ثقافة أمازيغيةكتاب وآراء

الحسين الباز: موهبة متكاملة بامتياز


ازداد الحسين الباز سنة 1957 في دوار جنان آيت الباز بجماعة إرحالن بكونفيدرالية إنتوگا، المعروفة ب متوگة بناحية إمي ن تانوت. ولج الحسين الباز عالم فنون تيرويسا في ريعان شبابه وهو لم يبرح بعد السادسة عشر من عمره. فقبيلة إنتوگا هي تجمع أمازيغي له تاريخ قديم وعريق، للأسف؛ لا تساعدنا المصادر التاريخية كثيرا على استجلاء بداياته وتحركاته التاريخية في المجال الذي يستقر به حاليا، وقد قرأنا في المصادر الوسيطية خاصة عند البيدق بعضا من الشذرات السريعة حين ذكر كلمة أتيگي، وبعض المعلومات عند “حسن الوزان” في حديثه عن المنطقة أثناء مروره بها خلال القرن 16م وبالضبط خلال سنة 1514، بالرغم من أنه ضمها إلى منطقة إيحاحان، ولكن اشاراته تظل قيمة جدا حول مدينة “تادنيست” وما حصل لها من خراب ثم اندراس هي وجارتها تاسگدلت، وهذا يدل على أن موقع انتوگا كان يتعرض دائما لحتمية تاريخية تتجلى في ثنائية العمران والخراب، وهي حتمية انتقلت من الجغرافيا إلى التاريخ، تذهب ضحيتها الشعوب الامازيغية التي تستقر على أقدام السلاسل الجبلية وعلى سفوحها المطلة على الهبط، كما هو حال موقع انتوگا في علاقتها مع هبط شيشاون/ شيشاوة الفسيح الذي يتعرض لتحولات سوسيو- مجالية جارفة ومتسارعة، بسبب قربها من مراكش كعاصمة سلطانية في تاريخ المغرب، وباعتبارها ممرا اجباريا يربط سوس والأطلس الكبير مع مراكش ومناطق الشمال، ثم باعتباره برجا لمراقبة الخط التجاري المحوري والهام أغمات- گوز ثم في في المرحلة الثانية مراكش – تاصورت/ الصويرة، بمعنى أن المنطقة لها دور استراتيجي في التجارة والحرب والنزوح والانزال الذي يختاره المخزن لمحلاته في اتجاه الجنوب. وذلك ما نستشفه من حديث صاحب وصف افريقيا عن تجارة تادنيست وتاسكدلت والرخاء الاقتصادي الذي كان بالمنطقة، خاصة في وجود دور لسكة النقود الفضية بهذه المدن وعدم وجود أي نوع من الضرائب والايثاوات.

انتوگا هو تحالف سياسي واجتماعي مصمودي خالص، مع استحضار حصول تداخل وامتزاج بين البطون الامازيغية الكبرى، سواء تعلق الامر باحتكاك إيزناگن بهم في مرحلة صعود صنهاجة من الصحراء في بداية الزمن المرابطي، وهذا لا يعني أنني أتبنى ما يقال في المزج بين اسم قبيلة لمتونة مع جزء من قبيلة مصمودية كانت تسمى إينگا، لتعطي لنا اسم لمتونگا ثم صارت بالتداول اللسني امتوگة، وهذا ما يتطلب بحثا تاريخيا ولسانيا دقيقا. وتوجد إمكانية حصول تمازج وتداخل أثناء الصدام التاريخي العنيف بين المصامدة في أواخر عهدهم مع زناتة بني مرين، وقد عرفت منطقة إمي ن تانوت استقرارا للمرينين الذين خلفوا بعض القصبات والقلاع لصد هجومات مصامدة الموحدين الذين احتموا بقمم درن. كما يتجلى ذلك في بعض الأسماء الاماكنية بصيغ زناتية بالمنطقة. كما أن إنتوگا تجاورها اتحاديات وأحلاف مصمودية قوية لها من الشوكة والشهامة أيضا ما لقبائل مصمودية أخرى، ككونفيدرالية أفيفن وايحاحان وإلبنسيرن وكلها تحالفات ذات وزن تاريخي وسياسي عظيم، أرخت بظلالها الوفيرة والسخية في الحياة الفنية والابداعية في تاريخ فنون الامازيغ بشكل عام.

وقد تفاعل كل هذا التاريخ الممزوج بالحروب والدفاع وبناء الدول وانهيارها في حياة الناس والمجتمع وأفرز لنا بنيات ثقافية قائمة تعبر عن هذه الدينامية التاريخية ذات الطابع المحلي ولها امتداد مجالي نحو مراكش ثم نحو جنوب أطلس درن بسوس والصحراء، وهو تفاعل حضاري يتمظهر على صيغ أنساق ثقافية ومنظومات برع فيها أهل الجبل لكتابة تاريخهم الخاص عن طريق انتاج أشكال التعبير الجماعي تحكى يوميا على شكل طقوس في غاية البناء والتمكين، إنها طقوس أحوايش في مختلف أنواعها، على رأسها رقصة تاسكيوين التي تنتشر لدى سكان قمم الأطلس التي تمثل جزءا من تلك المشاهد التاريخية باعتبارها رقصة حرب، وكذلك أحواش ن أسگا الذي تشارك فيه النساء وعواد انتوگا وأحواش امي ن تانوت وغيرها من ضروب إحواشن التي تختلف من مسارح أسايس إلى آخر بكل مناطق أطلس درن وسفوحه.

الحسين الباز تأثر بكل هذه الممرات الثقافية الفنية التي يمارسها المجتمع بشكل مفتوح، على خطوات أقرانه في هذه المنطقة الفريدة، الذين تلمسوا عتبات إسوياس وحلقات الروايس في الأعراس والاحتفالات، وهم أطفال صغار، ففي غياب المدارس والمؤسسات التعليمية في مثل هذه المناطق المهمشة التي لم تعط لها الدولة أي اهتمام ولا عناية بعيد الاستقلال. نهض المجتمع بنفسه وخلق مدارسه الخاصة بحرية مطلقة التي هي شرط الابداع، خارج بيروقراطية السلطة وتوجيهات الإدارة.

من هذه المدارس الفنية الراقية التي تأسست من وحي المجتمع الامازيغي المفتوح، ومن تجارب الحيوات القاسية المتدحرجة بين تضاريس المعاناة والمجروحة بسفوح الألم الباطني والتي وشمت أنهار حادة الجريان في نزيف الذاكرة الجماعية لأمازيغ الأطلس الكبير، من هذه الفضاءات الامازيغية ذات النبوغ العريق والحضارة المتماسكة والمتراكمة، انفجرت يانبيع الابداع الحارة من حناجر شعراء تصدح بكلام من ذهب، لكنه كلام مرصع بالرصاص نافذ وخلاق، شِعْرٌ مزعزع للقيود كاسر للأغلال، من تلك التربة الغنية خرج الرايس عمر واهروش، والرايس بريك المتوگي، والرايس عبدالله بن دريس المزوضي، والرايس محمد أوتولوكولت، وبالقرب منهم بزغ نجم سلطان تيرويسا الفنان الأسطورة محمد ألبنسير، وفي السفوح الجنوبية لأطلس درن، تسلق فنان آخر سماء النجومية وتربع على عروشها وهو الفنان أحمد أمنتاگ الذي ساهم في فتح آفاق الابداع الفني لمجموعة من مدارس تيرويسا ما بعد عقد الستينيات من القرن الماضي، دون أن ننسى دور الرايس الفنان المجدد محمد أموراك الذي تأثر به محمد ألبنسير كثيرا والباز وكذلك، وكل الفنانين الذين تألقوا في تلك الفترة كالفنان محمد بونصير وعمر إجيوي، والرايس سعيد أشتوك، والرايس أحمد إمسگين وغيرهم من العمالقة الذين وجدهم الفنان الحسين الباز في الساحة الفنية كأسماء مرموقة، ونشأ بصحبة البعض منهم وتقاسم معهم مرحلة البدايات الصعبة والعسيرة التي تصاحب مخاض ولادة كل فنان شاب يطمح غرس بذور تجربته الشخصية الخاصة به ويضع لبنات أولى لصناعة اسمه بين أسماء فنانين كبار. وموضوع البدايات لهؤلاء الفنانين العمالقة الذين ظهروا كلهم من البوادي والقرى المنسية بعد الاستقلال يستحق المزيد من البحث والدراسة من مختلف حقول العلوم الانسانية من تاريخ وعلم النفس التاريخي والسوسيولوجية القروية والانثروبولوجيا الثقافية.

طفولة الحسين الباز كُتبت مثل كل أطفال البوادي الامازيغية بمداد من القساوة والحرمان التام من الولوجيات للخدمات الاجتماعية والتربوية والترفيهية، ولاتزال تلك البوادي على حالها المأزوم إلى اليوم. ولم يجد الباز الصغير إلا باب مسجد الدوار لتتلمذ أبجديات الكتابة وحفظ القرآن، آنذاك بزغت ميولات الباز للتحليق بعيدا، فكلما كان الأطفال يكتبون على اللوح ما تعلموه من حروف، كان ينهمك هو في رسم آلة لوتار، حينها علم وعلم من كان معه أن الطفل الصغير سقط في عشق الآلة ومتيم بأهازيجها ورنينها. هكذا تعلق الوجد الموسيقي في بدايات الحسين الباز من خلال جولات بيلموان وامعشار في الدوار، ثم تعلم آلة الناي بسرعة وأصبح أحد متقنيها في المنطقة، وقد شجعه في هذا الانخراط المبكر لعالم الموسيقى وجود ثلة من الفنانين بجواره، من بينهم الرايس “أعراب أتيگي” الذي تعلم منه “الحسين الباز” العزف على آلة الرباب والرايس الحسن بوميا وكذلك الرايس اوتولوكولت وآخرون من أبناء قبيلته إنتوگا.

وقد اختار الحسين الباز الشاب ولوج عالم تيرويسا من باب مجموعة الرايس “محمد اوتولوكولت” خلال عقد السبعينيات وتعلم فيها أساسيات تيرويسا من خلال التدريب على الآلات ونحت الكلمات وصقل الالحان وطريقة النظم والأداء والعرض والالقاء، كان شابا تفور منه حماسة التلقي وشغف الممارسة الفنية، في محيط تعتبر فيه الفنون أرقى آليات التعبير وفرض الذات داخل مجتمع يشتغل باستمرار على ايقاعات الشعر ودورات الرقص الجماعي، ويتنفس منظومة ثقافية متخمة بأشكال متعددة من الرموز والطقوس في غاية الحبك والغموض لا يتم فهمها وفك طلاسمها إلا بتشفير العلاقات البينية الصامتة داخل المجتمع، بين الذكور والاناث في اطار علاقات الزواج وعلاقات الحب، وروابط القرابة العائلية وعلاقتها بالولاء لرموز السلطة وأساليب القهر والحرمان السياسي والعاطفي.

وبعد تمرسه لسنوات قليلة مع مجموعة الرايس “محمد أوتولوكولت” قرر الشاب الحسين الباز أخذ زمام المغامرة بيده والخروج إلى الساحة الفنية/ أباراز، وبدأ تجواله الفني من قريته إلى امي نتانوت التي التقى فيها مرة أخرى بالفنان أعراب أتيگي، ثم انتقل إلى مراكش حيث كان يشتغل في فندق وخلال الفترة المسائية يلتقي مع فنانين آخرين في ساحة جامع الفناء، منهم “الرايس بوالمسايل” و”الرايس بلمودن”، ويشارك معهم في إحياء السهرات المفتوحة على الهواء الطلق في اطار ما يعرف بفنون الحلقة، حيث تمرس أكثر العزف على مختلف الآلات كالرباب والناقوس وغيرها، وفي ساحة جامع الفناء جرب الباز أجنحته واكتشف أنه فعلا يستطيع أن يحلق بها بعيدا في سماء الفن والنجموية.

من مراكش ارتحل إلى البيضاء وحطت أحلام الباز الشاب وسط العاصمة الاقتصادية، وعزم على دخول مغامرة التسجيل واقتحام الميدان الفني الذي يحتكره فنانون كبار لا يشق لهم غبار. كان ذلك في سنة 1979، تحدث الحسين الباز مع ثلة من الروايس وكشف لهم عن نيته لخوض مغامرة البروز باسمه الشخصي كفنان اسمه “الحسين الباز” (لم يختر لقبا فنيا وانما الحسين الباز هو اسمه الحقيقي)، الفنانون الذين كشف لهم الباز رغبته في تسجيل ألبومه الأول، لم يروا في ذلك جدية من شاب لا يملك إلا الرغبة وعشق التحدي يحتاج إلى مد يد المساعدة والمواكبة، بقدر ما تبدى لهم أن الشاب لا يعدو أن يكون مثل أقرانه في البادية الذين يعيشون مراحل التيه الشبابي. ويا ليتهم علموا أنهم يتحدثون مع شاب سيكون له شأن عظيم في ميدان تيرويسا. وبعد ذلك اتصل بفنان آخر ودله على شركة تسجيل وسجل أول ألبوم له بإمكانية بسيطة في مدينة الدارالبيضاء وكان الشريط بعنوان قصيدة “أنزور أنيلي العقل” في شهر مارس 1979. وفي تلك المرحلة كان الرايس الحاج أعراب أتيگي أيضا في مدينة الدارالبيضاء وشارك معه في تسجيل بعض القصائد في الشريط بالعزف على الرباب.

هكذا تعرف الجمهور الامازيغي لأول مرة على صوت الباز الجميل، ولم يكن الأمر سهل أمام الفنان الشاب لجذب ذوق واعجاب الجمهور خاصة بوجود فنانين مرموقين مثل الرايس محمد البنسير، وكذلك بوجود فنان آخر ظهر خلال السبعينيات واعتبر آنذاك الفنان الظاهرة الذي خلق رجة كبيرة في الاوساط الفنية خلال تلك الفترة، وهو الفنان الرايس الطيب الذكر حماد بيزماون. وهو الفنان الذي تأثر به الباز كثيرا.

فلم يكن أمام الحسين الباز أي خيار من أجل البقاء والارتقاء في وسط فني تشتد فيه المنافسة، إلا الابداع والموهبة والاجتهاد، وإنما أيضا العمل على التجديد وصياغة نمط موسيقي داخل تيرويسا خاص بالحسين الباز. وبالفعل استطاع الفنان الحسين الباز طيلة الثمانينات مبارزة عمالقة وأساطير تيورويسا على رأسهم الفنان محمد ألبنسير الذي اشتغل معه في بعض الاعمال الفنية وفي بعض الأعراس. وقد نجح في كسب الرهان وفرض أسلوبه الخاص ومدرسته الفنية، كما كسب قلوب عدد كبير من الجمهور وجعل لأسمه مكانا مميزا داخل الوسط الفني، مع توالي الحضور والإنتاج ازدادت شهرة الباز وانتشرت في الآفاق.

قوة الحسين الباز وفرادته تكمن في مرونة ألحانه الممتعة والصقيلة، وكذلك في إيقاعاته الحماسية المفعمة بالروح والوجد والتعلق، كل هذه الأشياء تتلائم مع صوته الشجي العذب والجذاب. يملك حنجرة ذهبية مميزة، لا يتصنع الالقاء وإنما ينخرط في عملية إبداعية تتكامل فيها قدراته الفنية مع الألحان والايقاعات. ينتقي أشعاره بعناية فائقة اختار منذ البداية شعر الحب والطبيعة والأخلاق الفضلى والقيم الامازيغية، سماه الباحث “ماحا الحنفي” الذي جمع قصائده في ديوان، بشاعر الجَمال. الحسين الباز غزير الإنتاج والنظم، قام في مسيرته الفنية منذ سنة 1979 إلى الآن بتسجيل ما يناهز 70 شريطا موسيقيا، ما يقارب حوالي 500 أغنية. فهذا سجل حافل وغني وزاهر. الكثير من هذه الأغاني وشمت في ذاكرة الأجيال منذ الثمانينات من القرن الماضي، مثل ” وانا يران الزين اسوق انوگار إ يمي ن تانوت” “تاسا نو أتاسا ياگوگ أوكان أغراس” أسيدي المال أسيدي ريال “أيمي اينو أتاسا مادريغ الحوب”….

الفنان الباز اجتمع فيه ما تفرق في غيره، فهو عازف ماهر، يثقن العزف على العديد من الآلات، هو أيضا ملحن ثم ناظم الكلمات بمعنى شاعر يكتب كلماته بنفسه ثم مغني يقوم بالإلقاء، وهذه صفات مشروطة وضرورية في شخصية الفنان، وهذا ما يجعل منه فنانا متكاملا، بالموهبة والخبرة.

للأسف الشديد الفنان الحسين الباز اليوم يعيش نفس المصير الذي عاش فيه عمالقة الفن الأمازيغي بالمغرب، الراحلون منهم والباقون على قيد الحياة من معاناة ونكران، فهم جميعا يعانون نفس الألم الذي تعاني منه اللغة الامازيغية وثقافتها باعتبارها لغة الهامش والمهمشين، لغة تمارس عليها كل أشكال الغلبة والهيمنة الثقافية، وعنف رمزي مؤسساتي تمارسه الدولة بسبب التزام أيديولوجي يجعل من ما هو امازيغي من ابداع وفنون وأشكال التعبير وتراث مادي وغير مادي يواجه شبح الضياع والمصير المجهول. ففنان مثل الحسين الباز يستحق كل الاحترام والعناية وتقدير خاص، عناية مادية ومعنوية من قبل الدولة والمؤسسات الوصية على قطاع الثقافة والفنون. فهو هرم فني كبير بمثابة كنز وطني يجب على المغاربة جميعا أن يفتخروا به.

في انتظار انصاف حقيقي للحسين الباز نتمنى له العمر المديد ووافر الصحة والعافية، طريق إنصاف الامازيغية طويل وشاق ولكنه قادرون لمواصلة المسير…


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments
Back to top button
Close