الأحد 11 أكتوبر 2026ⴰⵙⴰⵎⴰⵙ 11 ⴽⵟⵓⴱⵕ 2026
أخبارتاريخ الأمازيغ

واد بهت.. أقدم تحصينات ترابية دفاعية في إفريقيا خارج وادي النيل

سبعة عشر تحليلاً بالكربون المشع كانت كافية لإنهاء نقاش امتد نحو قرن حول طبيعة السلاسل الحجرية البارزة على الحافة الجنوبية لموقع “واد بهت” بإقليم الخميسات، شمال غرب المغرب. فقد أثبت فريق دولي من علماء الآثار أن تحت هذا البناء الحجري خندقاً وسوراً ترابياً دفاعيين يعودان إلى ما بين 3500 و4000 سنة، وهو ما يجعلهما أقدم منشأة ترابية دفاعية واسعة النطاق موثّقة إلى اليوم في شمال إفريقيا خارج حوض النيل.

وجاءت هذه المعطيات في بلاغ مشترك بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (INSAP)، والمجلس الوطني للبحوث بإيطاليا (CNR)، وجامعة كامبريدج، فيما نُشرت نتائج الموسم الميداني الثالث (2023) لـ”مشروع واد بهت الأثري” (OBAP) في مجلة Libyan Studies العلمية.

وكان السؤال معلقاً منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حين زار عالم الآثار الفرنسي Armand Ruhlmann الموقع وفسّر تلك السلاسل الحجرية، على سبيل الاحتياط، بأنها نتوء صخري محصن (éperon barré)، دون أن يحدد تاريخها أو طبيعتها. وفي أطروحته للدكتوراه (1986-1991)، وبعد دراسة الفؤوس الحجرية المصقولة المستخرجة من الموقع، نسب الأستاذ يوسف بوكبوط هذه التحصينات إلى عصور المعادن، من دون أن يقطع بانتمائها إلى العصر النحاسي أو البرونزي.

واد بهت.. أقدم تحصينات ترابية دفاعية في إفريقيا خارج وادي النيل

وقد سمح التنقيب الدقيق في جزء من المنشأة التي أطلق عليها الفريق اسم “الجدار B1″، مقترناً بسلسلة التأريخات الجديدة، بترتيب مراحل البناء. فتحت المصاطب الحجرية الظاهرة برزت بقايا مرحلة أقدم شُيّدت بالطين واللبن، يرجعها التأريخ بالكربون المشع إلى بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد، ويرتبط بها خندق عميق وسور ترابي حُفر ورُفع بين أوائل تلك الألفية ومنتصفها.

أما السور الحجري الضخم القائم إلى اليوم فلاحق لها بكثير: أُقيم فوق القاعدة الترابية خلال العصور الوسطى، ضمن عملية إعادة بناء وتدعيم شاملة عرفها الموقع بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين. وتتكامل العناصر الثلاثة — الخندق والسور الترابي والجدار الحجري — في إغلاق الممر الجنوبي الشاهق والمحصن طبيعياً بين النهر والوادي الجانبي الصغير.

ويلاحظ المؤلفون الرئيسيون للدراسة، وهم علماء آثار مغاربة وإنجليز وإيطاليون، أن الموقع ظل نحو قرن محتفظاً بأسراره رغم وضوحه للعيان، وأن نتائج التأريخ لا تترك مجالاً للتأويل: فمجتمعات غرب شمال إفريقيا كانت تنظم أشغالاً ترابية جماعية على نطاق “لم يسبق توثيقه إطلاقاً”، بما يجعلها فصلاً أساسياً في تاريخ المتوسط القديم لا تفصيلاً هامشياً فيه.

وليست هذه أول مرة يستقطب فيها الموقع اهتمام الأوساط العلمية الدولية. ففي 2022، كشف الفريق عن امتداد أثري يغطي ما بين 9 و10 هكتارات، يرجع إلى أواخر الألفية الرابعة وبداية الألفية الثالثة قبل الميلاد، ويحيل على مجموعة بشرية من أواخر العصر الحجري الحديث جمعت بين زراعة الشعير والقمح والبقوليات وتربية الماشية، وأنتجت الفؤوس الحجرية المصقولة والأواني الفخارية المزخرفة على نطاق لم يكن مألوفاً في المنطقة آنذاك — وهو ما قرأه الباحثون مؤشراً على مجتمع منظم تربطه صلات عابرة للبحر بجنوب شبه الجزيرة الإيبيرية.

وتفيد ضخامة الهيكل الدفاعي — خندق مقتطع عبر المرتفع وسور ترابي ممتد على طول الحافة الجنوبية — بوجود تخطيط منظم وعمل جماعي متواصل، أي بمجتمع يبلغ درجة عالية من التنظيم. وسواء كان الغرض حماية الموقع أو التحكم في حركة المرور أو تجسيد السلطة، يرى الباحثون في ذلك تحولاً في استراتيجية الاستيطان: فبعد تركّز النشاط خلال العصر الحجري الحديث في الجزء الشمالي المكشوف، انتقل الثقل مع الألفية الثانية قبل الميلاد نحو الشريط الجنوبي الضيق الأسهل دفاعاً.

ولم يكن هذا التوقيت معزولاً عن محيطه؛ ففي الضفة المقابلة من البحر الأبيض المتوسط، بجنوب إيبيريا، كانت “الحضارة الأرغارية” (Argaric) تتشكل بمستوطناتها المحصنة وصناعتها المعدنية وتراتبيتها الاجتماعية. ومن هنا يخلص مديرو برنامج واد بهت إلى أن شمال إفريقيا لم يكن يوماً هامشاً معزولاً عن محيطه المتوسطي، وأن مجتمعاته كانت في صلب ديناميات التفاعل والتنافس والتغير الاجتماعي التي شكّلت إيبيريا ووسط المتوسط خلال العصر البرونزي.

ويقول يوسف بوكبوط، مدير المشروع ومؤسسه منذ 2005، إن هذه النتائج كانت متوقعة لديه منذ البداية، وإن الأمر لم يكن سوى “مسألة وقت”، مضيفاً أن الموقع “لا نظير له في إفريقيا”.

واد بهت.. أقدم تحصينات ترابية دفاعية في إفريقيا خارج وادي النيل

ولم يتوقف تاريخ المرتفع عند العصر البرونزي. فإلى جانب تدعيم السور الترابي القديم بالجدار الحجري، أقيمت قرية أو مزرعة صغيرة على تل مجاور، وبينهما مقبرة لم تكن معروفة من قبل. وقد أكدت أسبار أثرية في أقصى شمال الموقع — أُنجزت استجابة لإفادات الساكنة عن ظهور رفات بشرية خلال أشغال بناء حديثة — وجود مدافن يعود أحدها، وفق التأريخ بالكربون المشع، إلى القرن الثالث عشر الميلادي. وتفتح هذه المعطيات نافذة نادرة على المجتمعات القروية بالمغرب في العصر الوسيط، وهي مجتمعات تظل شواهدها المادية شحيحة، ما يستدعي استكمال الأبحاث لتحديد الامتداد الكامل للمقبرة.

وفي نقطة أخرى من الموقع، أسفر تنقيب في طبقات ترجع إلى أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد عن فؤوس حجرية مصقولة مستخرجة من طبقات غير مضطربة — وهي أول مرة يتحقق فيها ذلك عبر تنقيب علمي مراقب لا عبر التقاط سطحي — إلى جانب أكثر من 1900 قطعة فخارية في مساحة لا تتجاوز 25 متراً مربعاً.

وبتراكم هذه المعطيات، لم يعد “واد بهت” موقعاً لحقبة واحدة، بل مشهداً أثرياً متكاملاً تعاقبت عليه المجتمعات على امتداد خمسة آلاف سنة: من المزارعين الأوائل، إلى بُناة العصر البرونزي، وصولاً إلى سكان القرى في العصر الوسيط. ويقول المشرفون على المشروع إن كل موسم يكشف “عمقاً جديداً” لهذه المنطقة، وإن إدراك مركزية هذا الشريط الجبلي في التاريخ العميق للمنطقة وعلاقاتها العابرة للمتوسط ما يزال في بدايته.

يُذكر أن الأبحاث الميدانية ينظمها “مشروع واد بهت الأثري” تحت إشراف المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، بشراكة مع المجلس الوطني للبحوث بإيطاليا وجامعة كامبريدج، وبدعم من مؤسسات علمية دولية، وبتنسيق وثيق مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل والسلطات والمجتمعات المحلية. وقد نُشرت الدراسة بتاريخ 7 شتنبر 2026 في مجلة Libyan Studies الصادرة عن المعهد البريطاني للدراسات الليبية والشمال إفريقية بالتعاون مع Cambridge University Press، تحت عنوان “Expanding Oued Beht: Final Neolithic, Bronze Age, medieval and later discoveries from excavation and survey in 2023″، لمؤلفيها يوسف بوكبوط وجوليو لوكاريني وطوبي ويلكينسون وفريقهم.

المصدر: العالم الأمازيغي

النسخة الفرنسية | النسخة الإنجليزية

0 تعليقات