فاعلون أمازيغ: تعميم تعليم الامازيغية يعرف تراجعا مهولا


انطلق ورش إدماج اللغة الأمازيغية في المنظومة التربوية سنة 2003 بآمال عريضة، حيث تمّ تكوين 15 ألف أستاذة وأستاذ كُلفوا بمهمة قيادة ورش تدريسها. وبعد سبعة عشر عاما من انطلاق هذا المشروع، تُبيّن النتائج الميدانية أن المكتسبات التي تحققت في السنوات الأولى منه لم تتقدم إلى الأمام؛ بل تم التراجع عن جزء كبير منها خلال السنوات الأخيرة.

تراجع في المكتسبات

هذا الاستنتاج، الذي يبدو متنافرا مع وضعية ما بعد دسترة الأمازيغية سنة 2011، ليس انطباعا لدى الفاعلين الأمازيغ؛ بل يؤكّده الأساتذة الممارسون في الميدان، فمشروع تعميم تدريس اللغة الأمازيغية لم تُثبطه فقط تعثرات، “بل إن هناك تراجعا مهولا في المكتسبات”، على حد تعبير رشيد أكركاض، رئيس الجمعية الجهوية لمدرسي اللغة الأمازيغية بسوس ماسة.

يقدّم المتحدث نموذجا على ذلك باستحضاره لـ”تخلّي وزارة التربية الوطنية عن خمسة عشر ألف أستاذة وأستاذ تمّ تكوينهم بشراكة بينها وبين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وكلّفوا بتدريس اللغة الأمازيغية؛ لكن بعد ذلك أعادت الوزارة هذه الأطر التربوية إلى تدريس موادّ أخرى، على الرغم من أنّ منهم مَن درّس اللغة الأمازيغية لمدة عشر سنوات”.

يُعدّ تكليف أساتذة اللغة الأمازيغية بتدريس موادَّ أخرى من بين المؤشرات التي يقول الفاعلون التربويون الأمازيغ إنها تعكس التراجع المضطرد للمكتسبات المحققة على هذا الصعيد، وغياب إرادة حقيقية لدى الجهات المعنية للدفع قدما بورش تعميم تدريس اللغة لأمازيغية إلى الأمام، “كأنّ هناك جهة خفيّة تعمل على إفشال هذا المشروع”، يقول رشيد أكركاض.

مزاجية وارتجالية

منذ ثلاثة أيام، برزت واقعة جديدة تؤكد ما يتداوله الفاعلون التربويون العاملون في مجال تدريس اللغة الأمازيغية بخصوص انتكاسة مشروع التعميم، حين رفض مدير مؤسسة تعليمية بمدينة الرباط التحاق أستاذة تم تعيينها لتدريس اللغة الأمازيغية، مطالبا إياها بالبحث عن مدرسة أخرى، على الرغم من أن المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية هي التي عيّنتها.

وذهب المرصد الأمازيغي للحقوق والحريات، الذي راسل وزير التربية الوطنية ومديرَ الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الرباط-سلا-القنيطرة في الموضوع، إلى القول إن هذه الواقعة تجسّد “سلوكا شخصيا مزاجيا يعدّ خرقا سافرا للدستور الذي ينص في فصله الخامس على رسمية اللغة الأمازيغية بوصفها لغة مؤسسات بالمغرب”.

“المزاجية” في تنفيذ مشروع تدريس الأمازيغية اعتبرها أستاذ للغة الامازيغية من بين أسباب تعثّر هذا المشروع، وأوضح: “في نظري كفاعل تربوي، لا ينبغي حصر التكوين على الأساتذة فقط، بل يتعيّن تكوين مديري المؤسسات التعليمية والمفتشين أيضا، لأن أغلبهم غير ملمّين بهذا الملف، وهذا من أبرز أسباب القرارات الارتجالية التي نراها اليوم”.

وتابع المتحدث ذاته: “مدير المؤسسة التعليمية هو في الأصل أستاذ تكوّن في الإدارة، وصفتُه الأولى كأستاذ تجعله مُراكِما لتجربة مهمة في التعامل مع الموادّ المدرّسة ضمن المقرر الدراسي؛ لكنه لا يعرف ماذا يفعل بالأمازيغية لأنه لم يحصل لديه تراكم لديه حولها ولم يكوَّن فيها”، مضيفا: “بل إن بعض المديرين يتخوّفون من أن تُدرّس الأمازيغية في مؤسساتهم، لأنهم يعتبرونها عملية معقّدة”.

وأرجع الفاعل التربوي سبب هذا التخوف والارتباك إلى غياب مجموعة من العناصر الأساسية؛ مثل الإطار المرجعي (Cadre référentiel) لاستعمال الزمن وحتى الامتحانات، مشددا على أن ثمّة حاجة ماسة إلى توفير إطار مرجعي خاص بعمل الأساتذة المتخصصين في تدريس اللغة الأمازيغية لتسهيل مهامهم.

ساعات غير كافية

بدوره، قال رئيس الجمعية الجهوية لمدرّسي اللغة الأمازيغية بسوس ماسة إن تنزيل ورش تعميم تدريس اللغة الأمازيغية “فيه كثير من المزاجية؛ لأن هناك ضبابية في قراءة التصور العام لهذا المشروع”، موضحا أن المنهج الدراسي الجديد فيه تناقض مع المذكرة المتعلقة بتنظيم تدريس اللغة الأمازيغية.

وأوضح المتحدث ذاته أن المنهاج الدراسي حدد عدد ساعات التدريس في 30 ساعة في الأسبوع، 27 ساعة قارة إضافة إلى 3 ساعات للدعم؛ بينما حددت المذكرة عدد الساعات في 24 ساعة، لافتا إلى أن النظام المعمول به حاليا لا يثمر أية نتائج، نظرا لقلّة عدد ساعات التدريس التي يستفيد منها التلاميذ.

عدم جدوى المنهاج الدراسي المتّبع، حسب إفادة رشيد أكركاض، مرده إلى أن كل أستاذ يدرّس أفواجا كثيرة، قد تصل إلى عشرة أفواج؛ ما يعني عمليا أن كل فوج لن يستفيد سوى من ثلاث ساعات أسبوعيا فقط، مضيفا: “المطلوب ليس هو الزيادة في أفواج التلاميذ لكل أستاذ، بل تقليصها وزيادة عدد ساعات تدريس الأمازيغية”.

ويعود سبب تكليف أساتذة اللغة الأمازيغية بتدريس عدد كبير من الأفواج إلى قلّة المناصب المالية المخصصة لتوظيف المدرّسين، فبالرغم من أن أوّل فوج من الأساتذة المتخصصين حاملي شهادة الإجازة المكوّنين في المراكز الجهوية للتربية والتكوين تخرّج سنة 2013، فإن عدد المناصب المالية المخصصة لهم ما زال ضعيفا جدا؛ فعلى سبيل المثال، لم يتعدّ عدد المناصب المحدثة في قانون المالية الأخير 8 مناصب بالنسبة لجهة سوس ماسة كلها، حسب إفادة رشيد أكركاض.

وتابع المتحدث ذاته أنه فضلا عن قلة عدد الأساتذة المتخصصين في تدريس الأمازيغية، هناك أيضا عائق يُثبط مشروع تعميم تدريس اللغة الأمازيغية إلى الأمام، يتعلق بـ”مزاجية بعض مديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والمديرين الإقليميين؛ فالمدير الذي يدعم تدريس الأمازيغية يوفّر الظروف الملائمة، والذي يتحفظ على تدريسها يفتعل أسبابا لعرقلتها”، لافتا إلى أن التلاميذ في مؤسسات تعليمية لم يتوصلوا بكتاب الأمازيغية في إطار برنامج “مليون محفظة”.

محمد الراجي


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments