر، والرياح قوية. لكن بما أنه فنان روائي مبدع، يكتب بدل ذلك، وبأسلوب يجعلنا “نحسّ” بتلك الحالة من الطقس: «ها هو في الليل البارد، الماطر قليلا، والريح حواليه تنشد مواويلها المجنونة، يرافقها، ويمتزج بها، صفير شبه حاد، لا تجيده إلا شبابة (مزمار من قصب) شاطئ مهجور» (صفحة 195)، أو يكتب، بنفس الأسلوب الجميل الممتع: «الريح صارت حزينة، نائحة، تحزّ حزّا كئيبا ينخز في مهجته» (صفحة 193)، أو يقول، للتعبير عما يستشعره أيوب من شجن ووحدة، ودائما بأسلوب يجعلنا نستحضر حالة أيوب وحالة السماء كما لو كنا مكان أيوب نفسه: «بدت له النافذة حيوانا أسطوريا يفتح فاه. والسماء بدت له صفحة صماء بلا رحمة» (صفحة 76).

هكذا هي رواية “ضفائر في النافذة”: فن وجمال، إبداع وألق، بفضل استعمال لغة لا يجيد توظيف جمالها إلا من جعل منها لغة خاصة به تنتمي إليه وحده، كما كتبت، دليلا على الأسلوب المتميّز الخاص بالكاتب وحده. فـ”الضفائر”، لكونها فنّا وإبداعا وجمالا، هي مثل قطعة موسيقية: مهما أجدْنا في وصف جمالها وعذوبة ألحانها، فإن ذلك لا يجعل منها موسيقى عذبة ذات لحن جميل. ما يجعلها كذلك هو الاستماع إليها بالأذن. فكما أن غاية الموسيقى هي أن تسمعها الأذن، فكذلك غاية الرواية هي أن تُقرأ لاكتشاف فنها وجمالها وسموّها.

بصمة “همنجواي”:

سبق أن قلت إن بجانب بطل الرواية أيوب، هناك بطل آخر هو الكاتب “إرنست همنجواي”. ما علاقة الكاتب الأميريكي بـ “ضفائر في النافذة”؟ علاقته بها هو أننا نلمس حضوره في ثنايا الرواية من أولها إلى آخرها، كما لو كان ظلا ملازما للكاتب. والحقيقة أن الكاتب هو الذي يشكّل ظلا لـ”همنجواي” إذا أخذنا بعين الاعتبار التأثير الكبير الظاهر الذي مارسه الكاتب الأميريكي على الكاتب المغربي الدكتور عبد الحكيم أمعيوة، الذي هو أيوب. ففضلا عن إشاراته المتكرّرة، هنا وهناك، إلى “همنجواي”، ووجود كتابه “العجوز والبحر” دائما فوق سرير أيوب، فقد خصّص له ثلاثة فصول، هي السابع والثاني عشر والخامس عشر. وفي حديثه عن الكاتب الأمريكي، يبدو أيوب، الذي هو الكاتب عبد الحكيم امعيوة، مهووسا بهذا الروائي الفذّ. فهو لا يعرف كل شيء عن حياته الأدبية فحسب من خلال قراءة كل أعماله، وهو شيء متاح لكل مثقّف، وإنما يعرف كل صغيرة وكبيرة لها علاقة بحياته الخاصة والعائلية من غير حياته الأدبية. فيبرز “همنجواي”، من خلال الإحالات الكثيرة عليه في الرواية، كقدوة لأيوب، يُلهمه ويحفّزه. وليس صدفة أنه كتب يقول بقلم الدكتور امعيوة: «ليت الإنسان يتعلّم من قلم الرصاص الذي كان يكتب به همنجواي» (صفحة 241). وقد يُغرينا أن نلاحظ نوعا من التماهي لدى أيوب، الذي هو كاتب “الضفائر”، مع الكاتب الأمريكي في العديد من المظاهر، مثل تعاطيه للخمر التي كان الكاتب الأمريكي مدمنا عليها، وتعلّقه بامرأتين، نورا ومليكة، لكن كان يفضّل الأخيرة، تماما مثل ما عاشه “همنجواي” مع إلزي ماك دونالد وأنييس فون كروفسكي التي كان يميل إليها أكثر من الأولى. وحتى عندما غضب أيوب وطلب من نورا الانصراف وعدم العودة، يقول عنه كاتب الرواية، الذي هو أيوب نفسه: «مثلت أمامه “هادلي ريشاردسون”، زوجة همنجواي الأولى» (صفحة 386)، مذكّرا بذلك أن أيوب يكرّر نفس التجربة التي مرّ بها سابقا “همنجواي”.

بل إن هذا الارتباط بــ”همنجواي” سيدفع أيوب إلى أن يقترح «على أستاذه نموذجا استقاه من قراءاته الممتعة والأثيرة “الحب والموت في كتابات إرنست همنجواي”…» (ص 40)، يحلّل فيه، سواء شخصيات رواياته أو حالة الكاتب الأمريكي نفسه، مع دراسة حالة انتحاره لتبيان هل كان انتحارا مرَضيا أم فلسفيا، كما يقول أيوب. وهو موضوع يبدو، من خلال الرواية، أن أستاذه العقيد المسؤول عن مصلحة الأمراض العقلية والنفسية بالمستشفى العسكري بالرباط، وافق عليه. وقد كوّن أيوب، من خلال قراءاته، أفكارا عن “همنجواي” تتداخل بين ما هو تحليل أدبي وتحليل نفسي. يقول عنه الكاتب، الذي هو أيوب نفسه، بخصوص هذا الموضوع: «خلص، في عقله الباطني، من خلال كل ما قرأ في الموضوع، أن همنجواي كان يعاني من علة الأمل، آماله كانت عليلة جدا، كلما طمح إلى غاية إلا وخلق أسبابا لقتلها. يصاب بخيبة أمل، ثم يعود لخلق أمنية جديدة لا يلبث أن يطمرها، وهكذا دواليك حتى دخل في حلقة مفرغة، يدور فيها فارغا من كل عزيمة. وسباقه اللاهث إلى كتابة عمل أخّاذ والوصول إلى تحقيق حب شغوف جعلاه ينهي الحلقة المفرغة، في ذلك الدهليز بكيتشوم (مدينة أمريكية)، ذات صباح، حين ضغط على الزندين محنيا على بندقية الصيد تلك» (صفحة 397 ـ 398).

إلا أن ما يغيب، لإدراك مدى تأثير “همنجواي” على الكاتب امعيوة/الطبيب أيوب، بخصوص أسلوب الكتابة الروائية، هو قراءة كتب وروايات “همنجواي” حتى نقارن بين كتابات الروائي الأمريكي والروائي المغرب لنتعرّف على مظاهر هذا التأثير، وخصوصا في ما يتعلق بأسلوب وتقنيات الكتابة الروائية. أقول هذا ما يغيب بالنسبة لي، أنا، كاتب هذا الموضوع عن رواية “ضفائر في النافذة”. فلكوني لست أديبا ولا روائيا، ولا ناقدا للإنتاج الأدبي والكتابة الروائية، ولا مهتما بالرواية والأدب، بل مجرد قارئ “عرَضي” فقط، أي أقرأ بالصدفة دون قصد سابق أو اختيار محدّد لما أرغب في قراءته مما ينتمي إلى فن الأدب. ولهذا فأنا لم أقرأ شيئا لـ”همنجواي” حتى أستطيع تحديد مظاهر تأثير هذا الكاتب على امعيوة في تقنيات وأسلوب الكتابة الروائية. ولهذا إذا قُدّر لي يوما ـ علما أن أيامي معدودة بالنسبة لعمري ـ أن أقرأ مؤلفات “همنجواي”، فأكيد أنني سأعيد كتابة هذه الورقة بشكل مغاير تماما.

ملاحظة أخيرة:

الكاتب الدكتور عبد الحكيم امعيوة هو أمازيغي ولغته الأم هي الأمازيغية، كما سبق أن أشرت. وهو يكتب بالعربية كما نفعل نحن، المثقفين الأمازيغيين، لأنها هي اللغة التي فرض علينا أن نتعلّمها في المدرسة بجانب الفرنسية. فهي غنيمة التعريب. أصبحنا نستعملها في الدفاع عن أمازيغيتنا عكس ما كان ينتظره التعريبيون، وهو أن يؤدّي التعريب إلى نسياننا للغتنا الأمازيغية وتنكّرنا لهويتنا الأمازيغية. ولهذا إذا كانت الأمازيغية غائبة كلغة مكتوبة لدى الأمازيغيين الذين يكتبون بالعربية أو الفرنسية، إلا أنها حاضرة لديهم كانتماء يذكّرون به بفخر في كتاباتهم، كما عند محمد خير الدين الذي كتب بالفرسية، ومحمد شكري الذي كتب بالعربية. هذا التذكير بالانتماء الأمازيغي للكاتب امعيوة هو غائب كلية في رواية “ضفائر في النافذة”. فمن لا يعرف أنه أمازيغي قد لا يتوفّق في استنتاج ذلك من نص الرواية.


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments