كتاب وآراء

الأمازيغية: التنافس الأمريكي – الفرنسي


لم تتأخر دولة فرنسا، الامبريالية العظمى التي استعمرت كل بلاد الامازيغ بشمال افريقيا، واستحوذت ثم نهبت ثرواتهم في الأطلس والصحراء والاوراس ومالي والنيجر، وصنعت بفضل تلك الموارد والثروات النفيسة مجدها الاقتصادي والمالي والصناعي، منذ عام 1830، لم تتردد في الرد على الولايات المتحدة الأمريكية التي كتبت سفارتها في طرابلس عاصمة ليبيا خلال الشهر الماضي، بلاغا رسميا عن اجتماع مع امازيغ ليبيا بلغة تيفناغ والإنجليزية، في سابقة من نوعها في تاريخ سفارة أمريكا وعلاقتها مع ليبيا. فرنسا اختارت أن يكون الرد من مدينة أكادير عبر قنصلها العام هناك، عن طريق خطاب وداع رسمي اتلاه القنصل الفرنسي أمام موظفي القنصلية بعاصمة سوس بلغة أمازيغية فصيحة جدا، مع ضبط لأسماء أماكن ومناطق سوس ونطقها أحسن بكثير الطريقة التي يتم النطق بها من طرف مسؤولين تراببين الذين يسيرون تلك البوادي بسوس والصحراء وكذلك بعض الاعلاميين المغاربة.

فرنسا دخلت حرب السفارات مع أمريكا في شمال إفريقيا عن طريق استغلال الأمازيغية، والدخول في تنافس سياسي استراتيجي لكسب ود الامازيغ، فإذا كانت أمريكا في عاصمة ليبيا طرابلس قد فتحت باب العلاقات القوية مع الامازيغ بعد انتصارهم التاريخي على الجيش العربي بقيادة دول الخليج وسيسي مصر، خاصة بعد تحرير الامازيغ للقاعدة العسكرية الوطية وطردهم لأزلام حفتر ومرتزقته، حيث كتبت أمريكا عبر سفارتها بيان اجتماع بحروف تيفناغ تزامنا مع قرار اختيار مجلس النواب الليبي رسميا إضافة حروف تيفناغ الأمازيغية إلى شعاره الرسمي، وذلك ما يمكن فهمه بتأييد أمريكا لقرارات مجلس النواب وتنبيه حكومة الوفاق بضرورة اعتماد الأمازيغية رسميا في مراسلاتها وفي جميع مؤسسات الدولة الليبية. قلت؛ اذا كانت أمريكا اختارت الكتابة، فإن فرنسا تحدثها بإخراج قنصلها العام ليتحدث الامازيغية والفرنسية مباشرة في خطاب رسمي داخل القنصلية، والحديث بالامازيغية فيه مجهود أكثر لتعلم النطق والتحدث والقراءة.

لكن لماذا اختارت فرنسا الرد على أمريكا من مدينة أكادير ؟ ولماذا هذا التسابق الفرنسي الأمريكي على الأمازيغية؟
قبل ان احاول الإجابة على هاذين السؤالين، لابد من وضع خروج القنصل الفرنسي للحديث بالامازيغية في سياقه الجيوسياسي بالمنطقة خاصة على المستوى الإقليمي، لاسيما حضور الرئيس الفرنسي ماكرون لأشغال قمة دول الساحل والصحراء بالعاصمة الموريتانية نواكشوط بداية هذا الشهر، و ألقى خطابا بالمناسبة متخم بالنزعة الاستعلائية والاستعمارية، ولابد من فهم أعمق وشمولي لتحرك فرنسا وجرها لدول الاتحاد الأوربي خاصة ألمانيا إلى مستنقع الساحل والصحراء. فقد عمل الرئيس الفرنسي على تغليف خطابه بمحاربة الإرهاب وعناوين التنمية البشرية بدول الساحل الافريقي والصحراء، لكنه تحركه لا يختلف عن سابقيه وخاصة هولاند الذي قاد حرب شنعاء في مالي بذريعة محاربة الإرهاب، ولكن في الحقيقة نزوله بالطائرات الحربية على صحراء مالي كان هدفه الوحيد تفكيك دولة ازواد الناشئة في كيدال، ومنع الامازيغ التوارگ من تأسيس دولتهم التي يطمحون لبنائها منذ سنة 1963 أثر ثورة كيدال المجيدية التي سحقها الجيش المالي بقساوة وعنف شديدين، وكانت فرنسا تقرأ تقارير المخابرات الجزائرية التي تتوجس من قيام دولة ازواد في حدودها الجنوبية، وهي المناطق التي تتواجد بها اهم آبار النفط والغاز وهي مناطق توجد ببلاد الهگار التوارگ الامازيغ، وهي كلها ثروات تستغلها فرنسا وجنرالات النظام الجزائري. والجزائر تخاف كثيرا من قيام دولة امازيغية في شمال مالي لأن صحرائها الغنية مهددة لانضمام توارگ الهگار إلى دولة إخوانهم في ازواد، وذلك ما يؤكده التعديل الدستوري مؤخرا في الجزائر الذي سمح بامكانية تدخل الجيش الجزائري خارج حدود البلد، وفعلا بعد إقرار التعديل، ارسلت الجزائر ترسانة قوية من الجيش والعتاد إلى جارتها الجنوبية لدعم دولة مالي الهشة التي فقدت كل سيطرتها على مجموع اراضي الشمال التي تتحكم فيها حاليا قوات حركة تحرير ازواد التي تستقر في كيدال. لن ندخل في نقاش ما تعانيه بلدان الصحراء والساحل من تفشي العنف والفوضى والإرهاب والفقر وانعدام التنمية، ولكن نريد أن نسائل الرئيس الفرنسي الذي قال ان الدولة هشة بهذه المناطق، ما هي اسباب هشاشة الدولة في الساحل والصحراء؟ وما هي اسباب انتشار الفقر مع وجود ثروات معدنية هائلة بهذه الدول كالذهب في مالي والاورانيوم في النيجر… من يسرق هذه الثروات، ثم من هو المسؤول في تهريب الأسلحة ومن أين تأتي هذه الأسلحة اصلا، هل تصنع في مالي وتشاد والنيجر؟!!

فعيون فرنسا تراقب بشدة تحركات الامازيغ في أزواد وفي النيجير وفي ليبيا وفي الجزائر ثم في المغرب. طبعا هي تراقب ذلك بتعاون مع الدول القائمة، كما تتابع تحركات ورهانات دول أخرى في المنطقة، خاصة الدول العظمى أمريكا وروسيا بالدرجة الأولى ثم الدول التي تلعب دور الوسيط او الزبون المجتهد كتركيا والإمارات وقطر والسعودية ومصر.

فرنسا هي تعلم جيدا أن أمريكا نجحت بشكل كبير في النيجر بعد أن خلقت فيه محطات عسكرية كبيرة، خاصة محطة الطائرات بدون ربان، لدعم حضورها العسكري في الساحل وعموم افريقيا، وكذلك لدعم مسلسل الديمقراطية والتعددية السياسية ودعم نزاهة الانتخابات، وذلك ما جعل النيجر تعيش نوعا من الاستقرار السياسي، خاصة بعد السماح للامازيغ بإنشاء أحزاب خاصة بهم وفق مرجعيتهم والسماح لهم بالمشاركة السياسية وفق التناوب والتداول، وهو ما جعل حزب امازيغي اسمه تارنا يستفيد من هذا الانفتاح ويشارك في البناء من داخل المؤسسات، عكس ما هو موجود في مالي حيث الدولة تملصت من بنود اتفاق السلم والمصالحة الذي تم توقيعه بالجزائر العاصمة سنة 2015.
إذن؛ فرنسا لم يرق لها اجتماع أمريكا مع امازيغ ليبيا، وهي تعلم حجم التدخل الأمريكي العسكري والسياسي في النيجر، فلن تسمح لها بكتابة بياناتها بحروف تيفناغ، خاصة ونحن نعلم ان فرنسا فشلت فشلا ذريعا في الحرب الليبية، ولاتزال لعنة أموال القذافي التي صرفها في احدى حملاتها الانتخابية الرئاسية تلاحقها، كما أن فشل ذرعها الاقتصادي شركة طوطال في الاستحواذ على اهم صفقات استغلال الابار النفطية بليبيا وانهزامها أمام تغول منافستها الإيطالية شركة “إيني”، جعل فرنسا تعيش التخبط والتردد والحسرة في سياستها ومواقفها في حرب ليبيا الحالية.

نعود إلى خطاب القنصل الفرنسي بمدينة أگادير، ولن أخوض في أسباب اختيار مدينة أكادير لالقاء خطاب بالامازيغية، وهي المدينة التي اجتمعت فيها الجمعيات الأمازيغية المغربية سنة 1991 واتفقت على ميثاق تاريخي أعلنت فيه صراحة للملك الراحل الحسن الثاني عن مطالبها بشكل جماعي لأول مرة. وهي المدينة التي تستعد لاستقبال دفعة ثانية من القطار الفرنسي الفائق السرعة TGV في السنوات القادمة بعد محور طنجة البيضاء.
ولكن لابد أن نعرج على بعض الخطوط العريضة التي يتميز بها السياق السياسي المغربي الذي جعل فرنسا تتحدث الأمازيغية.

اولا : صعود الحركة الأمازيغية كقوة سياسية كبيرة ومؤثرة داخل النسق السياسي المغربي، خاصة بعد قيام حراك الريف منذ سنة 2016 بعد الانتخابات البرلمانية التي عرفت اكتساح الاسلاميين. خطاب الحركة الأمازيغية حيوي ذات الأبعاد المتعددة، يتموج افقيا وعموديا على شكل حلزوني يخترق كل الفضاءات، خطاب سياسي امازيغي يتجاوز كل أنواع الخطاب السياسي السائدة في المغرب التي وضعتها فرنسا بنفسها منذ الثلاثينات من القرن الماضي، خطاب يطرح بديل ثقافي خارج السياسة المبتذلة، ويطرح إعادة اقتسام الثروة والنفوذ والقرار والقيم، أهَم ما في هذا الخطاب الامازيغي هو السلمية والتعددية والحداثة. والحركة الأمازيغية هي الدينامية الوحيدة التي تمتلك مقومات فكرية وثقافية وسياسية رصينة لمواجهة حركات الإسلام السياسي.

ثانيا: تزامن حديث ممثل الدولة الفرنسية بالامازيغية في مدينة أكادير، مع تصلب الدولة المغربية بالرباط في تطبيق الدستور فيما يخص رسمية اللغة الأمازيغية وتعامل حكومة الاسلاميين معها بنفاق وغدر واستهتار، خاصة فيما يتعلق بالنقاش السياسي والضغط الذي فرضه الامازيغ على مناقشة مشروع قانون البطاقة الوطنية الذي أقر كتابتها بحروف عربية ولاتينية. ويعتبر هذا المشروع اول تمرين رسبت فيه الدولة والاحزاب الممثلة في البرلمان فيما يخص تطبيق الدستور والقوانين التنظيمية التي تحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للامازيغية. هل اختارت فرنسا الحديث بالامازيغية في أكادير في اليوم نفسه الذي تم فيه اقصاء الأمازيغية في البطاقة الوطنية للمغاربة؟

ثالثا: فرنسا تحدثت بالامازيغية داخل قنصليتها بأكادير في هذه الفترة التي بدأت فيها وزارة الداخلية المشاورات مع الاحزاب السياسية بشأن تنظيم الانتخابات المقبلة سنة 2021، وهي الانتخابات التي ستكون في الغالب بدون حزب بمرجعية امازيغية، والذي دخلت عدة فعاليات مدنية وسياسية وجمعوية وفكرية في مراحل لجمع ملفات تأسيس حزب بمرجعية ثقافية وفق ما ينص عليه قانون تأسيس الاحزاب، وهي تحركات ربما علمت بها جريدة كانت قريبة في السنوات الماضية من خطوط المخابرات الفرنسية، ودبجت مقال على صفحتين تتهم فيه الفعاليات الأمازيغية التي تسعى تأسيس حزب بمرجعية ثقافية بالتعاون مع أمريكا وان هذه الأخيرة تدعم الامازيغ لتأسيس حزب، وهي تهم باطلة ومردودة تقوم بعض الأوساط لتشهيرها وتأليب الدولة على الذين يطمحون إلى تأسيس أحزاب سياسية لتفرض عليهم حالة التشتت السياسي والحزبي والولاء لايديولوجيات برانية. وهذا ما يفضح فعلا خروج فرنسا في مدينة أكادير في هذا الوقت بالضبط للحديث بالامازيغية.

مجمل القول؛ فرنسا التي تعرف المغرب جيدا، تبعث برسالة سياسية من مدينة اگادير التي تعتبر وسط المغرب، تبعثها لامريكا وإلى روسيا وتركيا ثم تهمس في اذن المغرب أيضا، ومضمون هذه الرسالة يتجلى في كون الأمازيغية ستكون قاطرة الانتقال الديموقراطي بالمغرب، والامازيغية هي قضية المستقبل. ولعل متن الرسالة الفرنسية التي قالتها بالامازيغية في مدينة أكادير مرسول بالدرجة الأولى إلى سفير المملكة المغربية في العاصمة الفرنسية باريس الذي يقود لجنة النموذج التنموي الجديد، السيد شكيب بنموسى الذي يحاول بمعية لجنته اقتراح مشورع تنموي جديد بدون أمازيغية… فصعب عليه الاتيان بالجديد وشاق عليه أن يتحدث عن التنمية خارج الثقافة والهوية.


0 Commentaires
Inline Feedbacks
View all comments
Back to top button
Close