خطاب ماكرون عن أزمة الإسلام

  •  
  •  
  •  
  •  

“نحن نشفق على حاكم مازال يعيش أزمة وشبح حروب دينية يعيش في قرونها الوسطى ونحن في القرن الحادي والعشرين”.

بهذه الكلمات، رد الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي القره داغي على تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي اعتبر أن “الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم”، وذلك في معرض حديثه عن خطر “الانعزال الإسلامي” الذي يهدد ثوابت الجمهورية ومبادئ العلمانية في فرنسا.

لم تكن تصريحات ماكرون لتمر مرور الكرام، لأنه أثار موضوعا على قدر كبير من الحساسية في المجتمعات الإسلامية، لذلك تعالت أصوات الرفض والاستنكار التي تعودنا على سماعها كلما تعلق الأمر بشأن يخص الإسلام والمسلمين. وهكذا لم تخل أغلب ردود الفعل في مواقع التواصل الاجتماعي من خطاب الشعبوية وقاموس السب والشتم مبتعدة عن سياق الموضوع ومتهربة من النقاش العقلاني والهادئ… وذلك لسبب بسيط يتجلى في كون العقلية المنتجة لهذه التعليقات نفسها هي مظهر من مظاهر “الأزمة” التي تحدث عنها الرئيس الفرنسي، وهي أمر واقع، وليست تجنيا على الإسلام والمسلمين، لكننا لا نمتلك الشجاعة الكافية للإقرار بها، لأننا جاهزون باستمرار للدفاع عن أنفسنا وديننا من قناة اتهام الآخر بالعنصرية والحقد والتآمر… وغيرها من الأحكام الجاهزة دون أن نكلف أنفسنا عناء النظر بإمعان إلى مرآة حقيقتنا.

وحتى عندما يتعلق الأمر بموقف هيئة فقهية لها وضعها الاعتباري، تظل هذه النبرة الاتهامية حاضرة بقوة. والمضحك المبكي في العبارة التي بدأنا بها هذا المقال هو أن السيد علي قره داغي اختار أن يقلب حقيقة الواقع، وانتبه فجأة إلى كوننا نعيش في القرن الحادي والعشرين مشفقا على ماكرون المشدود إلى القرون الوسطى؛ فهل يعيش المسلمون في القرن الحادي والعشرين حقا؟ هل نجح فقهاؤنا في تجديد الخطاب الديني بما يجعله متناغما مع متطلبات هذا العصر؟ لماذا نحن باستمرار إلى الماضي؟ ألا نعيش زمانا غير زماننا؟ أليست هذه الغربة الوجودية تعبيرا صارخا عن الأزمة المزمنة التي تسكننا؟

إن المظهر الأكثر بروزا للأزمة التي تلازم المسلمين يتجلى في هذا التعلق العجيب بتراث فقهي أصبح متجاوزا في كثير من مضامينه وأحكامه؛ ومع ذلك فهو يسكن العقل الإسلامي ويلازمه. لذلك يتم استدعاء الماضي باستمرار كلما تطلعنا للمستقبل. وهذا يعني أن الأمر يتعلق بأزمة بنيوية تحكم النظام المعرفي الإسلامي في منطقه وآلياته وفاعليته، حيث أصبح البراديغم الفقهي التقليدي عاجزا في كثير من الأحيان عن الاستجابة للمتطلبات الاجتماعية الجديدة.

ولا يمكن للثابت أن يستوعب المتحول ويستجيب لمطالبه ويجيب عن أسئلته إلا إذا امتلك القدرة على مواكبة هذا التغير والتفاعل معه بإيجابية. والحال أن فاعلية التراث الفقهي في العصور السابقة ليست بالضرورة فاعلية مطلقة وأبدية، خصوصا وأننا نعيش عصرا جديدا يسوده القانون الوضعي، ولا يمكن تجديد الخطاب الفقهي إلا من خلال التخلي عن تقديس هذا التراث، وإعمال اجتهاد مناسب لهذا العصر، لأن الاجتهاد القروسطوي هو خلاصة قراءة وفهم وتأويل للنص في زمان مضى، وهو ما يعني ضرورة إعادة النظر في المعرفة المؤسسة للفقه واختبار صلاحيتها وراهنيتها، الأمر الذي يتطلب تنقيحا للتراث بالشكل الذي يجعله قادرا على تجاوز زمانه ومكانه الخاصين، لأن الإطار المعرفي الفقهي هو نتاج لعقل عاش في سياقات تاريخية واجتماعية وثقافية محددة، واستنباته في سياقات مختلفة يقتضي تجديد مناهجه وأساليبه عبر الاستفادة من مناهج وآليات العلوم الإنسانية الحديثة.

لقد كان حريا بردود الفعل الغاضبة التي أعقبت خطبة “أزمة الإسلام” أن تضع كلام ماكرون في سياقه على الأقل، لأننا نعلم جميعا أن الإسلام الراديكالي يمثل تهديدا حقيقيا للديمقراطية والعلمانية في فرنسا وعموم أوروبا، حيث يسعى بعض المسلمين إلى بناء “غيتوهات إسلامية” تتحدى القوانين والتشريعات المعمول بها، وتصنع نظاما موازيا لنظام الدولة هناك. هؤلاء الذين ينعمون في كنف الحريات والحقوق التي تضمنها قوانين الدولة المدنية يتمردون على القوانين نفسها عندما يتعلق الأمر بالواجبات، بل إنهم يهددون استقرار وأمن البلد بسبب تنامي المد الإرهابي الذي يستهدف الأبرياء، وهم بذلك يرسمون صورة قاتمة ودموية عن الدين الإسلامي.

لذلك، لا عجب أن يتحدث ماكرون عن أزمة الإسلام، لأنه ينطلق في حكمه هذا من السلوك المتطرف الذي صنعه “الإسلام السياسي”، وأصبح يقدم نفسه ناطقا باسم المسلمين في فرنسا. ومن المؤكد أن ماكرون يوظف هذا الموقف لتحقيق مكتسبات سياسية من خلال حديثه عن التصدي “للانعزالية الإسلامية”، إلا أن استهدافه للمسلمين دون غيرهم من أتباع الديانات الأخرى قد يكون له ما يبرره انطلاقا من الوقائع والإحصائيات التي تثبت أن أغلب العمليات الإرهابية التي استهدفت فرنسا خلال السنوات الأخيرة كانت من تنفيذ مسلمين.

إن السلوك العدائي والاقصائي باسم الدين يحضر بقوة في كثير من تفاصيل حياتنا اليومية، سواء في الشارع العام أو من خلال منابر بعض المساجد والمنتديات الخاصة والعامة ومنصات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة… فكيف يسمح المسلمون لأنفسهم بتكفير كل المخالفين والتقليل من شأن الديانات الأخرى بينما لا يقبلون من ينتقدهم؟ أليست هذه مفارقة عجيبة تكشف عن أزمة انفصام في العقل الإسلامي؟ ألا تتربص بنا الأزمات من كل جانب: في وجودنا وقيمنا وتفكيرنا واختياراتنا وعلاقاتنا؟

إن من مظاهر الأزمة التي يعيشها المسلمون اليوم، إصرارهم على تقديم الإسلام في جبة دين السلام والمحبة والرحمة، لكنهم في المقابل ينتجون سلوكات أبعد ما تكون عن هذه الصفات والقيم الإنسانية السامية، وهم لا يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن هذا الانفصام، بل يتهمون الآخرين بالتآمر على دينهم، والحال أن أكبر المتآمرين على الإسلام هم المسلمون أنفسهم، وتحديدا أولئك الذين يعيدون إنتاج خطاب الانغلاق والكراهية فكرا وسلوكا وعتادا، ويدعمونه سرا أو علانية تحت أي مسمى من المسميات. ولا فرق في هذا الإطار بين من يصنع الإرهاب أو يموله أو ينفذه، وبين من يسكت عنه أو يبرره.


  •  
  •  
  •  
  •  
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments