الأربعاء 21 أكتوبر 2026ⴰⴽⵕⴰⵙ 21 ⴽⵟⵓⴱⵕ 2026
سياسةكتاب وآراء

الكويرة مغربية وستظل كذلك: السيادة والذاكرة التاريخية والجغرافيا السياسية للجنوب المغربي

مقدمة: بين التعلق الوطني والواقعية الجيوسياسية

تحتل الكويرة، المعروفة في المصادر الإسبانية باسمي «لا غويرا» (La Güera) و«لا أغويرا» (La Agüera)، مكانة فريدة في المخيال الترابي المغربي. فهي تقع في الطرف الجنوبي لشبه جزيرة رأس نواذيبو على الواجهة الأطلسية، في جوار مباشر لمدينة نواذيبو الموريتانية، وبالقرب من الفضاء الحدودي الذي يربط المغرب بإفريقيا الغربية. وتتجاوز أهميتها بكثير حجمها العمراني الحالي، إذ تقع عند ملتقى التاريخ الاستعماري، والمطالب الوطنية، والتوازنات الاستراتيجية بين الرباط ونواكشوط، والجدالات المتعلقة بوضع الصحراء الغربية. وفي هذا السياق، فإن القول بأن «المغرب يمتد من طنجة إلى الكويرة» يعبّر عن تصور قوي للوحدة الترابية المغربية، غير أنه ينبغي دراسته أيضاً بوصفه موضوعاً تاريخياً وسياسياً ودبلوماسياً.

إن الإشاعات التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام مؤخراً، والتي تفيد بأن موريتانيا تسعى إلى الحصول على الكويرة مقابل تعديل موقفها من جبهة البوليساريو، تبيّن حساسية هذه المسألة. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات للتحليل: الوقائع الدبلوماسية الثابتة رسمياً، والتأويلات التي يقدمها المعلقون، وفرضيات المقايضة الترابية. وفي غياب عرض رسمي يمكن التحقق منه، يكون من الخطأ منهجياً تقديم وجود مثل هذه المقايضة على أنه أمر مفروغ منه. وعلى التحليل الأكاديمي بدلاً من ذلك أن يفحص المصالح التي قد تغذي هذه المضاربة، والسوابق التاريخية التي تبني التصورات المغربية والموريتانية، وكذلك قيود القانون الدولي.

والأطروحة المدافَع عنها هنا مزدوجة. فمن جهة، يندرج التعلق المغربي بالكويرة ضمن تصور تاريخي للوحدة الوطنية، صاغته ذاكرة الحضور المغربي في الصحراء وتجربة التجزئة الاستعمارية. ومن جهة أخرى، فإن الدفاع عن موقف وطني دائم يقتضي التمييز بين القناعة السياسية والبرهنة القانونية: فلا الشعارات الوطنية ولا الحسابات الجيوسياسية المفترضة يمكن أن تحل محل فحص السندات التاريخية والصكوك الدولية والواقع الدبلوماسي. وهكذا تكشف مسألة الكويرة عن معضلة مركزية في المغرب العربي المعاصر: كيف يمكن التوفيق بين الذاكرة الترابية والسيادة المُطالَب بها والتعاون الإقليمي والتسوية السلمية للنزاعات؟

الكويرة في الجغرافيا التاريخية للمغرب: الذاكرة الترابية والإرث الاستعماري

لفهم مكانة الكويرة في الوعي الوطني المغربي، ينبغي وضع هذه البلدة في إطار التاريخ الطويل للعلاقات بين السلطة الشريفة والقبائل الصحراوية وفضاءات التنقل عبر الصحراء. فقبل إقامة الحدود المعاصرة، كانت الصحراء الغربية والمناطق المقابلة لموريتانيا الحالية تشكل فضاءً من العلاقات التجارية والدينية والقبلية والسياسية، لا يمكن حصره بسهولة في مقولات الدولة الحديثة الترابية. فالطرق القافلية، وشبكات العلماء المسلمين، والانتماءات الطرقية، وروابط البيعة، والمبادلات بين سكان الشمال والجنوب، كلها كانت تشهد على جغرافيا بشرية أكثر مرونة بكثير من تلك التي سيفرضها الاستعمار الأوروبي.

وكان المغرب ما قبل الاستعمار دولة شريفة تُمارَس سلطتها وفق أشكال متفاوتة، تجمع بين السلطة الأسرية والبيعات القبلية والمرجعيات الدينية والعلاقات التجارية. وتبيّن أعمال بينيل (Pennell، 2000) حول تاريخ المغرب الحديث إلى أي حد تشكلت الحدود السياسية للمغرب العربي الغربي في إطار التفاعل بين البنى الدولتية المحلية والتدخلات الأوروبية. بيد أن من المبالغة التاريخية أن يُستنتج من وجود شبكات دينية أو علاقات بيعة أن مجموع أراضي موريتانيا الحالية كان يتبع المغرب بشكل موحد ومتواصل. فموريتانيا المعاصرة لم تكن موجودة بعد كدولة مستقلة، لكن غياب دولة حديثة لا يعني تلقائياً أن المناطق المعنية كانت تخضع لسيادة دولة أخرى. وهذا التمييز أساسي كي لا تتحول الذاكرة التاريخية إلى حجة ترابية مبسِّطة.

يشير تعبير «التكالب على إفريقيا» (Scramble for Africa) أساساً إلى السباق المتسارع نحو التقسيم الاستعماري لإفريقيا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، لا سيما بعد مؤتمر برلين (1884-1885). أما سنة 1860 فهي محطة مهمة في التاريخ المغربي، خاصة بسبب الحرب المغربية-الإسبانية ومعاهدة وادراس، لكنها لا تمثل بمفردها بداية التقسيم الاستعماري لإفريقيا. ويجب فهم مسارات موريتانيا والصحراء الغربية من خلال سلسلة من التوغلات الأوروبية والاتفاقيات الدبلوماسية وعمليات ترسيم الحدود التي حوّلت تدريجياً الفضاءات السياسية الصحراوية.

لقد أسهم الاستعمار الإسباني للصحراء الغربية والتوسع الفرنسي في الأراضي المقابلة لموريتانيا في فصل ساكنة كانت علاقاتها التاريخية سابقة على هذه الحدود. وفي سنة 1975، أقرت محكمة العدل الدولية بأن الصحراء الغربية لم تكن أرضاً خلاء (terra nullius) عند استعمارها، وبأنه كانت توجد روابط قانونية للبيعة بين سلطان المغرب وبعض قبائل الإقليم. كما أقرت بوجود روابط قانونية بين الصحراء الغربية والكيان الموريتاني. غير أنها خلصت إلى أن العناصر المعروضة عليها لا تثبت وجود رابطة سيادة ترابية بين الإقليم وبين المغرب أو الكيان الموريتاني، من شأنها أن تستبعد مبدأ تقرير المصير (محكمة العدل الدولية، 1975).

ولا يُنهي هذا الرأي وحده مجمل النقاشات السياسية المعاصرة حول الصحراء الغربية، لكنه يظل مرجعاً قانونياً لا مناص منه. فهو يُلزم بالتمييز بين عمق العلاقات التاريخية وإثبات سند ترابي في القانون الدولي. وبالنسبة للمغرب، ترمز الكويرة إلى الاستمرارية الجغرافية والتاريخية لفضاء وطني تأثرت حدوده بعمق بالاستعمار. لكن التحليل الصارم يقتضي أن يُثبَت بشكل منفصل تاريخ البلدة ووضعها القانوني والترتيبات المنبثقة عن إنهاء الاستعمار والوضع الفعلي القائم اليوم.

الكويرة وشبه جزيرة رأس نواذيبو ومنطق الحدود الاستعمارية

يفسر الموقع الجغرافي للكويرة إلى حد كبير الحساسية السياسية لوضعها. فهي تقع في الطرف الغربي لشبه جزيرة رأس نواذيبو، قبالة مدينة نواذيبو الموريتانية، أي في فضاء تتداخل فيه الجغرافيا الطبيعية والبنى التحتية المينائية والحدود السياسية تداخلاً وثيقاً. وقرب نواذيبو، التي تُعد من أهم المراكز الاقتصادية والبحرية في موريتانيا، يمنح شبه الجزيرة هذه أهمية استراتيجية تفوق حجم الكويرة وعدد سكانها.

وقد عرفت البلدة تاريخاً استعمارياً إسبانياً واندرجت في التنظيم الترابي للصحراء الإسبانية. وقد غيّرت التحولات السياسية بين 1975 و1979 محيطها تغييراً عميقاً. فقد نظمت اتفاقيات مدريد المؤرخة في 14 نونبر 1975 الانسحاب الإسباني وأقامت إدارة مؤقتة تجمع المغرب وموريتانيا، من دون أن تشكل نقلاً للسيادة تعترف به الأمم المتحدة كتسوية نهائية لمسألة الصحراء الغربية. ونص إعلان المبادئ مسجَّل في مجموعة معاهدات الأمم المتحدة (الأمم المتحدة، 1975).

وفي غشت 1979، وقّعت موريتانيا اتفاق سلام مع جبهة البوليساريو وتخلت عن مطالبها الترابية في الصحراء الغربية. ويشكل هذا الحدث منعطفاً في التوازن الإقليمي: فقد انسحبت نواكشوط من نزاع أثقل كاهل مواردها الاقتصادية وتوازناتها السياسية. ثم عزز المغرب حضوره في الجزء الذي يديره من الإقليم، بينما ظل وضعه النهائي مدرجاً على جدول أعمال الأمم المتحدة.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين تخلي موريتانيا عن مطالبها الترابية في الصحراء الغربية والمسألة الخاصة بالكويرة والوضع الفعلي في شبه الجزيرة. فقرب البلدة الجغرافي من نواذيبو، وكذلك مقتضيات أمن وتشغيل الميناء الموريتاني، قد يفسران اهتمام نواكشوط بالحفاظ على الوضع القائم. لكن المصلحة الاستراتيجية ليست في حد ذاتها سنداً للسيادة. وبالمثل، فإن الحضور المادي أو الأمني لا يكفي لإثبات السيادة الترابية من الناحية القانونية.

وهكذا يكشف تاريخ الكويرة إحدى أكثر مفارقات إنهاء الاستعمار في إفريقيا ثباتاً: فالحدود التي سمحت بتشكل الدول المعاصرة هي نفسها التي حوّلت فضاءات التفاعل إلى مناطق فصل. وفي حالة رأس نواذيبو، أفضى تقسيم شبه الجزيرة إلى وضع تترابط فيه مصالح موريتانيا الأمنية والمطالب المغربية والمسألة الأوسع للصحراء الغربية ترابطاً وثيقاً. ومن ثم لا يمكن لحل دائم أن يقتصر على قراءة رمزية للجغرافيا؛ بل عليه أن يراعي الوقائع التاريخية والالتزامات الدولية والاحتياجات الأمنية المشروعة للدول المجاورة.

إشاعة المقايضة: التمييز بين المعلومة والتأويل والفرضية

اتخذ الجدل المعاصر حول الكويرة بُعداً جديداً إثر مقالات نُشرت في أكتوبر 2026. ففي 8 أكتوبر، فسّر عمار بلاني الطلب الموريتاني بإنشاء لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية للصحراء الغربية بأنه تعبير محتمل عن مخاوف نواكشوط من التبعات الترابية لتسوية مستقبلية. وفي 20 أكتوبر، وفي مقال جديد نشره موقع «TSA»، صاغ صراحةً فرضية مقايضة تتعلق بالكويرة، مشيراً خصوصاً إلى إمكانية منح امتياز طويل الأمد لدعم تنمية نواذيبو، مقابل تطور في موقف موريتانيا من السيادة المغربية على الصحراء الغربية (بلاني، 2026أ؛ بلاني، 2026ب).

هذه المقالات وجيهة لفهم ظهور الجدل الإعلامي، لكنها ليست دليلاً على مفاوضات رسمية بين الرباط ونواكشوط. ويجب أيضاً أخذ طبيعتها بعين الاعتبار: فهي تعرض تأويلات وسيناريوهات جيوسياسية، لا نص اتفاق موقَّع، ولا بلاغاً حكومياً يثبت وجود عرض ترابي، ولا تصريحاً ثنائياً يؤكد وجود مقايضة. وليس هذا التمييز شكلياً محضاً. ففي العلاقات الدولية، قد يُحدث تكرار فرضية ما في عدة وسائل إعلام انطباعاً بمعلومة مؤكدة، في حين تستند المقالات أحياناً إلى المضاربة الأولى نفسها.

يمكن التمييز تحليلياً بين ثلاثة سيناريوهات. الأول مقايضة صريحة بين تنازل ترابي أو اعتراف بحقوق موريتانية على الكويرة وإعادة توجيه دبلوماسي بشأن الصحراء الغربية. والثاني ترتيب وظيفي يقتصر على الولوج إلى الميناء والبنى التحتية أو الأمن، دون نقل للسيادة. والثالث مفاوضات أوسع حول تدبير الحدود والتجارة العابرة للحدود والتعاون الإقليمي، تكون الكويرة فيها عنصراً من بين عناصر أخرى. وهذه السيناريوهات لا تتساوى في مداها القانوني ولا في نتائجها السياسية.

وفي هذه المرحلة، يجب اعتبار سيناريو المقايضة الترابية فرضية غير مؤكدة. فمن الممكن أن يفكر فاعلون سياسيون في ترتيبات استراتيجية، لكن لا يمكن استخلاص أي خلاصة جدية دون أدلة وثائقية. ومن ثم، فإن القول بأن موريتانيا ترغب في الحصول على الكويرة مقابل سحب دعمها للبوليساريو ينبغي تقديمه على أنه مضاربة إعلامية، لا قراراً رسمياً للدولة الموريتانية.

ولا يُضعف هذا الحذر بتاتاً تحليلاً نقدياً للمصالح الإقليمية. بل إنه، على العكس، يتيح فصل الوقائع عن التخمينات ويجنّب أن تصبح الإشاعة نفسها عاملاً في التصعيد الدبلوماسي. فمسألة ترابية بهذه الحساسية تتطلب مصادر يمكن التحقق منها ومصطلحات قانونية دقيقة وعناية خاصة بمصالح السكان المعنيين.

موريتانيا والمغرب: مصالح متباينة وترابط استراتيجي

لا يمكن اختزال العلاقة بين الرباط ونواكشوط في تعارض ترابي. فالبلدان يتقاسمان مصالح اقتصادية وأمنية ودبلوماسية تجعل استقرار حدودهما بالغ الأهمية. فموريتانيا شريك أساسي للمبادلات المغربية مع إفريقيا الغربية، في حين يمثل المغرب منفذاً تجارياً وشريكاً استثمارياً محتملاً وفاعلاً دبلوماسياً كبيراً في المغرب العربي. وهذا الترابط يخلق حوافز للتعاون حتى مع استمرار الخلافات حول الصحراء الغربية.

ويجسد معبر الكركرات هذا الواقع. فهو يربط الإقليم الذي يديره المغرب بموريتانيا، ومنها بأسواق إفريقيا الغربية. ولا ترجع أهميته إلى تدفق السلع وحده، بل يمثل محوراً للإسقاط الاقتصادي والدبلوماسي للمغرب، الذي ترتكز استراتيجياته الإفريقية خصوصاً على تنمية المبادلات والاستثمارات والبنى التحتية. وقد تترتب على اضطراب هذا المحور تكاليف اقتصادية جسيمة وتأثير في العلاقات التجارية بين البلدين. ومن هذا المنظور، فإن أمن المواصلات البرية وسلاسة التجارة مصلحتان مشتركتان قد تشجعان على ترتيبات براغماتية.

ومع ذلك، على موريتانيا أن تصون أولوياتها الاستراتيجية الخاصة. فنواذيبو مركز مينائي واقتصادي كبير، تتوقف تنميته على تنظيم الأنشطة البحرية والصيد واللوجستيك والروابط الإقليمية. ومن المعقول إذن افتراض أن نواكشوط تهتم بكل تغيير قد يمس أمن شبه جزيرة رأس نواذيبو أو آفاق تنميتها. غير أن هذا الاهتمام لا يثبت أن الحكومة الموريتانية تطالب رسمياً بالكويرة، ولا أنها تسعى إلى التفاوض على سيادتها.

ويقتضي التحليل الجيوسياسي كذلك مراعاة التوازنات بين المغرب والجزائر وموريتانيا. فقد سعت نواكشوط تاريخياً إلى الحفاظ على هامش من الاستقلال الدبلوماسي في محيط إقليمي مستقطب. وتتيح لها سياسة التوازن الدفاع عن مصالحها دون الانحباس في العداء المغربي-الجزائري. وقد تترتب على أي تغيير جذري في موقفها من الصحراء الغربية عواقب دبلوماسية وأمنية تتجاوز بكثير مسألة الكويرة.

لذلك ينبغي التمييز بين شكلين من التفاوض. الأول معاملة ترابية صريحة، متفجرة سياسياً ومعقدة قانونياً. والثاني تعاون وظيفي يتناول انتقال السلع والأمن الحدودي والولوج إلى البنى التحتية وتدبير الموارد البحرية والاستثمارات. ويتيح هذا المسار الثاني إمكانات أوسع للتسوية، لأنه يستجيب للانشغالات الملموسة للبلدين دون افتراض نقل للسيادة.

والأجدى بالنسبة للمغرب ألا يحول إشاعة إلى أزمة ثنائية، بل أن يدافع عن مصالحه بدبلوماسية وقائية وتوثيق تاريخي صارم وآليات للتشاور. وبالنسبة لموريتانيا، يمكن لتعاون شفاف مع الرباط أن يساهم في صون مصالحها الاقتصادية والأمنية دون المساس بالتوازن الإقليمي. وهكذا تكسب العلاقة الثنائية بالنظر إليها فضاءَ تفاوض بين جارين لا لعبة صفرية.

القانون الدولي: لماذا لا يجوز التعامل مع إقليم كعملة للمقايضة

تُعد السيادة الترابية من المبادئ الأساسية للنظام الدولي. ولا يمكن استنتاجها من مجرد الأهمية الاستراتيجية لبلدة ما أو قربها من ميناء أو وجود روابط تاريخية. فهي ترتكز على عناصر قانونية وتاريخية تُقدَّر قيمتها في ضوء الصكوك المطبقة وممارسة الدول والقواعد الدولية ذات الصلة.

ويكرس ميثاق الأمم المتحدة خصوصاً مبدأ المساواة في السيادة بين الدول ويوجب التسوية السلمية للمنازعات. وتحظر الفقرة 4 من مادته الثانية التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة (الأمم المتحدة، 1945). غير أنه من المبالغة اعتبار كل تعديل ترابي متفاوَض عليه بين الدول محظوراً: فيمكن إبرام ترتيبات ترابية في احترام القانون الدولي والقواعد المطبقة وحقوق السكان المعنيين. فالسؤال الحاسم إذن يتعلق بالأساس القانوني والرضا الصحيح ومدى توافق الاتفاق مع الالتزامات الدولية ذات الصلة.

وفي حالة الكويرة، تكمن الصعوبة خصوصاً في إدراجها ضمن الملف الأوسع للصحراء الغربية. فالرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية سنة 1975 يظل محورياً، لأنه ميّز بين الروابط التاريخية والقانونية السابقة على الاستعمار ومسألة السيادة الترابية ومبدأ تقرير المصير (محكمة العدل الدولية، 1975). ولم تقرر المحكمة أن الروابط التي احتج بها المغرب أو الكيان الموريتاني تشكل سندات سيادة ترابية على الصحراء الغربية. وينبغي التذكير بهذه الخلاصة بدقة، دون أن ننسب إليها مدى لا تملكه.

ولا يمكن إذن تسوية وضع الكويرة بصرامة بمجرد الاحتجاج بشعار «من طنجة إلى الكويرة». فهذا الشعار يعبر عن تعلق وطني وتصور للوحدة الترابية؛ لكنه ليس في ذاته سنداً قانونياً. وبالمثل، فإن عرضاً موريتانياً افتراضياً لا يمكن أن يرتب أي أثر قانوني بمجرد تداوله في وسائل الإعلام. فلا بد من معرفة المضمون الدقيق للاتفاق المتصور والأطراف المؤهلة لإبرامه والوضع القانوني للإقليم المعني والالتزامات الدولية الواجبة التطبيق.

ومشكلة أخرى تتعلق بالتمييز بين السيادة وحقوق الانتفاع. فالامتياز المينائي أو الإيجار الطويل الأمد أو اتفاق الأمن أو حق الولوج الاقتصادي لا يعادل نقلاً ترابياً. وترتيب يسمح لموريتانيا باستخدام بعض بنى الكويرة التحتية، لو كان ممكناً قانونياً وأُبرم صحيحاً، لا يعني بالضرورة أنها تصبح صاحبة السيادة عليها. وبالمقابل، لا يجوز إخفاء نقل للسيادة وراء مصطلحات اتفاق تجاري بسيط إذا كانت آثاره الفعلية ترابية.

لذلك يتعين على الدبلوماسية المغربية تفادي مطبّين: القبول بمناقشة حقوق ترابية استناداً إلى إشاعات، وخلط أي تعاون عملي بتنازل عن السيادة. فالموقف القانوني المتين يتطلب تحديداً دقيقاً لمواضيع التفاوض والتحقق من النصوص المطبقة والتمييز بين المصالح الاستراتيجية والسندات القانونية.

«من طنجة إلى الكويرة»: الشعار الوطني واستعمالاته السياسية

تحمل عبارة «المغرب يمتد من طنجة إلى الكويرة» شحنة رمزية قوية. فهي تقرن طرفي الإقليم الشمالي والجنوبي بتصور للوحدة والاستمرارية التاريخية والسيادة الوطنية. وفي المخيال السياسي المغربي، تعبر عن تطلع إلى تجاوز الانقسامات الموروثة عن الحقبة الاستعمارية وإلى توطيد اندماج الأقاليم الجنوبية في المشروع الوطني.

وتؤدي الشعارات الترابية دوراً مهماً في بناء الجماعات السياسية. فقد بيّن أندرسون (Anderson، 2006) أن الأمة جماعة متخيَّلة، يقوم تماسكها خصوصاً على سرديات تاريخية ورموز مشتركة وتمثلات جماعية. ويتيح هذا المنظور فهم سبب إمكان احتلال الكويرة مكانة كبرى في الخطاب الوطني ولو كان عدد سكانها حالياً قليلاً جداً وأهميتها الاقتصادية المحلية محدودة. فالدلالة السياسية لإقليم ما لا تتوقف على مساحته أو ديموغرافيته وحدهما: بل قد تكمن في قيمته الذاكرية وما يمثله للهوية الجماعية.

غير أن توظيف الشعار ينطوي كذلك على مخاطر. فحين تُفسَّر صيغة للتماسك الوطني في الخارج على أنها مطلب ترابي توسعي، فقد تثير مخاوف لدى الجيران وتعقّد العلاقات الدبلوماسية. ومقال TSA المؤرخ في 8 أكتوبر 2026 يوضح هذه القراءة تحديداً: إذ يفسر كاتبه التأكيد السياسي «من طنجة إلى الكويرة» عنصراً قد يقلق نواكشوط بشأن تبعات تسوية مقبلة للصحراء الغربية (بلاني، 2026أ). ويجب أن ينسب هذا التفسير إلى صاحبه، ولا يمكن مماثلته تلقائياً بالموقف الرسمي لموريتانيا.

والدبلوماسية الفعالة ينبغي أن تميز بين اللغة الموجهة لتعزيز التماسك الداخلي واللغة التي تيسر التفاوض الخارجي. فبإمكان المغرب الدفاع عن سلامته الترابية وذاكرته التاريخية مع توضيح نواياه تجاه موريتانيا. وبإمكانه كذلك التأكيد على مصالحه الاستراتيجية دون تغذية فكرة أن كل انشغال موريتاني هو بالضرورة مناورة عدائية.

فالرهان إذن ليس التخلي عن الرمزية الوطنية، بل ربطها بسياسة خارجية تعطي الأولوية للاستقرار والمصداقية القانونية والتعاون. فالوطنية تزداد قوة حين تستند إلى وقائع يمكن التحقق منها واستراتيجية دبلوماسية متماسكة بدل تضخيم الإشاعات.

الكويرة ومستقبل المغرب: من التنافس الترابي إلى التعاون الإقليمي

يجب أخيراً وضع مسألة الكويرة في إطار الأزمة الأعم للاندماج المغاربي. فإغلاق الحدود بين المغرب والجزائر وغياب تعاون إقليمي منظم واستمرار نزاع الصحراء الغربية تحدّ من إمكانات التنمية الجماعية. وما تزال تقارير الأمم المتحدة تؤكد ضرورة التوصل إلى حل سياسي دائم ومقبول من الأطراف لهذا النزاع، وأهمية انخراط الدول المجاورة في المسار الدبلوماسي (الأمم المتحدة، 2025).

وفي هذا السياق، فإن خلافاً إضافياً حول الكويرة قد يزيد التوترات ويصرف الحكومات عن أولويات مشتركة: التنمية الاقتصادية وأمن الحدود ومكافحة التهريب والقدرة على مواجهة المناخ وتحسين البنى التحتية. وبإمكان التعاون بين المغرب وموريتانيا، على العكس، أن يشكل نموذجاً للبراغماتية الإقليمية، شريطة أن يحترم الالتزامات الدولية ويتفادى تحويل السكان والأقاليم إلى موضوع مقايضة.

ويفترض هذا النهج عدة مبادئ. أولاً، يجب التحقق من أي معلومة تتعلق بمفاوضة ترابية محتملة لدى مصادر رسمية قبل بناء استنتاجات سياسية عليها. ثانياً، ينبغي فصل مسائل السيادة عن الاتفاقات التقنية المتعلقة بالموانئ والطرق والأمن. ثالثاً، يجب أن يتوفر البلدان على آليات دبلوماسية قادرة على معالجة الانشغالات الحدودية دون مزايدة إعلامية. وأخيراً، ينبغي أن تراعي المفاوضات المتعلقة بالصحراء الغربية إطار الأمم المتحدة وحقوق السكان المعنيين.

وبالنسبة للمغرب، يتيح هذا التوجه التوفيق بين الدفاع عن مصالحه الوطنية وطموح إفريقي أوسع. وبالنسبة لموريتانيا، يوفر إمكانية تأمين مصالحها الاقتصادية حول نواذيبو مع الحفاظ على سياسة خارجية مستقلة. وبالنسبة للمنطقة، يساهم في الحد من إغراء جعل الحدود أداة ضغط سياسي.

ولا تكمن القيمة الاستراتيجية للكويرة في موقعها الجغرافي وحده. بل في قدرتها أيضاً على كشف تناقضات النظام الإقليمي: دول تحتاج إلى التعاون لكنها تظل أسيرة خلافات تاريخية وتصورات متنافسة للسيادة وعجز في الثقة. فسياسة حسن الجوار لا تفترض زوال الخلافات؛ بل تقتضي أن تُدار وفق قواعد مستقرة وإجراءات شفافة.

خاتمة: الدفاع عن الكويرة بالذاكرة والقانون والدبلوماسية

الكويرة أكثر بكثير من مجرد بلدة تقع في طرف شبه جزيرة رأس نواذيبو. إنها رمز للوحدة الترابية في المخيال الوطني المغربي، ونقطة حساسة في جيوسياسة الصحراء الغربية، وفضاء تلتقي فيه المصالح الاستراتيجية للمغرب وموريتانيا. ويجب فهم تعلق المغاربة بهذه البلدة في سياقه التاريخي والسياسي، دون الخلط بين قوة الشعور الوطني والبرهنة القانونية على السيادة.

إن التكهنات التي نُشرت في أكتوبر 2026 حول مقايضة محتملة بين الكويرة وتغيير موقف موريتانيا من جبهة البوليساريو تستحق اهتماماً تحليلياً، لكنها لا تسمح بالتأكيد على وجود اتفاق أو على أن معاملة كهذه قد عُرضت رسمياً. وينبغي أن تظل فرضيات الامتياز الطويل الأمد أو الترتيب المينائي أو إعادة التوجيه الدبلوماسي متمايزة ما دامت عناصر يمكن التحقق منها لا تؤكدها.

ويجب أن يرتكز الرد المغربي على هذا الجدل على ثلاث دعائم متكاملة. الأولى تاريخية: فهم التحولات الاستعمارية والعلاقات القديمة التي شكلت الجغرافيا السياسية للصحراء. والثانية قانونية: التمييز بين المطالب الوطنية والسندات الترابية والالتزامات الدولية. والثالثة دبلوماسية: صون مصالح المغرب مع الحفاظ على علاقة بنّاءة مع موريتانيا.

وهكذا يمكن أن تظل عبارة «المغرب يمتد من طنجة إلى الكويرة» تعبيراً قوياً عن الوعي الوطني المغربي. لكن أنجع دفاع عنها لا يكمن في الإشاعة ولا في المواجهة الكلامية، بل في الصرامة التاريخية ومتانة الحجج القانونية واليقظة الدبلوماسية والقدرة على بناء استقرار إقليمي دائم.

ولا ينبغي للكويرة أن تصبح أبداً موضوع مقايضة غامضة. وإذا ما اقتُرحت ترتيبات تخص هذه المنطقة، فيجب فحصها في ضوء القانون المطبق وآثارها الفعلية وحقوق السكان المعنيين. وبهذا الشرط فقط يمكن أن يندرج الدفاع عن المصالح المغربية ضمن سياسة سيادة مسؤولة، قادرة على الجمع بين الذاكرة الوطنية والواقعية الاستراتيجية والسلم الإقليمي.

المراجع

Anderson, B. (2006). Imagined communities: Reflections on the origin and spread of nationalism (Rev. ed.). Verso. (Ouvrage original publié en 1983.)

Belani, A. (2026a, 8 octobre). Pourquoi Nouakchott veut une commission sur les frontières du Sahara occidental. TSA — Tout sur l’Algérie.

Belani, A. (2026b, 20 octobre). La Mauritanie, Lagouira et le Sahara occidental : marchandage en vue ? TSA — Tout sur l’Algérie.

Cour internationale de Justice. (1975, 16 octobre). Sahara occidental : avis consultatif. La Haye : CIJ.

Nations unies. (1945). Charte des Nations unies. San Francisco.

Nations unies. (1975). Declaration of principles on Western Sahara, Madrid, 14 November 1975. United Nations Treaty Collection, vol. 988, p. 257.

Nations unies, Secrétaire général. (2025, 30 septembre). Situation concerning Western Sahara: Report of the Secretary-General (S/2025/612). Conseil de sécurité des Nations unies.

Pennell, C. R. (2000). Morocco since 1830: A history. New York University Press.

محمد اشتاتو

د. محمد اشتاتو أستاذ جامعي ومحلل سياسي دولي

0 تعليقات