افتتاح متحف الثقافة اليهودية بفاس فضاء لحفظ التراث اليهودي المغربي
يعيد افتتاح متحف الثقافة اليهودية المغربية بحي الملاح التاريخي في مدينة فاس، يوم الاثنين، النقاش حول آليات الحفاظ على الذاكرة الجماعية والتعددية الثقافية التي ميزت تاريخ المغرب. ويأتي هذا الفضاء المتحفي، الذي شيد على وعاء عقاري قدمته الطائفة اليهودية، ليشكل محاولة لملء الفراغ في التوثيق المؤسساتي للمكونات الثقافية غير العربية في النسيج الوطني، وضمنها المكون العبري الذي أقر الدستور بمكانته في الهوية الوطنية.
يمتد المتحف على مساحة إجمالية تتجاوز 1700 متر مربع، خصصت منها 1200 متر مربع للعرض الدائم، حيث تعكس هندسته المعمارية تقنيات الزليج والجبس والنجارة التقليدية. وتتوزع المعروضات على طابقين، مقدمة لوحة زمنية تمتد لأكثر من 2500 عام من الوجود اليهودي في شمال إفريقيا، مع التركيز على محطات مفصلية مثل تأسيس ملاح فاس سنة 1438 ووفود المطرودين من الأندلس سنة 1492، وهو ما يضع السياسات الثقافية الراهنة أمام تحدي استحضار هذا العمق التاريخي بعيدا عن القراءات الأحادية.
تتوزع مسارات العرض بين الجوانب الدينية والمؤسساتية والحياة اليومية، حيث يضم المتحف مخطوطات وكتبا نادرة ولفائف للتوراة، إلى جانب أدوات تجسد ممارسات المحاكم الحاخامية والمدارس العبرية. كما يسلط الضوء على الحرف التقليدية عبر إعادة تشكيل ورشة لصياغة المجوهرات، وعرض قطع من الحلي والمنسوجات والآلات الموسيقية، مما يبرز التداخل الوظيفي والتقني بين مختلف مكونات المجتمع المغربي، ويطرح تساؤلات حول مدى استيعاب السياسات التعليمية والإعلامية لهذه الخصوصيات الثقافية في ظل هيمنة التوجهات التعريبية.
هذا المشروع، الذي أعلن عنه في أبريل 2019، أنجز بمشاركة الطائفة اليهودية المغربية وبإشراف من المؤسسة الوطنية للمتاحف. ويهدف القائمون عليه إلى إبراز التفاعل بين المكونين اليهودي والمسلم، في وقت يراقب فيه المهتمون بالشأن الثقافي مدى قدرة هذه المبادرات المؤسساتية على التحول إلى سياسة بنيوية تعترف بالهوية التعددية للمغرب، وتضمن الحقوق الثقافية واللغوية لكافة مكوناته التاريخية بعيدا عن المقاربات الفولكلورية العابرة.
وفي السياق ذاته، تحتاج الثقافة الأمازيغية، بوصفها المكون الأصيل والأقدم في الهوية المغربية، إلى مبادرات مماثلة تحفظ ذاكرتها وتوثق تراثها المادي واللامادي، وتصحح الضرر الذي لحق بها جراء عقود من التعريب والإقصاء الممنهج من المؤسسات التعليمية والإعلامية والفضاء العمومي. فإذا كان الاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة رسمية سنة 2011 قد شكل منعطفا مهما، فإن ترجمته إلى متاحف ومراكز توثيق وبرامج لصون الموروث الأمازيغي ما زالت دون مستوى الانتظارات، ولا يزال هذا المكون ينتظر من السياسات الثقافية العمومية إنصافا فعليا يتجاوز الخطاب الرمزي والمقاربات الموسمية.
النسخة الفرنسية | النسخة الإنجليزية




