الماضي كمحرك للتقدم

  • 326
    Shares

نحتاج الى الماضي لنفهم حاضرنا اليوم ولنكون في المستقبل.

نحتاج اليه اكثر من اي شخص اخر. ان الامازيغي بدون ماضي لن يكون امازيغيا. وهو من دون الماضي سيكون الة في مصنع الالات الخدومة لاحلام غيرها.

لهذا ستسمعون استهجانا للماضي من طرف مدعي الثقافة الانسانية. سيقدمون تبريرات مثل:
– العالم وصل الى القمر وانتم لا زلتم تتحدثون عن الماضي!!!!.

– العالم يتجه الى هوية كونية وانتم لازلتم تتبنون مفهوما ضيقا للهوية..الهوية تغيرت…صارت هوية عالمية!!!!.
هذه الكلمات تتردد في مواقف كثيرة بنفس المعنى وباكثر من اسلوب.

صحيح ان العالم وصل الى القمر ويسعى للوصول الى المريخ…وما علاقة ذلك بروابط الانسان مع تاريخه!!!….صاحب مثل هذا الكلام ان كان متحرقا الى التطور في علم الفضاء فمكانه ليس هنا في التكلم عن الشعوب وتاريخها..مكانك ايها المتحذلق في وكالة الناسا الفضائية…اصنع مجدا في الكون الخارجي ..في القمر وزحل…واكتشف لنا اسرار الثقوب السوداء..واصنع مركبة فضائية تسبح بين الكواكب واترك الارض لمتخصصيها.

اما العالم يتجه الى هوية انسانية كونية، فمعلومة خاطئة، فالشعوب قاومت العولمة التي سعت الى تجريد الشعوب من خصائصها ولم تعد للعولمة بمفهومها المذوب للثقافات المتعددة وجود. الحقيقة ان هؤلاء كانوا دوما يحملون شعار الهوية الكونية للتبخيس من الهويات المحلية. هذه هي الحقيقة الواضحة بين الاسطر .

الشعوب التي تحترم نفسها تعتز بماضيها، والتي لا ماضي لها تبخس طبعا من شان الشعوب التي لها ماضي. وهي تتمنى في قرارة نفسها ان تستولي على ماضي تلك الشعوب ولو جزء منه، حتى تنضم للامم العريقة المنتجة لثقافاتها المادية واللامادية.

يقول احدهم ساخرا: انتم لازلتم تتحدثون عن عقبة وقد شبع المسكين موتا منذ القرن السابع!!!.

لقد شبع موتا عند من لا يشعرون ولا يرون احلام عقبة الساكنة في سياسات المغرب المعاصر منذ عهد الحركة الوطنية الى اليوم. لهذا تصورهم لموت عقبة تصور بيولوجي، بينما تصوره عندنا تصور ايديولوجي.

لهذا حينما نستحضر تاريخ عقبة فلكي نفهم حاضرنا اليوم…حاضر مرتبط بما حصل في الماضي..حاضر يستدعي ارواح الماضي بقوة. ولقد راينا كيف استدعت الحركة الوطنية روح عقبة في خطابات زعيم هذه الحركة الذي استدعى روح اجداده الامويين معاتبا اياهم انهم لم يكملوا مهمتهم في هذا البلد..وهو يسعى لتحقيق ما فشلوا فيه!!!..قال في 1965: «قضية العربية في المغرب قضية مزمنة والحق يقال، فهي ليست بنت اليوم ولا ناشئة فقط عن أثر الاستعمار في وطننا، ولكنها في الأصل ناشئة عن تقصير أجدادنا العرب في إكمال مهمة التعريب في المغرب». «قلت إن مشكلة العربية في بلادنا مزمنة، وأعنى بذلك أن التعريب الذي بدأه أجدادنا لم يتم في هذا الوطن. فما يزال قسم من جبال المغرب لا يتكلم العربية ولا يتقن الكلام بها. وهذا على عكس ما انتهى إليه الأمر في كل من تونس وليبيا والبلاد المشرقية»1. هذه الكلمة تقوض كل الادعاءات بان التعريب انما كان ضد الفرنسية!!.

نرى هنا كيف تم استحضار هذا الماضي بقوة من الحركة الوطنية…وكيف شكلت تلك القراءة للماضي مغرب اليوم، ذاك الماضي كما راه منظر الحركة الوطنية من وجهته الاموية.

الماضي مهم للشعوب الاصيلة، معرفته واستقراؤه واستنباط حكمه وقواعد وتصور وكل ما يجعلنا في الطريق الواعي للبناء الذاتي.

اليابانيون شعب مقدس لماضيه، انه في غالبه شعب بلا دين…ومع ذلك هو متفوق بشكل كبير. الدارسون وجدوا سر هذا التفوق رغم عدم ايمانه بالدين. وجدوا ان هناك شىء مقدس جدا لدى اليابانيين، وهو يحرك كل احلامهم واعمالهم وحياتهم..هذا الشىء عميق جدا في المجتمع الياباني، انه تقديس الاسلاف.

فقط، هذا هو سر التميز والتطور لدى اليابانيين، الياباني يقدم كل شىء بكفاءة وباخلاق عالية لانه يظن ان اجداده ينظرون اليه…وانه وريث ارواح قديمة لا يمكنه ان يسبب العار لنفسه ولهم. هل يجرؤ احد ان يقول لليابانيين انكم مضحكون…العالم وصل الى القمر وانتم تعبدون اجدادكم!.

لا يجرؤ احد لان عينه ترى ان ذاك الماضي هو محرك متجذر جدا في الشعب الياباني…واليابانيون معتزون بذلك لدرجة انهم لا يتركوا لك الفرصة لتخبرهم بفكرتك…فسرعان ما تكتشف بنفسك انها فكرة خاطئة. فتلتزم الصمت امام الصورة التي يقدمونها لك، صورة شعب متقدم بماضبه.

ذلك الماضي لم يبعدهم عن الحاضر، بالعكس ذاك الماضي جعل منهم قوة عالمية.

المغاربة شعب يعمل، لا تنقصه الكفاءة، ولا الذوق، ولا عشقه للتطور والمكانة العالية…لكن تنقصه دفعة فريدة تجعل تطوره سريعا ومتميزا…ينقصه محرك الماضي الذي من دونه سنكون شعبا اجوفا…وتطورنا غير منسجم مع ارواحنا وغير مبارك من اسلافنا الموجودين معنا…والذين يمثلون قيمة مهمة في الثقافة الامازيغية، بحيث لا شىء سيكون متينا من دون استحضارهم في عملية البناء، كل شىء يتقهقر الى الوراء من دون ذاك الماضي.

اذن، كل من يقول لك لا تتحدث عن الماضي..او، نحن ابناء اليوم وانتم دوما تتكلمون عن الماضي….هو في الحقيقة يقول لك: لماذا لا تريحنا وتقطع نفسك من جذورك.


1- علال الفاسي، “فعالية اللغة العربية”، مجلة “اللسان العربي” (يصدرها المكتب الدائم لتنسيق التعريب التابع لجامعة الدول العربية)، العدد الثالث، سنة 1965، صفحة 8. انظر مقال” النزعة الامازيغوفوبية: نشاتها وتطورها” للاستاذ احمد بودهان


  • 326
    Shares
0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments