ما هو العنصر المشترك بين نقيشة دكالة اليوم والتاريخ الأمازيغي القديم؟


لن نجيب على هذا السؤال مباشرة كما جرت العادة على ذلك منهجيا، بل سنعمل على توزيع الإجابة عليه على امتداد هذا النص، وبين فقرة وفقرة سيكتشف معنا القارئ عنصرا محددا من الإجابة يختلف نوعا ما عن الذي سبقه.

ماذا حدث في الولجة؟ بينما الناس منشغلون بزلزال تركيا وسوريا، اختارت ارض دكالة ان تفصح عن سر من اسرارها الكامنة، مزارع يضرب بمعوله الارض فإذا بنقيشة حجرية من العهود التاريخية السابقة توقف عن عمله…. بقية السناريو معروف الآن….

وسائل التواصل الاجتماعي تلقت خبر الولادة لقديسة من الزمن السابق بالكثير من اللغط والكلام بعضه متشنج وآخر مستخف، جرائد الكترونية تحدتث عن الموضوع، تحركت مؤسسات لإستكشاف الأمر. ماذا حدث؟

المزارع كان ينوي حفر حفر بمعوله قصد تثبيث مشاتل أشجار الزيتون…

ماهي علاقة الإنسان الامازيغي بأشجار الزيتون وانتاجها؟ علاقة غدائية يومية مند اقدم عهود التاريخ، استعملت كذلك في الطب، وفي الحروب، ولكن تبقى العلاقة الغدائية بين زيت الزيتون والامازيغ وطيدة جدا وتعتبر مكونا غدائيا حاضرا في موائدهم، وفي كلامهم اليومي… وفي بورصتهم المالية البسيطة…

اذا تجاوزنا هذه المعطيات ورجعنا بشريط الأحداث الى الازمنة التاريخية القديمة التي تنتمي إليها نقيشة الولجة التي اكتشفت بسبب اشجار الزيتون، سنجد ان لاغصانها المباركة والمقدسة العديد من الادوار الثقافية والاجتماعية، وهنا سنعمل على سرد بعض المعلومات التي توصلنا اليها اثناء حفرنا في بعض بطون امهات مصادر التاريخ والتي تحدتث عن عادة تكريم الأبطال المتوجين في شتى المنافسات بوضع غصن الزيتون فوق رؤوسهم، وهي عادة انفرد بها الامازيغ في حوض البحر المتوسط، غير ان مسارات التاريخ لم تكن دائما في صالح الامازيغ، وتعرضت مساهماتهم الرمزية للكثير من السطو من قبل اقوام آخرى بما فيها عادة تكريم الأبطال بوضع غصن الزيتون فوق رؤوسهم كما أشرنا الى ذلك سابقا….

وعليه لا يمكن ان نقلل ادن من حجم مساهمة الأمازيغ في بناء رموز حضارة البحر الابيض المتوسط، ولكن عادة توثيق الشعوب لمساهمتها ليس على ما يبدو عادة امازيغية، وهذا كلام آخر. مع العلم ان سجلات التاريخ الأمازيغي تعرضت للتلف وفي احسن الاحوال الى التزوير والتصحيف ونسبها الى غيرهم من الاقوام والشعوب وهذا ما تؤكده كتب التاريخ وكتب الملاحم الادبية وغيرها. فعادة تكريم الأبطال بهذه الطريقة ظلت موشومة في ذاكرة الامة الامازيغية الى الامد القريب، هذه العادة انتقلت الى اوروبا بفعل عمليات الاحتكاك والمثاقفة بين الامازيغ وشعوب البحر الأبيض المتوسط بما فيها روما، التي عملت على احتكار هذه العادة وعمل الأباطرة الرومان على نسبها لأنفسهم، وفي خضم ذلك سوف يتجه الامازيغ إلى ابداع اشكال رمزية جديدة لتكريم الأبطال المتوجين وفي هذا الإطار ظهرت العمامة، الرزة او تخاسيت، كما وشحوا كذلك رؤوس الأبطال المتوجين بريش النسر، ومع مرور الوقت عملوا على حياكة السلهام وقاموا بصباغته باللون الأرجواني الذي استخرجوه من صدفيات البحر وخاصة منها المعروفة في اللغة الأمازيغية “بتركنوزت”، التي استخرجوا منها اللون الاورجواني كلون خاص بهم ومن اكتشافهم، اكتشاف ينم عن مدى التطور الذي عرفته كمياء الالوان في الحضارة الامازيغية القديمة، وتسجل كتب التاريخ ومصادره القديمة، وتحدتث عن غيرة امبراطور روماني من ملك امازيغي سرق الاضواء في استقبال حاشد في روما من طرف الامبراطور، وذلك بفعل لون برنسه الارحواني الجميل، فما كان من الامبراطور الا ان أمر بزج رأس الملك الأمازيغي والسطو على برنسه، وخرج به الى الناس. ومع تطور الازمنة التاريخية واكتشاف المعادن النفيسة من ذهب وفضة عمل الامازيغ على ضرب الحلي وصياغتها من الفضة وفي هذا الصدد اهتدى الصانع الأمازيغي الى اختراع الاكليل، واطلق عليه باللغة الامازيغية إسني، ووضعوه على رؤوس الأبطال تكريما لهم وعرفان بمجهوداتهم وتضحياتهم.

هذه العناصر المترابطة تجعلنا لا نشك ابدا في مضامين نقيشة الولجة، والتي جاءت في سلسلة من المقالات كتبت من طرف احد الفيلولوجين الأمازيغ الكبار. كما تجعلنا من ناحية آخرى نقر بصواب ما ذهب اليه بعض المؤرخين الأمازيغ في العقود السابقة، ونالهم في سبيل ذلك ما نالهم في سبيل اظهار غنى ورقي الحضارة الامازيغية ومنافستها لمثيلاتها في حوض البحر الابيض المتوسط والذي يعرف منافسة شرسة بين أقوامه وشعوبه على التفوق والتميز الحضاري وخصوصا ما يتعلق بالجانب الرمزي الذي يعتبر على الدوام كاتاليزور قياس مدى تطور حضارة بشرية وتفوقها.

فتكريم الأبطال بأكاليل من فضة او من ذهب لا يمكن ان يقوم به الا شعب له باع طويل في الحضارة وله مقدرا كبير من الغنى المادي والرمزي، ومع تطور الازمنة التاريخية خص الامازيغ الاكليل بالملوك والملكات تقديرا لهم وتمييزا لهم عن باقي الناس، واحتفظوا به للعروس يوم زفافها تقديرا لها وتشجيعا لها على دخول مرحلة جديدة من أفراگ الحياة.

الحسين بوالزيت
صحفي وباحث في التاريخ


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments