التهجم على الأمازيغية
سنتناول في هذا المقال الموضوع الذي صار واضحًا ويثير العديد من الأسئلة، ويهم التهجم الممنهج على الحركة والثقافة الأمازيغية. فيتضح أنه تَمَّ خلال الشهور والأسابيع الأخيرة حملةُ تهجم ممنهج وموجه ضد الحركة والثقافة الأمازيغية بالمغرب، تعمل على عدة مستويات وبصفات متعددة.
الأولى: تتقمص الصفة الإعلامية والنقدية والسياسية المشبوهة التي حاولت إعادة الترويج للافتراءات والتهم المتعلقة بالعلاقة بإسرائيل والصهيونية والتفرقة وخدمة أجندات أجنبية. وقد وضحنا مضمون وأبعاد وموجهي هذه الفئة في مقالات سابقة خلال الأيام الأخيرة.
والثانية: تهم التهجم المتزايد على الثقافة والموروث الثقافي والاحتفالي الأمازيغي، خاصة “بويلماون” وأشكال تثمينه الفني وتطويره والاحتفال العصري به في القرى وفي المدن بالخصوص، رغم بعض الاختلالات والتوظيفات التي يعرفها تنظيمه واستغلاله. ويحاول هؤلاء تقمص أو انتحال الصفة الدينية والسلفية والحرص على القيم والمجتمع من طرف أشخاص، إما معروفين بتزمتهم وتطرفهم الديني، أو مجهولين ومبتدئين يحاولون إثبات ذاتهم المتطرفة ضد ذاتهم الثقافية والاجتماعية الأمازيغية، خاصة من منطقة سوس، والموجهين في الغالب من طرف الجماعات الإسلامية أو أطراف تعمل على تأجيج الصراع ضد الأمازيغية وتأليب بعض الفئات ضدها.
خصصنا من قبل مقالًا توضيحيًا بخصوص الفئة الأولى، لأن شكل ومضمون خطابها حاول تقمص صفة التحليل والمعلومة والنقد، وسنوضح بعض المعلومات والأسئلة بخصوص الفئة الثانية، لكن بصيغة تناسب صنفها ومضمون ردودها.
أغلبية الأشخاص الذين يتحدثون وينشرون على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة الذين يعبرون عن سلوك الكراهية والسب والشتم والامتعاض، ويدلون بمواقف وأحكام وردود دينية وفقهية في العديد من المواضيع والممارسات والأحداث، سواء الاجتماعية أو الثقافية والفنية أو السياسية والاقتصادية، وخاصة المرتبطة بالأمازيغية وبالحركة والثقافة الأمازيغية، يجب أن يخضعوا لاختبارين أساسيين:
أولًا: التواصل معهم بصفة رسمية من طرف مصالح ومؤسسات الدولة، ومن الأفضل وزارة الصحة ووزارة الأوقاف ووزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي، وإحصاؤهم وجمع بيانات حولهم، خاصة المتعلقة بالجانب الاجتماعي والمهني والوضع الصحي والمستوى التعليمي والمعرفي الفعلي… وإخضاع بعضهم الذين يؤكدون على ردودهم وتشبثهم بخطاب الكراهية والعنف اللفظي، ومنهم بعض المحسوبين على التعليم والجامعات، لفحص طبي وعقلي ونفسي للتأكد من حالتهم الصحية، والتكفل الملزم بالعلاج والمواكبة الصحية والإدماج الاجتماعي والمواطنتي السليم.
ثانيًا: إخضاعهم لفحص تعليمي ومعرفي وأخلاقي، مهما كان مستوى الشهادات أو المهن التي يمارسونها، للتأكد من سلوكهم القيمي والاجتماعي ومستواهم التعليمي والديني الفعلي، واطلاعهم الفقهي، وسلامة المعلومات والأسانيد والأحكام التي يعملون بها أو يعتقدون في صحتها وثبوتها واعتمادها، والتكفل التربوي والمعرفي الملزم بالمتطرفين والجاهلين أو المتنطعين، مهما كان مستواهم المهني والتعليمي وشواهدهم، ومواكبتهم لتحسين أخلاقهم ووضعهم ومواقفهم وسلوكهم الفكري والمواطنتي.
بعد تأكيد سلامتهم وأهليتهم وحد أدنى من المعرفة والاطلاع واعتماد الأسانيد والمراجع الفكرية والفقهية السليمة، يمكن إذ ذاك الحديث عن حرية الرأي والتعبير، وممكنات وأهمية المشاركة في النقاش العمومي، وتطوير أخلاقيات ونتائج التدافع والاختلاف والنقاش الديمقراطي.
فليس كل من اقتنى هاتفًا وحاول تشغيل الكاميرا وتسجيل الفيديوهات والصور ونشرها… ينبغي أن يُدَع وشأنه ورأيه وجمهوره… وليس كل من حفظ بعض ما تيسر من القرآن الكريم أو استمع لحلقات وفيديوهات جهلاء ومشعوذين، وتم استقطابه من طرف جماعات وأطراف معلومة، وتقمص هيئة وارتدى لباسًا أو ردّد عبارات معينة، وبدأ تعلم تركيب الجمل والمفردات باللغة العربية الفقهية، خاصة إذا كان ضحية عقدة اللكنة الأمازيغية، يعتقد أنه يعرف ويمكنه أن ينتج الخطاب ويُحلل ويُحرم، ويقبل ويرفض ويعبر عن صوت الدين والأخلاق ومصلحة الأمة، وهو مجرد ضحية أو جاهل أو متعلم مبتدئ أو أمي.
فإشكالية التعبير والتصوير والنشر في وسائل التواصل الاجتماعي مطروحة بحدة في المجتمعات المتخلفة وذات المستوى المتدني في التعليم والتنمية والقيم والسلوك الاجتماعي والمدني، خاصة المتشبثة بمظاهر التدين والجهل المقدس بدل القيم والسلوكات والمعاملات والفكر والإيمان السليم. وهي غير مطروحة بهذه الحدة والتداعيات في المجتمعات المتقدمة، لأن تقدمها هو بفضل تقدم تعليمها وثقافتها ومؤسساتها وقيمها ومجتمعاتها وأخلاقها ومواطنتها ووعي الأفراد والمجتمع. لكن في مجتمعاتنا، حيث تستشري الأمية والجهل والجهل المقدس والفقر والوعي والفساد القيمي والتجارة بالدين والجهل… يبدو الأمر صعبًا ويتطلب معالجة شمولية وواضحة، إلا إذا كان ذلك اختيارًا في تدبير انقسامية المجتمع وصراعاته وإعادة إنتاجها، ومحاولة محاربة أو محاصرة الأمازيغية ودورها التحديثي والعقلاني والتحرري الفردي والجماعي، وهو أمر غير ممكن ومعاكس لمسار التطور.
وعلى هؤلاء جميعًا أن يعلموا أن الأمازيغية اليوم، ثقافة وهوية وفكر، ونظرة إلى الذات وإلى العالم. وهذا سبق أن وضحناه في مقالاتنا وكتبنا، خاصة “الأمازيغية والمغرب المدهور” و “Amazigh et le vivre ensemble, Essai sur la culture et les Valeurs”، هي الحقيقة الإنسية وتحقق الفكرة في مسار تطور التاريخ ووعي الشعب وروح العصر، بالمفهوم الفنومنولوجي الهيغلي، وحتى بمفهوم نقد الثقافة الجماهيرية الوارد لدى إدغار موران عند حديثه عن الضمور والتآكل الذي يصيب القيم الثقافية الأصلية والروح النقدية لدى الأفراد في مجتمع الاستهلاك، والذي غادر عالمنا قبل أيام ليرتاح في سلام.

باحث في الشأن الأمازيغي، رئيس الجامعة الصيفية أكادير




