زعماء زاوية تادارت في آيت باعمران

  •  
  •  
  •  
  •  

المرحوم أمغار دا حماد الدغرني الزعيم الامازيغي المعارض ولد وترعرع بزاوية تادارت بقبيلة آيت علي بآيت باعمران، حيث كان والده سيدي محمد أوعلي فقيها ومدرسا بمدرستها العتيقة، ومارس مهنة القضاء في المنطقة.

الشهيد عبدالوهاب بلفقيه هو الآخر ترعرع من نفس الزاوية أي تادارت بقبيلة آيت علي بايت باعمران، حيث كان والده سيدي الطاهر بن أحمد نطالب فقيها ومدرسا بمدرستها العتيقة، ومارس هو أيضا مهنة القضاء بالمنطقة.

هل هي صدف تاريخية أن تنجب هذه الزاوية المباركة زعيمان سياسيان قل نظيرهما، وكان لهما شأنا عظيما في حياتهما، زاول كل واحد منهما السياسة بطريقته الخاصة، وبصما على مسارين سياسيين مختلفين. نلفت انتباه الباحثين في الانثروبولوجيا السياسية والتاريخ لتعميق البحث حول ظهور الزعامة السياسية في آيت باعمران خلال التاريخ المعاصر من خلال نماذج.
زاوية تادارت هي فضاء ومزار مقدس صوفي يقع على ضفاف وادي قادم بين شعاب وهضاب جبال آيت علي السلسلة الجبلية الصخرية القادمة من جهة أگني إمغارن في اتجاه تامگرت نواضو في الطريق الرابطة بين امستيتن وأگلميم. هي منطقة منعزلة تماما لا وجود لمساكن ومنازل بقربها، وهي تشبه بالمناطق التي يتخذها المتصوفة امكنة للخلوة والعزلة الصوفية. زرتها عدة مرات مع الراحل داحماد الدغرني حين كان يترحم ويدعو على قبر والده. وكان دائما يدعوني لزيارة قبر يوجد داخل بيت طيني بجانب المدرسة القديمة محادي المقبرة، وهو ضريح لشيخ يدعى سيدي حماد بلفيل، سألت عنه داحماد لكنه لا يعرفه وقال أنه ضريح قديم جدا ربما هو من أسس الزاوية ثم المدرسة.

وفي الحقيقة لم أعثر على ذكر لسيدي حماد بلفيل هذا في المصادر والمراجع والكتب المنقبية التي تتحدث عن المزارات والاولياء والشيوخ، بما فيهم المخطوط الذي كتبه والد داحماد الدغرني يتحدث فيه عن طريقة دخوله تادارت والتدريس بها، وذكر أنها وجدها على شكل خراب ودخل إليها ومكث فيها إلى أن تمكنت القبيلة مرة أخرى من إعادة بنائها وترميمها. وزاوية تادارت كانت تعاني دائما من الخراب وإعادة البناء بفعل موقعها الجغرافي المحادي للوادي. ونفس الشيء وقع لها في فيضانات سنة 2014 حيث ادت السيول الجارفة إلى غرق بعض الطلبة الذين كانوا يتابعون دراستهم بها.

ويمكن أن تكون الزاوية شيدت خلال الفترة مابعد سقوط المرابطون حيث انتشر الفقهاء الموالون لملوك صنهاجة في مراكش في بوادي سوس وايت باعمران بحكم أن الدولة المربطية انتقلت إلى من مراكش بعد الحصار الطويل الذي فرضه الموحدون على عاصمة ملكم هروبا من البطش والانتقام واستقروا في منطقة وادنون وايت باعمران واتخذوا مدينة نول لمطة (أسرير حاليا) عاصمة لهم، وضربوا بها عملة خاصة بهم، توجد واحدة منها في المتحف الوطني بالجزائر العاصمة، وقد انتشر الفقهاء والصلحاء المرابطون في السفوح والجبال تجنبا لحملات الموحدون التطهيرية التي شنوها ضد اتباع دولة لمتونة الصنهاجية، وقد استطاع الموحدون بعد حروب متتالية الدخول إلى نول لمطة وتخريبها والسيطرة عليها. وتحول هؤلاء الفقهاء والصلحاء إلى حركة صوفية مجاهدة تسمى في تاريخ الجنوب المغربي بآيت إعزا ويهدا وتنطق آيت اعزا ويدا وتنتشر مقابرهم في كل مكان بسوس.

ويمكن أيضا أن تكون زاوية تادارت قد تأسست خلال العهد السعدي أي الدولة السعدية خلال القرن السادس عشر الميلادي وما بعده، لأن هذه الدولة صعدت من جزولة وسوس وكان بروزها وصعودها على أكتاف المتصوفة والصلاح وخاصة اتباع الطريقة الجزولية الذين كانوا منتشرون في كل بقاع سوس وايت باعمران، وهي المرحلة التي عرفت فيها هذه الصقاع الجنوبية انفجارا صوفيا كبيرا تزامن مع الغزو البرتغالي للسواحل المغربية. وأغلب الزوايا والمدارس التي لاتزال مستمرة حاليا في سوس وجزولة والصحراء هي من تأسيس صلحاء وفقهاء الذين أسسوا دولة السعديين، وكان هدفهم هو تكوين نخب فكرية وسياسية تشتغل في دواليب الدولة خاصة دواوين السلاطين والقضاء والتدريس. وقد كان من سبب رفض فقهاء فاس إعطاء البيعة لسلاطين السعديين هو أنهم لاحظوا فقهاء وقضاة سوس الذين كانوا تتلمذوا على أيديهم وكانوا من ابناء البادية البعيدة جاءوا على صهوة جياد السلطان يطالبون البيعة لدخول فاس واستكمال حكم المغرب. لذلك اشتغل السوسيون اثناء حكم السعديون على بناء المدارس العتيقة لتكوين العلماء والقضاة والكتاب والفقهاء لأن الدولة لا تبنى فقط بالجيوش والعساكر.

نسرد هذا التاريخ بشكل مقتضب لنبين وظيفة الزاوية والمدرسة العتيقة في تاريخ سوس قديما وحديثا تتجاوز وظيفة التدريس والتعليم العتيق وإنما تقوم بوظائف أخرى وهي تكوين النخب السياسية والفكرية المؤهلة لممارسة السياسة وتدبير شؤون الحكم والدولة، وظهر ذلك بشكل ملموس في بروز مملكة تازروالت حيث نضجت شروط ظهورها بوجود الزاوية السملالية والمدرسة العتيقة التي لعبت دورا محوريا في إنتاج نخب عالمة نهضت للسياسة بعد ضمور دولة السعديين، وكانت فروع جزولة تشتغل لبناء بديل آخر ساهمت فيه الزاوية السملالية بحظ وافر ثم المدرسة.
وهذه سلسلة بدأت في الاشتغال منذ تأسيس زاوية سيدي وگاگ الزعيم الروحي والمؤسس الفعلي لدولة الإمبراطورية الأمازيغية الأولى وهي المرابطون.

لنعود إلى زاوية تادارت بآيت باعمران والتي تدخل ضمن شبكة واسعة ومتشعبة من الزوايا والمدارس العتيقة في سوس، التي لعبت دورا كبيرا في إنتاج زعماء سياسيون حقيقيون، نادرا ما تجود بهم المنطقة.

فالدغرني وبلفقيه هم أبناء فقهاء وقضاة زالوا التدريس في زاوية تادارت… وانجبوا بروفيلات سياسية كان لها شأن كبير في عالم السياسة والنقاش العام بالمغرب جهويا ووطنيا، مسار داحماد الدغرني يختلف عن مسار عبدالوهاب بلفقيه، الأول اشتغل خارج البنية المخزنية كزعيم ومثقف معارض، بصم على مسار نضالي مميز وحافل بالتضحيات والإنتاج الفكري والسياسي وساهم في النقاش العمومي طيلة حياته، أسس حزبا سياسيا تم منعه وحله من طرف الدولة، والثاني اشتغل داخل بنية النظام والمؤسسات التمثيلية جهويا ووطنيا، وبصم هو الآخر على مسار سياسي ناجح وعاش كزعيم فريد من نوعه كانت له شعبية كبيرة وأحبه الناس وأحبهم. وبالرغم من هذا الاختلاف في مسارات الرجلين إلا أنهما خرجا من زاوية تادارت من آيت باعمران. وهما من أسر علمية وفقهية صوفية مارست التدريس والقضاء..

وجدير بالذكر أن أسرة الدغرني وأسرة بلفقيه تربطهما علاقة قرابة ومصاهرة وصداقة متينة…

وقبل الختام، أود أن أشير إلى أن الزعيم عبدالوهاب بلفقيه في حديث سابق معه حول زاوية تادارت، صرح لي أنه ترافع على مشروع كبير وضخم لبناء الزاوية والمدرسة العتيقة ومساكن الطلبة وبيت الفقيه والمرافق الصحية بموقع مرتفع عن الوادي لحماية المدرسة من خطر الفيضانات… ولا اعرف مصير ذلك المشروع حاليا.

كنت محظوظا جدا أن جاورت الزعيمان معا في مرحلة من مراحل حياتهما واستفدت من تجاربهما كثيرا.

رحم الله الجميع…


  •  
  •  
  •  
  •  
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments