الدارجة أم العربية؟


من يتابع النقاش العمومي الذي فتح في المغرب منذ سنة 2013 حول مشكلة الإختيار بين الدارجة والعربية في تدريس المضامين داخل المدرسة المغربية، سيلاحظ ظاهرة دالة، وهو أن هذا النقاش لا يحيل على الأبحاث العلمية التي أجريت ونُشرت في أماكن مختلفة من العالم، حتى إن المرء قد يستنتج من غيابها أن العلماء أغفلوا دراسة هذه النقطة بالذات وأن مسألة الإختيار بين اللغتين هو مجرد مسألة “ذوق” و”ميولات شخصية”. مما سنبينه في هذا المقال أن علماء اللسانيات التطبيقية درسوا موضوع الإختيار بين اللغة الأم واللغة المتعلمة في تدريس المضامين بعناية كبيرة وخرجوا بنتائج مهمة ينبغي أن يطلع عليها الرأي العام المغربي والمثقفون المغاربة.

الهدف من هذا المقال أن أجيب عن السؤال التالي: ماذا يقول العلماء المتخصصون في أمر اللغة التي ينبغي استخدامها في تدريس المضامين (كالرياضيات والعلوم الطبيعية والجغرافيا)؟ هل صحيح أن استعمال اللغة الأم (كالدارجة والأمازيغية) في المغرب ضروري ليستوعب الأطفال المضامين التي يتعلمونها في المدرسة؟ أم أنّ استعمال لُغة مُتَعلّمة (ليست لغة أما؛ يتعلمها التلاميذ في المدرسة) يُمكِّن التلاميذ من استيعاب المضامين العلمية بشكل أفضل؟ أيهما أفضل في تدريس المضامين العلمية للتلاميذ: استخدام اللغة الأم (كالدارجة والأمازيغية)، أم استخدام لغة مُتعلَّمة (كالعربية والفرنسية)؟

سأبدأ أول بنقد الحجج المغلوطة Fallacious arguments التي تستعمل في نقاشات العوام بخصوص هذا الموضوع مبينا أنها تنبني على أربعة أنواع من المغالطات وهي مغالطات “الثقات”، ومغالطات “الخدر اللغوي”، ومغالطات “الخلط”، ومغالطات “التهريب”. بعد ذلك سأعرض ما يقوله العلماء المتخصصون بهذا الخصوص وما وصلوا إليه بناء على أبحاثهم الدقيقة ومعطياتهم الغزيرة.

الهدف الأساسي لهذا المقال هو تحرير الرأي العام من عناصرالدّجل والأدلجة والوهم التي تنخر فهمه لهذا الموضوع.

أولاـ مغالطات

من خلال تتبعنا لنقاشات الرأي العام المغربي لمشكلة اختيار اللغة التي ينبغي استعمالها في المنظومة التربوية المغربية في “الفضاءات العمومية” كالصحافة ووسائل التواصل الإجتماعي، لاحظنا أن هذا الرأي العام (بغض النظر عن اختياراته واتجاهاته) ينطوي على مغالطات كثيرة صنفناها في أربعة أنواع وهي: مغالطات “الثقات” ومغالطات “الخدر اللغوي” ومغالطات “الخلط” ومغالطات “التهريب”. وفي ما يلي شرح لكل مغالطة من هذه المغالطات وكشف لمواضع الوهم فيها.

1ـ مغالطات “الثقات”

نقصد ب”مغالطات الثقات” أن يبني المتدخل رأيه في الشأن اللغوي بالمغرب على أساس أن “المفكر العظيم” الفلاني عبر عن رأيه في الموضوع وأن رأيه أولى أن يُتّبع لأنه “مفكر عظيم” و”ثقة” من “الثقات” التي ينبغي الإنصات لها واعتبار آرائها. من ذلك أن يقول القائل: “إن عبدالله العروي قد انتصر لفكرة تدريس المضامين باللغة العربية. فهل نترك رأيه، وهو مفكر عظيم؟ أم نتبع رأي عيوش وهو مجرد رجل أعمال لا علاقة له بموضوع اللغات أصلا؟”

وجه التغليط في هذا النوع من الإحتجاج أن صاحبه يفترض أنه ما دام عبدالله العروي “مفكرا عظيما” فلا بد أن يكون رأيه صحيحا، بدون أن يتحرى التدقيق في وصفه للرجل ب”المفكر العظيم”. فتخصص العروي الدقيق هو “التاريخ” وتخصصه الثاني هو “الفلسفة والفكر”، بينما يحتاج بناء رأي سليم في أمور اللغة إلى اللسانيات وفروعها، كاللسانيات التطبيقية واللسانيات التاريخية واللسانيات الإجتماعية ــ وهي علوم لا يدعي العروي أنه متمكن منها. فإذا كنت تثق أن العروي سيمدك برأي علمي دقيق في مسألة من مسائل اللغة (كمسألة اللغة التي ينبغي التدريس بها)، فلماذا لا تثق أن سيمدك برأي حصيف في مواضيع أخرى كمواضيع التغذية (فتستشيره في الحِمية!)، وصناعة السيارات (فتستشيره في شأن سيارة تريد أن تقتنيها!).

فمن أمارات عدم تمكن السيد عبدالله العروي من فهم الشأن اللغوي أنه أظهر إدراكا غير ناضج لموضوع اللغة في الحوار الذي أجرته معه إحدى الجرائد الوطنية سنة 2013 عندما انفجر موضوع التدريس بالدارجة المغربية لأول مرة. ولعدم نضج رأي العروي في هذا الشأن مظهران اثنان أولهما أن كلامه يدل على عدم اطلاعه الجيد على اللسانيات التاريخية. من ذلك مثلا أنه ينطلق من فرضيات لم يثبتها العلم اللساني التاريخي بل أثبت عكسها. مثلا: يفترض العروي أنه عندما تستعمل الدارجة حروفا لا تينية فإنها ستصبح لغة مستقلة عن العربية “إذا كان ذلك ممكنا فحینھا ستستقل الدارجة و تصیر لغة قائمة الذات”. والواقع أنه لم يثبت قط في تاريخ اللغات أن تنويعة لغوية ما صارت “لغة قائمة الذات” بمجرد أن تستعمل نظاما هجائيا مختلفا عن ذاك الذي تستعمله الأخرى. فالتركية، مثلا، كانت تستعمل النظام الهجائي الآرامي الذي تستعمله العربية، لكن ذلك لم يجعلها من اللغات السامية التي تنتهي إليها العربية. والمالطية المعاصرة تستعمل الحروف اللاتينية، ولكن ذلك لم يجعلها لغة رومانسية كالإسبانية والفرنسية.

وثانيهما أن معرفته بعلم اللسانيات الإجتماعية معرفة ضعيفة. من ذلك أنه أبان عن فهم غير ناضج لعلاقة العربية بالدارجة المغربية. مثلا: يفترض العروي أن العربية والدارجة المغربية مجرد تنويعتين متكاملتين وظيفيا (مثل الإنجليزية المعيارية والإنجليزيات الجهوية). وهذا غير صحيح. لأن الدارجة المغربية هي نتاج لتمازج الفونولوجيا والمرفولوجيا والتركيب الأمازيغي بمعجم العربية الهلالية والعربية الأندلسية. لذلك فإن الدارجة المغربية نسق مختلف اختلافا جوهريا عن العربية وليس مجرد نسخة شفوية دنيا تستعمل في سياقات مخصوصة.

ومن ذلك أيضا حديثه بين الفينة والأخرى عن المفردات “القحة” و”الفصحى” وغير ذلك من الأوصاف التي يستعملها العوام بسبب عدم توفرهم على وعي لساني. فدارس العلم اللساني يدرك بأن لا وجود أصلا لشيء إسمه “المفردات الفصيحة”، لأن كل وضعية لسانية مرتبطة تأثيرا وتأثرا بوضعيات لسانية سابقة لها (تاريخيا) أو متاخمة لها (جغرافيا).

ومن أشكال الخلط التي أظهرها العروي في حواره أنه لا يميز بين معنيين مختلفين “للغة الأم”: المعنى التاريخي، كأن نقول بأن البروتوأمازيغية هي أم أمازيغية الأطلس، والمعنى النفسي اللساني والإجتماعي اللساني، كأن نقول بأن “الدارجة هي اللغة الأم لفلان”. فيمكن أن تكون العربية الهلالية لغة أما للدارجة بدون أن يعني هذا أن العربية الهلالية هي لغة بالمعنى التاريخي، دون أن يعني ذلك أنها لغة أم لمتكلم الدارجة بالمعني النفسي والإجتماعي.

ومن مظاهر السذاجة اللسانية للعروي أنه اعتمد على أقوال ابن خلدون في توصيف تطور اللسان العربي رغم أن ابن خلدون نفسه لم يكن يملك وعيا لسانيا لأنه كان يعتقد بأن لسان معقل وسليم وبني هلال، الذين غزووا أرض تامازغا في القرن الحادي عشر الميلادي، صيغة “فاسدة” للسان العربي “الفصيح” لم يحتفظ من هذا اللسان سوى على “الوضع”. والعارف بشأن العربية الهلالية يدرك بأن هذه التنويعة اللغوية تختلف بنيويا ومعجميا عن العربية الكلاسيكية اختلافا مهما لم تدرس كل ملامحه بعد. لذلك فالإعتماد على تصريحات ابن خلدون غير التاريخية نوع من السذاجة الإبستيمولوجية لا ينبغي أن يسقط فيه من يدعو إلى “التاريخانية”.

فلا ينبغي، إذن، أن نبني اختياراتنا المستقبلية لما ينبغي أن يكون عليه الشأن اللغوي في بلدنا على رأي إنسان فقط لأنه “مفكر عظيم”. سيفيدنا العروي بشكل أفضل عندما نقرأ مصنفاته في التاريخ وتعريف المفاهيم الفلسفية. لكننا لن نستفيد ـ بل سنتضرر كثيراـ إذا ما اعتمدنا على آرائه في موضوع اللغات.

نفس المغالطة يسقط فيها الطرف المدافع عن استخدام الدارجة في تدريس المضامين عندما يقولون ما مفاده: “لقد أثبت خبراء اليونيسكو أن التلاميذ يستوعبون بشكل جيد إذا ما دُرِّسوا بلغاتهم الأم”. وجه الضعف في هذه الدعوى أنه لا يصرح بهؤلاء الخبراء وبمجالات خبرتهم وبأبحاثهم التي أثبثوا بها ما أثبثوا. فعندما حللنا المادة الببليوغراية التي بنيت عليها وثيقة “اللغة الأم مهمة: اللغة المحلية بصفتها مفتاحا للتعليم الفعال” Mother tongue matters: local language as a key to effective learning التي صدرت عن اليونيسكو سنة 2008 والتي تدعو إلى تدريس المضامين للأطفال على الأقل في السنوات الأولى من التعليم و التي يعتمد عليها الداعون إلى استعمال الدارجة في التدريس ـ عندما حللنا هذه المادة البيبليوغرافية تبين لنا أنها مكونة من 47 بحثا موثقا، سبعة منها فقط من إنجاز اليونيسكو نفسها. والأبحاث الأربعون التي اعتمدت عليها الوثيقة أنجزت في مناطق مختلفة من العالم تتميز بظاهرة التعدد اللغوي.

لذلك فقيمة رأي الداعين إلى استخدام الدارجة في المنظومة التربوية المغربية رهينة بقيمة هذه الأبحاث وعلميتها. فالعمدة في سلامة الرأي وحصافته ليست هي بناء الرأي على ما تقوله منظمة اليونسكو أو غيرها من المنظمات المحلية أو الدولية، بل ما نتعلمه من البحث العلمي الهادئ والمتين.

خلاصة الكلام أنه لا يجوز أن نعتمد في اختيارنا للغات التدريس على آراء من لم يثبت فهمهم للشأن اللغوي فهما علميا حتى ولو كانوا متخصصين في مجالات أخرى (كالتاريخ والفكر) وحتى ولو كانوا من منظمة دولية ذات شأن (كاليونيسكو). فمناط علمية الرأي وحصافته التحقيق في ما ينبني عليه هذا الرأي من علم.

لا ينبغي أن نبني مستقبل بلدنا على الجهل، بل على العلم.

2ـ مغالطات “الخدر اللغوي”

“الخدر” لغة هو التنمل الذي يصيب أعضاء الجسد فيفقد معه الإحساس بالأشياء. والمقصود ب”مغالطات الخدر اللغوي” كل تلك المغالطات التي يبنيها عوام الناس على فهم خاطئ لظاهرة اللغة ومتعلقاتها ف”تتخدر” بها قدرتهم على الإدراك الصحيح لهذه الظاهرة فيميلون بسبب هذا “الخدر” إلى آراء غير سليمة بخصوص الشأن اللغوي في بلدهم.

من القواعد المنهجية التي قد تحرر عقل الإنسان المغربي من مغالطات الخدر اللغوي، والتي يمكن أن يستهدي بها غير المتخصص في علوم اللسان الذي لا دُربة له في التحليل اللساني فتُحَرِّر فهمه للظاهرة اللغوية من التصورات الخاطئة حول طبيعة اللغات التي تنتشر بين عوامّ الناس وجُهّالهم بشكل كثيرا ما يعوق فهمهم للظاهرة اللغوية ومتعلقاتها ــ من هاته القواعد التي ينبغي الإستهداء بها ما يلي:

1ــ قاعدة “اِحذر من الفهم الخاطئ للثنائيات العلمية”- مثلا: تجنّب التصورات الخاطئة (غير العلمية) التي تنتشر بين العوام كتلك التي يميزون بمقتضاها بين ما يسمونه “لهجة” وما يسمونه “لغة”. فأول درس نقدمه لطلبتنا في أول سنة يدرسون فيها اللسانيات أن هذا التمييز السائد بين عوام الناس مبني على جهل بطبيعة اللغة. فالعلماء يعرفون اللغة بدلالة 13 خاصية تجتمع في اللغة ولا تجتمع في الأنظمة التواصلية الأخرى (كالتواصل الحيواني مثلا). من هذه الخصائص الثلاثة عشرة أن جميع اللغات بدون استثناء تتفرع إلى تنويعات تختلف عن بعضها البعض في على مستوى الصوت والمعجم والتركيب اختلافا هينا لا يمنع التواصل بين متكلمي التنويعات المختلفة إذا كان التفاعل بينهم دائما. لذلك فإن كل “لغة”، بهذا المعنى لهجة وكل “لهجة” لغة. الفرنسية لغة تتضمن تنويعات مختلفة (لهجات مختلفة تختلف بين شمال فرنسا وجنوبها)، ولكنها أيضا “لهجة” من لهجات اللاتينية تنضاف إليها لهجات أخرى كالإسپانية والبرتغالية وغيرهما من “اللغات الرومانسية”Romance languages. العربية لغة تفرعت عنها لهجات مختلفة، ولكنها أيضا لهجة من لهجات لغة جامعة للعربية ولغات أخرى في العائلة السامية.

وقد يختار شعب من الشعوب لهجة من اللهجات فيقررون استعمالها في التواصل الأكاديمي والقانوني والسياسي وغيره من السياقات “العالمة”، كما حدث مع البريطانيين الذين اختاروا لهجة لندن لتكون إنجليزية معيارية يتواصلون بها في السياقات العالمة. فلا يُنقِصُ من لهجة من اللهجات إذا مُعيِرت ولا يجعلها “لغة”، فلم تكن ما دون ذلك قبل أن تُمعير. ولا يزيد شيئا للغة إذا لم تُمعير ولا “ينزلها” إلى مستوى لهجة، فهي لم تكن فوق مستوى لهجة أصلا. لذلك فكل من يقول: “الأمازيغية” ليست لغة بل هي “مجرد لهجة” كأنما يقول: “أنا لست إنسانا” بل اسمي “عبد الرحمن” أو “فاطمة”. وهذا جهل يظلم الإنسان به نفسه بحرمانه من صحيح العلم.

2ــ قاعدة “إحذر من الفهم الخاطئ للمفاهيم العلمية”- مثلا: صحح اعتقادك بأن هناك لغات تخضع لقواعد وأخرى مرسلة على الألسن لا قواعد لها ، فليست هناك لغة لا تنضبط لقواعد نحوية معقدة. لكل لغة قواعد معقدة لا يكون المتكلم واعيا بها يستطيع أن يكشف عنها اللساني بعد أن يدرسها. يسمي العلماء هذه الخاصية بخاصية patterning و مقتضاها أن ا للغة، كيفما كانت هذه اللغة، تتضمن أنساقا (أنماطا نسقية) يمكن أن نعبر عنها بدلالة قواعد مجردة ومعقدة تنطبق على مستوى الصوت، وعلى مستوى بناء الكلمة، وعلى مستوى تركيب الجملة، وعلى مستوى استعمال الجمل في سياقات مخصوصة. فإذا لم يدرس اللساني قواعد لغة ما، فإن هذا لا يعني أن هذه القواعد غير موجودة، لأن مستعمل اللغة يستعملها بشكل غير واع وباستقلال تام عن وعي اللساني بها.

أما ما يسمى ب”التقعيد” codification فليس المقصود به “وضع قواعد للغة من اللغات”، بل المقصود به “اكتشاف قواعد هذه اللغة بدراستها دراسة مفصلة وصياغتها وتصنيفها بما يسهل تعلم هذه اللغة وتعليمها”. وبهذا المعنى فإن الدارجة لم تعد محتاجة ل”التقعيد” فقد أنجزه العلماء اللسانيون المغاربة بتفصيل. من ذلك مثلا العمل الجبار الذي أنجزه اللساني المغربي عبرالرحيم اليوسي الذي صنف كتابا ضخما (عنوانه Grammaire et lexique de l’arabe marocain moderne) وصف فيه نحو الدارجة المغربية ومعجمها بشكل مفصل ودقيق، بالإضافة إلى عشرات رسائل الدوكتوراه والكتب التي ألفت في هذا الشأن ( بل إن صاحب هذا المقال قد بنى نظرية شاملة عن طبيعة اللغة انطلاقا من دراسة له مفصلة عن فاعل الدارجة المغربية في كتاب له مكون من أكثر من 400 صفحة عنوانه Towards and Ontologically Based Syntax).

فلا تلتفت إلى لغط الجهال ممن لا يزال يعتقد أن الأمازيغية أو الدارجة المغربية مجرد كلام مرسل لا تحكمه قواعد ولا ينضبط لقيود نحوية. هذا إمعان في العبث.

3ـ قاعدة “إحذر من الفهم الخاطئ للغتك”- مثلا: لا تلتفت إلا الخطاب الجاهِل الذي يحاول أن يقنعك بأن الدارجة مجرد “لهجة” سوقية لا تصلح سوى للتعبير عن سفيه الكلام. فهذا نوع من اللغط منتشر في وسائل التواصل الإجتماعي حيث تجد كلاما سفيها كثيرا بالدارجة المغربية يستعمله أصحابه دليلا على أن الدارجة لا تصلح إلا لمسفوه الكلام وبذيئه، متناسين أن ليس هناك لغة في العالم لا تستطيع التعبير عن طيب الكلام وسفيهه كليهما، وأن الدارجة المغربية قد استعملت لكتابة أرقى الأشعار في الماضي (تأمل في شعر عبدالرحمان المجدوب وغيره) والحاضر (تأمل في شعر أحمد المسيّح وغيره).

إن ما تحتاجه الدارجة اليوم هو بالضبط ما كانت الأمازيغية في حاجة إليه قبل 4 عقود من الزمان، وهو: التأهيل اللغوي بإنشاء المزيد من معاجم المصطلحات، ونشر الدراسات الموجودة أصلا، والإعتناء بأساليب الكتابة، وتكوين الأساتذة (وهذا أمر لا تزال الأمازيغية نفسها في حاجة إليه)، وفتح معاهد الترجمة لهذه اللغة، وغير ذلك. وهذا عمل لا يحتاج لزمان طويل كما يدعي الممانعون لاستعمال الدارجة في التدريس، بل لقرار سياسي ينهض به ويقبل على إنجازه بدون تردد.

3ـ مغالطات “الخلط”

المقصود ب”مغالطات الخلط” أن يخلط المتدخل بشكل غير منتبه أو بشكل متعمد بين مظهرين من مظاهر أزمة التعليم مسبّبا بذلك لغطا كثيرا في النقاش وزيادة في التغليط وتوتيرا للعلاقة بين مكونات المجتمع. من ذلك، مثلا، أن يخلط المتدخل بين موضوع “اللغة التي ينبغي استخدامها في تدريس المضامين”، وهو شأن قائم الذات ينبغي أن ندرسه بشكل علمي وأن نتخذ في شأنه خطوات منسجمة مع نتائج دراستنا العلمية، وموضوع استخدام ألفاظ دالة على منتجات ثقافية محلية كلفظتي “بغرير”وبريوات” الدالتين على نوعين من الحلوى التي اشتهر المغاربة بصناعتها. الموضوع الأول يتعلق باللغة التي ينبغي استخدامها في تدريس المضامين، أما الموضوع الثاني فمرتبط بإدماج الثقافة المحلية بأسمائها الحقيقية في المقررات الدراسية. الموضوع الأول نقرر فيه بناء على ما يقوله العلماء المتخصصون في اللسانيات التطبيقية، أم الموضوع الثاني فهو مرتبط بما يقوله العلماء المتخصصون في تقييم “ملاءمة المقررات الدراسية”. الموضوع الأول لساني تطبيقي، أما الموضوع الثاني فبيداغوجي تربوي.

من مظاهر “مغالطات الخلط” أيضا أن يخلط المتدخل بين موضوع “اللغة التي ينبغي استخدامها في تدريس المضامين” وموضوع “جودة المقررات الدراسية”. يتعلق الموضوع الأول باختيار لغة تستعمل في دراسة المضامين، بينما يتعلق الموضوع الثاني بإجادة استعمال هذه اللغة وغيرها من الموارد البيداغوجية (كالصور، ونوعية الطباعة، ونوعية الأنشطة، وترتيبها، ودرجة تعقيدها، إلخ) في بناء مقرر دراسي ناجح. نبني اختياراتنا للغة تدريس المضامين على ما يقوله اللسانيون التطبيقيون، بينما نبني اختياراتنا المتعلقة بجودة المقرر الدراسي على أبحاث البيداغوجيين المتخصصين في تقييم القيمة البيداغوجية للمقررات الدراسية.

لاشك أن كل هذا المواضيع (موضوع اللغات وموضوع إدماج الثقافة المحلية وموضوع جودة المقررات) تتقاطع مع بعضها البعض، وتكمل بعضها البعض، وتتداخل مع بعضها البعض. وهل هناك مواضيع في العالم كله لا تتقاطع مع بعضها البعض، ولا تكمل بعضها البعض، ولا تتداخل مع بعضها البعض؟ ألا تقول لنا نظرية “تأثير الفراشة” Butterfly effect بأن تحريك فراشة لجناحيها في اليابان قد يسبب زوبعة في أمريكا الشمالية؟ بلى! .. ولكن العلم الصحيح لا يخلط بين المواضيع فقط لأنها تتقاطع مع بعضها البعض، وتكمل بعضها البعض، وتتداخل مع بعضها البعض. فقد علمنا الإپستيمولوجي الشهير كارل پوپر (في كتاب له عنوانه: The objective knowledge) أن من مهام العالم أن يقطّع المعطيات بطريقة استراتيجية مميزا بين المواضيع بشكل دقيق حتى يدرس كل موضوع بشكل منفرد، ليقوم بعد هذا التقطيع المنهجي بربط المواضيع ببعضها البعض ربطا تركيبيا ذكيا. وسمى كارل پوپر هذه الطريقة في البحث ب”الإستراتيجية التقطيعية”Fragmentary strategy

لذلك ينبغي أن ينتبه المتدخل الجاد إلى أن هناك ثلاث مشاكل تعاني منها المقررات الدراسية المغربية ينبغي الفصل بينها فصلا منهجيا دقيقا ومعالجة كل منها بشكل منفصل، لأن أسلوب تدبير كل منها يختلف عن أسلوب تدبير الأخرى. وهذه المشاكل الثلاثة هي: مشكلة “اللغة التي ينبغي استخدامها في تدريس المضامين”، “مشكلة إدماج الثقافة المحلية في المقررات الدراسية، ومشكلة جودة المقررات الدراسية.

4ـ مغالطات “التهريب”

4ـ المقصود ب”مغالطات التهريب” ما يقوم به بعض المتدخلين في شأن اللغات عندما يهربون النقاش في هذا الموضوع إلى مجالات أخرى ذات اعتبار خاص عند الكثير من المغاربة كالدين والدستور. من ذلك مثلا أن يصرح المتدخل بأن اللغة التي ينبغي أن نستعملها في تدريس المضامين هي العربية (ما يسمونه ب”العربية الفصحى”) لأن العربية هي لغة القرآن، ولأن القرآن “أنزل بلسان عربي مبين”. من هؤلاء أيضا من يذهب في هذه الطريقة من التفكير بعيدا ليصرح بأن الدعوة إلى استعمال الدارجة لتدريس المضامين “إن هي إلا محاولة من العلمانيين لفصل المغاربة عن دينهم الذي هو الإسلام. فإذا نسي الناس العربية، فإنهم لن يقرؤوا القرآن ولن يستطيعوا تدبر نصوصه والتعمق فيها، ولن يستطيعوا فهم الأحاديث وكتب التفسير، ولن يستطيعوا العبادة التي لا تكون إلا بالقرآن مَتْلُوّاً بلغته.”

يفترض هذا الكلام، الموغل في عبثيته، مغالطتان متشابكتان وهما:

1ـ أنه يفترض بأن دراسة المضامين بالأمازيغية أو الدارجة يعني بالضرورة عدم تدريس العربية بصفتها لغة الدين والقرآن،

2ـ وأنه يفترض أن البلدان الإسلامية التي تدرس بلغاتها المحلية قد انفصلت عن دينها وسقطت في الإلحاد والكفر.

الإفتراض الأول مغالط لأنه لا تلازمَ بين تدريس المضامين باللغات المحلية والإمتناع عن تدريس اللغة العربية. فهذا معمول به في معظم الدول الإسلامية حيث تستعمل اللغات الأم في تدريس المضامين وتُدرّس العربية لاحتياج المسلمين لها لا خلاف في ذلك.

الإفتراض الثاني مغالط لأنه مبني على معطى غير صحيح. فمعظم الدول الإسلامية تستعمل لغاتها المحلية في التدريس، وتدرج العربية في مناهجها التعليمية لاحتياج المسلمين لها. من ذلك أن اللغة المستعملة في التدريس عند الأتراك هي اللغة التركية، وعند الپاكستانيين اللغة الأردية، وعند الأفغان لغة الپاشتون، وعند الإرانيين اللغة الفهلوية المعروفة بالفارسية، وعند الماليزيين لغة المالاواي، وهكذا. فهل فصل استخدام هؤلاء الأقوام للغاتهم المحلية بينهم وبين دينهم؟ وهل منعهم ذلك من تدريس العربية في مدارسهم إلى جانب لغاتهم الأم؟

من مظاهر التغليط بتهريب النقاش أيضا أن يصرح المتدخل بأن لا مجال للحديث عن استعمال الدارجة في تدريس المضامين لأن الدستور المغربي لا يعترف إلا بلغتين رسميتين هما العربية والأمازيغية.

المشكل في هذا النوع من الكلام أنه يصعب فهم ما يريد صاحبه أن يرتب عليه من نتائج. فإن كانت النتيجة التي ينوي ترتيبها عليه هي أن الدعوة إلى استخدام الدارجة في تدريس المضامين للتلاميذ الذين لغتهم الأم هي الدارجة لا تنسجم مع منطوق الدستور، فالنتيجة صحيحة (لأن الدستور المغربي لا يعطي أية مكانة اعتبارية للدارجة المغربية؛ وهذه غريبة من غرائبه!). لكن إذا كانت النتيجة التي ينوي ترتيبها على ما يسلم به هي أن تدريس المضامين بالدارجة للتلاميذ الذين لغتهم الأم هي الدارجة هو عمل لا نفع يرجى منه أو أنه عمل ضار، فإن النتيجة خاطئة كما سنبين لاحقا. فالمثقف الملتزم بقضايا شعبه لا يدعونا إلى ما ورد في الدستور ويكتفي بذلك، بل إنه يستشرف الآفاق التي لم يتحدث عنها الدستور ولم يع بها المشرعون ولم يدركها السياسيون. فالمثقف إما أن يكون مثقفا طليعيا، يسبق قومه لاستكشاف الأراضي التي لم يستكشفوها بعد، وإما أنه مجرد “فقيه دستوري” يتأول نصوص الدستور ويخبرنا بما تصرح به وما لا تصرح به.

ثانياـ ما رأي العلماء المتخصصين؟

ماذا يقول العلماء المتخصصون في شأن تدريس التلاميذ بلغاتهم الأم؟ هل هو “ضروري”؟ سأبدأ هذا الجزء من مقالي بتوضيح معنى لفظة “ضروري” في هذا السؤال، لأنتقل بعد ذلك للتفصيل في ما توصل إليه العلماء المتخصصون في هذا الشأن.

1- ما معنى أن تكون اللغة الأم ضرورية في التعلم؟

ماذا يعني أن نقول: “إن تدريس المضامين باللغة الأم ضروري”؟ ما وجه “الضرورة” الذي يقصده العلماء المتخصصون عندما يصرحون بهذا الكلام؟

وجه “الضرورة” في تدريس المضامين باللغة الأم (كالأمازيغية والدارجة) حسب المتخصصين أن تدريسها بهذه اللغة يحقق منافع كثيرة للمتعلم ويجنبه مضار كثيرة تحصل له إذا ما درس هذه المضامين بلغة مُتَعَلَّمة (كالعربية والفرنسية). من مضارّ التدريس بلغة متعلمة بدل اللغة الأم أن استيعاب التلاميذ للمضامين يكون في هذه الحالة سطحيا، وقدرتهم على فهم المشاكل التطبيقية وحلها تكون محدودة، وقدرتهم على التعبير عن المواقف الجديدة تكون ضعيفة، مما يدفع المدرس شيئا فشيئا نحو أسلوب “تعليم الجوقة” Chorus learning لنشرح:

المقصود ب”تعليم الجوقة” chorus learning تلك الأساليب التي تُستخدم في التلقين الذي يعتمد على لغة مُتعلمة عندما يعجز التلميذ عن استيعاب المضامين بطريقة تلقائية وطبيعية، فيضطر إلى حفظ المضامين معتمدا على ذاكرته، بدل أن يفهمها ويختبرها كما يفهم المعلومات ويطور الخبرات بشكل طبيعي في حياته الإجتماعية ومحيطه الطبيعي. من مظاهر هذه الآفة التعليمية التّعَلُّم بالحفظ الحرفي rote learning، والترديد repetition (ترديد التلاميذ لما يقوله الأستاذ بشكل ميكانيكي)، والنمطية في الإجابة typical responses (السعي لإيجاد أنماط جامدة للإجابة عن الأسئلة في الإمتحانات مثلا)، وتعامل المدرس مع تجاوب الجماعة أكثر من تعاملة مع الفردmass teaching (الإكثار من عبارة: “لِنُعد جَماعَةً …” أو ماشابهها). ينتج عن هذه الأساليب من التعليم الناتجة عن استخدام لغة متعلّمة أن التلميذ يفقد القدرة على تعلّم التعلم learning to learn، ويعوضه تدريجيا باستعمال الأنماط التعبيرية الجاهزة، وأساليب التفكير الجامدة.

من مظاهر أسلوب “تعليم الجوقة” أيضا ضعف قدرة التلميذ على فهم المشاكل التطبيقية وحلها. فعندما نستعمل لغة مُتعلّمة لتدريس الرياضيات مثلا، فإن التلاميذ قد يتعلمون الحساب والعمليات الحسابية والمعادلات الحسابية. لكنهم عادة ما يفشلون بشكل كبير في فهم “المسائل الرياضية” وإيجاد حل لها. مما يضطر أساتذتهم أو آباءهم في كثيرمن الأحيان لتفسير المسألة الرياضية باللغة الأم. فالنظام التربوي الذي يعوض اللغة الأم باللغة المتعلمة يكون دائما مضطرا لمضاعفة الجهد: يعطي التوجيهات باللغة المتعلمة ثم يضطر في كثير من الأحيان لتفسير التوجيهات باللغة المتعلمة.

من مظاهر “سطحية” تعلم المضامين بلغة متعلمة أن التلاميذ يكونون في هذه الحالة عاجزين على إنتاج مشاريع تطبيقية projects وعندما يوجههم المدرس لإنتاج مشروع تطبيقي بناء على موضوع تمت دراسته، فمعظم التلاميذ يفضلون البحث عن مواضيع جاهزة (في الإنترنيت مثلا)، أو يطلبون من غيرهم مدهم بها (كما يفعلون عندما يتجهون إلى “مول السيبير” طالبين منه مدهم بنصوص يستعملونها في المشروع)، مما يدفع المدرس بالتدريج نحو تهميش أنشطة المشاريع التطبيقية بعد أن يتضح لهم أن التلاميذ لا يستفيدون منها أي شيء يذكر ماداموا لا يستعملون قدراتهم التعبيرية الخاصة لإنجازها. وهذا ما يفسر استحالة تطبيق بيداغوجية المشروع في السياقات التي لا تدرس فيها المضامين بلغة متعلمة.

لخص متخصصان في اللسانيات التطبيقية (اسمهما Kolawole and Ogini درسا مسألة استعمال اللغة الأم في التدريس في سياق لغة اليوروبا، وبحثهما منشور في Gifted Child Quarterly العدد 49 من ص 111 إلى ص 138) – لخصا فهمهما ل”ضرورة” استعمال اللغة الأم في تدريس المضامين باللغة الأم المحلية في النقاط التالية:

1ـ تدريس المضامين باللغة الأم (كالأمازيغية والدارجة) يمكنه من تجاوز مشكلة عدم معرفته المسبقة بجزء كبير من اللغة المُتعلمة (كالعربية أو الفرنسية).

2ـ تدريس المضامين باللغة الأم (كالأمازيغية والدارجة) يجعل المفاهيم المتعلّمة ملموسة وقريبة وواضحة لأن التلميذ كان يستعملها أو كان يستعمل ما يشبهها في حياته العائلية والإجتماعية.

3ـ تدريس المضامين باللغة الأم (كالأمازيغية والدارجة) يجعل المضامين قابلة للتعلم بشكل كلي أو جزئي حتى عند الأميين الذين لم تتح لهم إمكانية الإلتحاق بالمدارس.

ولخص عالم متخصص آخر (اسمه Webb في كتاب له عنوانه searching for common ground نشر سنة 2010) فهمه ل”ضرورة” استعمال اللغة الأم في سياق الدول الإفريقية التي درست حالاتها بعناية بهذا الخصوص (وهي الدول الإفريقية الواقعة في جنوب الصحراء الإفريقية) ـ لخص ذلك بقوله (الترجمة لكاتب المقال):

“تكشف لنا الدراسات التي تم إنجازها في دول متعددة من جنوب الصحراء أن استعمال لغة غير لغة المتعلم البيتية (learner‘s home language) يفرض على المربين استخدام مناهج في التدريس متمركزة على الأستاذ التي تتضمن (أسلوب) تعليم الجوقة chorus teaching، والترديد repetition، والحفظ memorization، والتذكر recall.

وعبرت الأستاذة الجامعية المتخصصة في بيداغوجيا تدريس الرياضيات Mathematic Education في كتاب لها عنوانه Teaching mathematics in multilingual classrooms نشر سنة 2002 عن الصعوبة التي يتعرض لها التلاميذ بلغة مُتعلمة غير لغتهم الأم بواسطة نظرية مفادها أن التدريس في هذا السياق يخلق ثلاث مآزق dilemma مترابطة، أولهما أن المدرس يكون مضطرا شاء ذلك أم أبى إلى استعمال اللغة الأم بين الفينة والأخرى، ولكنه لا يعرف متى ينبغي استعمالها ومتى ينبغي أن يحجم عن استعمالهاخصوصا وأنه لا يتلقى أي تكوين في هذا الصدد. وثانيهما أنه لا يعرف متى يتردد في السماح للمتمدرسين بالتعبير عن فهمهم للمضامين المُتعلَّمة لأن قدراتهم التعبيرية في اللغة المتعلَّمة، مهما نضُجت، تبقى محدودة جدا بالمقارنة مع قدراتهم التعبيرية في لغتهم، و هي عين القدرات التي يحتاج لها المتعلم لمناقشة المضامين التي يتعلمها. وثالثها أنه لا يعرف متى ينبغي استخدام لغة تقنية محض (كتلك التي نحتاج لاستعمالها في البرهنة الرياضية) ومتى يعبر عن نفس المضامين التقنية بأسلوب الحوار المتداول. فاكتساب المهارات العلمية يحتاج للإنتقال السلس من أسلوب إلى أسلوب بدون أن يغلب استخدام أحدهما على الآخر.

فعندما يدرس المعلم مضمونا من المضامين باللغة الأم فإنه يتخلص من المأزق الأول والثاني، فيبقى له أن يطور مهاراته البيداغوجية في التعامل مع المأزق الثالث فقط لأنه مأزق مرتبط بعلاقة العلم بحياة الناس اليومية وليس مرتبطا باللغة التي نستعملها في التدريس. بهذا المعنى، فإن المدرس الذي يدرس المضامين العلمية بلغة غير اللغة الأم للتلاميذ، فإنه يكون مضطرا للتعامل مع عدد أكبر من المآزق التربوية التي يحملها من يدرسها باللغة الأم.

2- هل دُرس موضوع علاقة اللغة باستيعاب المضامين بشكل جيد؟

هل دُرس موضوع “علاقة اللغة المستعملة باستيعاب المضامين التي تدرس في الفصول الدراسية”؟ عدم الإحالة على هذا النوع من الدراسات في النقاش العمومي الذي انطلق في المغرب المعاصر منذ سنة 2013 إلى اليوم يوحي أن هذا الموضوع جديد غير مطروق وأنه مجرد مسألة سياسية ينبغي الحسم فيها بأساليب سياسية. إلا أن المثير هو أن هذا الموضوع دُرس في سياقات متعددة اللغات كثيرة في العالم كله من طرف علماء متخصصين في اللسانيات التطبيقية والتخطيط اللغوي واتخذت أبحاثهم شكل رسائل دوكتوراه وكتب وأبحاث منشورة في مجلات دولية متخصصة. من رسائل الدوكتوراه المتميزة التي انبنت على منهجية شاملة exhaustive تلك التي دافعت عنها الپروفيسور هووي سارا Sarah Howie وهي الآن محاضرة بجامعة إيدينبورڭ ونشرت سنة 2002. ومن الكتب المرجعية الأساسية في هذا الباب كتاب عنوانه Teaching and learning mathematics in multilangual classroom نشر سنة 2016 جمع فيه Anjum Halai و Philip Clarkson ستة عشر بحثا علميا موثقا حول نفس الموضوع، وكتاب مرجعي آخر لصاحبته Jill Adler عنوانه Teaching mathematics in multilingual classrooms نشرته دار النشر Kluwer سنة 2002.

كما صدرت منذ سنة 1971 حتى سنة 2012 (أي سنة واحدة قبل انفجار موضوع الدارجة / العربية في المغرب) حوالي 51 مجلة علمية محكمة متخصصة في موضوع علاقة اللغة بتدريس مادة الرياضيات وحدها منها مجلة Bilingual Education and Bilingualism صدرت سنة 1998 ، ومجلة The Journal of Multilingual and Multicultural Development صدرت سنة 1980، ومجلة International Journal of Multilingualism صدرت سنة 2000 . وبإحصاء بسيط لمواضيع الأبحاث المنشورة في هذه المجلات يتضح أن حوالي 18 منها تتمحور حول موضوع أداء المتعلم وعلاقته باللغة المستعملة.

أما السنوات الأخيرة (بعد سنة 2012) فقد عرفت انفجارا كبيرا في عدد الأبحاث المنشورة المتعلقة بموضوع علاقة اللغة المستعملة في المدرسة باستيعاب المضامين. فيكفي أن يفحص المرء البيبليوغرافيات في أي بحث من الأبحاث المنشورة في المجلات والكتب ورسائل الدوكتوراه ليتحقق بنفسه من أن هذه الأبحاث أصبحت تعد بالمئات. والغريب أن المتدخلين المغاربة (في موضوع لغات التدريس في المغرب) من فئة المثقفين أنفسهم لا يستعملون المعطيات التي توفرها هذه الأبحاث الغزيرة!

3- منهجية البحث في اللغة الأنسب لتدريس المضامين

ما هي المنهجية التي يستخدمها الباحثون ليثبتوا أن استعمال اللغة الأم “ضروري” (بالمعنى الذي شرحته أعلاه) لاستيعاب المضامين في الفصول الدراسية؟

تتميز المنهجية التي يستخدمها الباحثون ليثبتوا أن استعمال اللغة الأم ضروري لاستيعاب المضامين في الفصول الدراسية منهجية تتميز بالخصائص التالية:

1ـ خاصية التجريبية: كل الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية المحكمة ورسائل الدوكتوراه والكتب المرجعية التي اطلع عليها كاتب هذا المقال تجمع معطياتها من الواقع الميداني لفصول دراسية تضم تلاميذ يتعلمون المضامين بلغات غير لغاتهم الأم. فلا يتعلق الأمر بمجرد تخمينات وتنظيرات و”اقتراحات” بل بمعطيات إحصائية جمعها أصحابها من واقع ملموس.

2ـ خاصية التقييمية: كل الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية المحكمة ورسائل الدوكتوراه والكتب المرجعية التي اطلع عليها كاتب هذا المقال تستعمل تقنية الروائز الأربعة: فيقوم الدارس بتقييم أداء التلاميذ في مادة من المواد (كالرياضيات مثلا) في مجموعتين: المجموعة الأولى تدرس المضمون بلغة متعلمة وتدرس الثانية المضمون بلغتهم الأم. فيقوم الدارس باختبار أداء المجموعتين قبل تدريسهم باللغة الأم أو المتعلمة قبل تدريسهم للمضمون ثم بعده ليقارن بين الأداءين إحصائيا.

3ـ خاصية الموضوعية: لا يستعمل الدارسون في تقييمهم اختبارات من تصميمهم هم (حتى لا تؤثر ميولاتهم الأيديولوجية على النتائج)، بل يستعملون اختبارات معيارية دولية تستعمل في كل مكان بالعالم لاختبار استيعاب التلاميذ للمضامين. لذلك فعادة ما لايتجاوز هامش الخطإ في التقييم معدل 0.63 نقطة.

4ـ خاصية الإحصائية (الكمية): تستخدم كل هذه الدراسات تطبيقات إلكترونية معروفة لتحليل المعطيات كنظام Analysis of variance ANOVA.

ولأن استعمال هذه المنهجية الصارمة في البحث تشير دائما إلى نفس النتيجة، وهي أن التلاميذ يستوعبون المضامين بشكل أفضل عندما يدرسون هذه المضامين بلغتهم الأم، فإن هذه النتيجة علمية موثوق منها.

4ـ اعتراضات ممكنة والرد عليها

قد يعترض على كلامنا بأن العلاقة التي تربط بين اللغة الأم لمتكلمي الدارجة (وهي الدارجة المغربية) واللغة المتعلمة التي تستخدم في تدريس المواد في المغرب (وهي العربية) ليست هي نفس العلاقة التي تربط بين اللغة الأم واللغات المتعلمة في البلدان التي تمت دراسة حالتها. لأن الدارجة المغربية واللغة العربية (“الفصحى”) مجرد تنويعتين لنفس اللغة، أما في تلك البلدان فالأمر يتعلق بلغتين مختلفتين كل الإختلاف كلغة اليوروبا والإنجليزية)، رغم أن التلاميذ في هذه السياقات يدرسون اللغة المتعلمة بشكل جيد قبل وبعد أن تستعمل في تدريس المضامين، وهذا هو واقع الحال.

هذا اعتراض مهم ولكنه مبني على مسلمات مغلوطة. فصحيح أن الدارجة المغربية واللغة العربية مرتبطتان تاريخيا إذ تشتركان في جزء كبير من الوحدات المعجمية والتراكيب النحوية والصرفية، ولكن هذا الإرتباط التاريخي لا يجعل منهما “نفس اللغة” أو تنويعتين لنفس اللغة. والسبب في ذلك أن الدارجة هي نوع من الكريَلة creolization ( = مزج لساني) لتنويعتين عربيتين هما التنويعة الهلالية والأندلسية من جهة والأمازيغية من جهة أخرى. فعلى المستوى المعجمي مثلا تجد بجانب كل مفردة من أصل عربي مفردة من نفس الحقل الدلالي من أصل أمازيغي. فكلمة “باب”، مثلا، من أصل عربي، لكن كلمة “شرجم” من أصل أمازيغي. كلمة “ضاصر” من أصل عربي، وكلمة “باسل” (من “ؤبسيل”) من أصل أمازيغي. كلمة “كدّاب” من أصل عربي، كلمة “بوحاطي” من أصل أمازيغي، كلمة “تمتّع” من أصل عربي، لكن كلمة “تفجج” من أصل أمازيغي. كلمة “فار” من أصل عربي، ولكن كلمة “تيقليت” من أصل أمازيغي. كلمة “الفدان” (في عالم الفلاحة).من أصل عربي، لكن كلمة “أمازير” من أصل أمازيغي. هذا بالإضافة لألفاظ أخرى لا يعرف أصلها فهي خاصة بالدارجة المغربية ك”الجرانة” و”الڭرڭاع”، إلخ.

أضف إلى هذا أن النظام الصوتي للأمازيغية هو أقرب من النظام الصوتي الأمازيغي منه إلى النظام الصوتي العربي، فهي تستعمل نظام التدوير في القاف (“قْتْلْ” بقاف مدورة [بتدوير الشفتين] يعني “صيغة فعل الأمر لفعل قتل”، وبقاف غير مدورة [ببسط الشفتين] يعني “فعل قتل في الماضي، صيغة الغائب المذكر])، والكاف (“كتار” بكاف مبسوطة يعني “كثُر” وبكاف مدورة يعني صيغة الجمع للنعت “كثير”)، والغين (“غبرة” بغين مدورة تعني “الغبار” وبغين مبسوطة تعني “الغياب”). كما تستعمل نظام التفخيم في بعض الأصوات التي لا تستخدم فيها في العربية. من ذلك مثلا تفخيم الباء (“بولة” بباء مرققة تعني المصباح، وبباء مفخمة تعني “البول”)، وتفخيم الراء (“برا” براء مفخمة تعني “شفي”، وبراء مرققة تعني “إبرة”)، وتفخيم الزاي (“زبلة” بزاي مرققة تعني “مؤنث زبل”، وبزاي مفخمة تعني “خطأ جسيم”). من ذلك أيضا أن الدارجة على عكس العربية (ومثل الأمازيغية) لا يغير مد الصائت من المعنى (المد غير فونيمي)، وتقبل بتتابع الصوامت، وتقبل تطابق الفعل بالفاعل بغض النظر عن ترتيبهما، وتستعمل عوائد “الرأس” (مثلا “شفت راسي” = “زريغ إخف إينو”)، وتستعمل حرف الإشارة للتأكيد (“راه شفتو” = “هان زريخت”)، وتستعمل نظاما رباعيا في صيغة الفعل (كلا، ياكل، كياكل، غادي ياكل)، وغير ذلك الكثير من الخصائص الصوتية والصرفية والتركيبية المشتركة بين الدارجة والأمازيغية والتي لا مثيل لها في العربية.

وعليه فإن الدارجة المغربية ليست “عربية محرفة” كما يعتقد العوام، وليست “لهجة” من لهجات العربية (كما نقول “إن إنجليزية لندن هي لهجة من لهجات الإنجليزية المعيارية”)، بل “كَريلة” creolization (مزج لساني تاريخي) (حسب تعريف Willaim Foley ) للعربية الهلالية والأندلسية والأمازيغية.

ولو أراد المسؤولون الخير بهذا البلد لدعموا إجراء بحوث علمية حول درجة فهم الأطفال الذين لم يدرسوا العربية لما يتعلمونه من مضامين باللغة العربية وخصوصا في السنوات الدراسية الأولى، ولو أعطووا لهذه الدراسة العلمية أولوية في ما سمي قبلا ب”تقرير عزيمان”. وقارنوها بدرجة استيعابهم لها إذا ما دُرِّست لهم بالأمازيغية (إذا كانت لغتهم الأم هي الأمازيغية)، وبالدارجة (إذا ما كانت لغتهم الأم هي الدارجة).

خلاصات

نخرج من هذا المقالات بالخلاصات التالية:

1ـ سؤال لغة تدريس المضامين في المدارس المغربية (هل ندرسها للتلاميذ باللغات الأم، كالأمازيغة والدارجة) أم بلغات متعلمة (كالعربية أو الفرنسية) ليس سؤالا تافها، بل هو سؤال مهم يتوقف مستقبل المدرسة المغربية على معالجتنا له.

2ـ لقد درست حالات متعددة في السياقات ذات التعدد اللغوي باستعمال منهجيات تجريبية وتقييمية وموضوعية وإحصائية، فثبت بما لا يدع مجالا للشك أن التلاميذ يستوعبون المضامين بشكل أفضل إذا ما درسوا المضامين بلغاتهم الأم.

3ـ لا يمكن الطعن في هذه الدراسات بدعوى أنها من اليونيسكو (فمعظمها من إنتاج باحثين مستقلين)، ولا يمكن الإعتراض عليها بدعوى عدم وجودها (فهي موجودة وموثقة ويمكن الرجوع إليها لتعميق فهمنا للمشكلة المطروحة).

4ـ كل الإعتراضات التي يقدمها بعض المثقفين و”الرأي العام” مبنية على مغالطات صنفناها في أربعة أنواع وهي مغالطات “الثقات” ومغالطات “الخدر اللغوي” ومغالطات “ا لخلط” ومغالطات “التهريب”.

لذلك فلا بد من فتح مسألة لغة تدريس المضامين على مستوى البحث الأكاديمي الرسمي من أجل اتخاذ قرارات سياسية صارمة في هذا الباب. فلا ينبغي أن تترك هذا الشؤون الخطيرة للمُؤدلِجين والمتطفلين.


عبدالله الحلوي

فاعل أمازيغي ورئيس شعبة الدراسات الإنجليزية بجامعة القاضي عياض ودكتور في اللسانيات

0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments