الأحد 25 أكتوبر 2026ⴰⵙⴰⵎⴰⵙ 25 ⴽⵟⵓⴱⵕ 2026
سياسةكتاب وآراء

النائب البرلماني والأمازيغية: حين تتحول الهيمنة اللغوية إلى معيار للحكم على الآخرين

لم تكن مداخلة النائب البرلماني عمر محمود بنجلون، خلال مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب، مجرد انتقاد للأداء التواصلي لرئيسة الحكومة، كما حاول تقديمها في توضيحه اللاحق. فقد أثارت، في تقديري، إشكالاً يتجاوز الأداء اللغوي لمسؤولة حكومية، ليمس التصورات الاجتماعية والإيديولوجية التي تحدد علاقة اللغة بالنفوذ والمشروعية والهوية الوطنية. ويزداد هذا الإشكال وضوحاً عندما نستحضر النبرة الصوتية الحادة والخشنة والجارحة التي اتسمت بها مداخلته، وما حملته من إيحاءات تتجاوز حدود النقد السياسي إلى مساءلة مشروعية الطريقة التي يتحدث بها الآخرون.

إن أول ما يستوقفنا في هذه الواقعة هو التناقض بين المطالبة بجودة التواصل الرسمي وبين أسلوب النقد المعتمد. فمن حق النائب البرلماني مساءلة الأداء الحكومي، بما في ذلك وضوح الخطاب وسلامة التعبير، لكن هذا الحق لا يمنحه حصانة من مساءلة أدائه التواصلي هو أيضاً. فالخطاب السياسي لا يتحدد بالكلمات وحدها، وإنما كذلك بالنبرة والإيقاع والسياق وما ينتجه من دلالات لدى المتلقين. وليس ارتفاع الصوت دليلاً على قوة الحجة، كما أن خشونة التعبير لا تمنح الخطاب مشروعية إضافية. ومن المفارقات أن يتحول انتقاد التواصل الحكومي إلى ممارسة تواصلية تفتقر هي نفسها إلى الرصانة التي تطالب الآخرين باحترامها.

غير أن الإشكال الأكثر أهمية يتعلق بالتصور الضمني الذي يجعل من لكنة معينة أو طريقة مخصوصة في النطق معياراً للحكم على الكفاءة اللغوية، وربما السياسية، للمتحدث. فمن منظور سوسيولساني، لا توجد لكنة طبيعية واحدة يمكن اعتبارها المقياس المطلق للنطق الصحيح داخل لغة حية. فاللغات تتجسد في استعمالات اجتماعية وجهوية متعددة، وتتفاوت طرائق نطقها تبعاً للتنشئة الاجتماعية والانتماءات الترابية والمسارات التعليمية والثقافية للأفراد. وما يُقدَّم في كثير من الأحيان بوصفه نطقاً سليماً أو راقياً ليس سوى صيغة اكتسبت مكانتها المعيارية بفعل مسارات تاريخية ومؤسساتية محددة.

وقد أوضح بيير بورديو، في كتابه Ce que parler veut dire (1982)، أن اللغة المشروعة لا تفرض نفسها بقيمتها اللسانية وحدها، بل ترتبط بالشروط الاجتماعية والسياسية التي تمنح بعض الاستعمالات اللغوية سلطة الاعتراف. فالنخب المهيمنة، عبر الدولة والمدرسة والإدارة ووسائل الإعلام، تسهم في تكريس لكنتها ونطقها ومعجمها بوصفها معايير للكلام المشروع. وهكذا تتحول خصائص لغوية مرتبطة بمواقع اجتماعية معينة إلى قواعد عامة يُقاس على أساسها كلام الآخرين. ولا يعني ذلك أن التقعيد اللغوي أو توحيد بعض قواعد التواصل المؤسساتي أمر غير مشروع، وإنما يعني أن تحويل الاختلاف في النطق إلى علامة على الدونية أو ضعف الكفاءة هو ممارسة تمييزية تستند إلى تراتبية اجتماعية أكثر مما تستند إلى ضرورة لسانية.

ومن هنا، فإن انتقاد رئيسة الحكومة بسبب لكنتها أو طريقة نطقها، إن كان هذا هو أساس الاعتراض، لا يمكن اعتباره حكماً موضوعياً على أدائها السياسي. فالمسؤول الحكومي يُساءل عن وضوح أفكاره، وتماسك برنامجه، ودقة معطياته، وقدرته على تفسير اختياراته، لا عن مدى مطابقته للنموذج الصوتي الذي تفضله النخب الثقافية والسياسية. والخلط بين الكفاءة التواصلية والمطابقة لكنة مهيمنة يكشف عن استمرار تصور نخبوي للغة، يجعل من الاختلاف اللساني سبباً للتنقيص الاجتماعي.

وهذا الإشكال يكتسب دلالة خاصة في المجتمع المغربي، حيث تتعايش العربية والأمازيغية بمختلف تعبيراتهما، إلى جانب تعدد اللكنات والأنماط اللغوية المرتبطة بالتاريخ الاجتماعي والترابي للمغاربة. إن مطالبة الجميع بالخضوع لنموذج واحد في النطق لا تعكس بالضرورة الحرص على جودة التواصل، بل قد تعيد إنتاج علاقات الهيمنة التي جعلت من بعض طرائق الكلام علامات على الرقي الاجتماعي، ومن غيرها علامات على الهامشية. ومن ثم، فإن الدفاع عن المساواة لا يستقيم مع السخرية من الاختلافات اللسانية أو اتخاذها معياراً للحكم على الأفراد.

ولا ينفصل هذا التصور عن الإشكال الهوياتي الذي أثارته المداخلة. فقد استعمل النائب عبارة «لغتنا الرسمية، ألا وهي لغة الضاد، اللغة العربية»، وهي صياغة تختزل الواقع اللغوي الدستوري للمغرب في لغة واحدة، رغم أن الفصل الخامس من الدستور يقر رسمية العربية والأمازيغية معاً. وليست المشكلة في الدفاع عن العربية، وهو حق مشروع، بل في تقديمها ضمنياً بوصفها المرجع اللغوي الوحيد للمغاربة. إن هذه النزعة الأحادية، بما تحمله من تهميش رمزي للتعدد، تطرح سؤالاً حول مدى تحرر بعض الخطابات اليسارية من الموروث القومي العربي الذي ظل يؤثر في تصورها للهوية الوطنية.

ومن الناحية التاريخية، لا يمكن فهم هذا الموروث دون العودة إلى بعض التحولات التي رافقت تشكل الحركة الوطنية المغربية، خصوصاً منذ الجدل المرتبط بظهير 16 ماي 1930، الذي اشتهر باسم «الظهير البربري». فقد ساهمت بعض التعبيرات الإيديولوجية للحركة الوطنية في بناء تصور للهوية المغربية يتمحور حول العربية والإسلام، مع إضفاء دلالات سياسية سلبية على الخصوصيات الأمازيغية، خاصة حين جرى ربطها بالمشروع الاستعماري. غير أن التحليل التاريخي يقتضي التمييز بين مقاومة الاستعمار، بوصفها ممارسة تحررية، وبين المواقف الإقصائية التي ظهرت في بعض خطابات الحركة الوطنية تجاه الأمازيغية. كما لا يجوز تعميم هذه المواقف على جميع الفاعلين الوطنيين أو اعتبارها ثابتة دون تحول منذ سنة 1930.

وقد انتقلت عناصر من هذا التصور إلى بعض التيارات القومية واليسارية المغربية، حيث جرى أحياناً تقديم الوحدة اللغوية والثقافية باعتبارها شرطاً للوحدة السياسية، والنظر إلى المطالب الأمازيغية من زاوية الخوف من التجزئة أو تهديد الانسجام الوطني. وهنا يظهر التناقض بين المرجعية التحررية التي تعلن الدفاع عن المساواة والعدالة الاجتماعية، وبين استمرار تصورات مركزية لا تعترف بالتعدد اللغوي والثقافي إلا ضمن حدود تحددها النخب السياسية المهيمنة.

وفي هذا السياق، يثير استدعاء النائب لأسماء المقاومين والمناضلين ذوي الأصول الأمازيغية إشكالاً منهجياً آخر. فعبد الكريم الخطابي وموحا أوحمو الزياني وغيرهما من الشخصيات التاريخية لا يمكن تحويلهم، بأثر رجعي، إلى ممثلين لمشروع حزبي معاصر. فالانتماء الأمازيغي لا ينتج بالضرورة انتماءً يسارياً، كما أن المشاركة في مقاومة الاستعمار لا تمنح أي تيار سياسي حق احتكار الإرث التاريخي للمقاومة. إن التاريخ ليس رصيداً رمزياً يوظَّف لإثبات أصالة الأحزاب، وإنما موضوع للبحث في سياقاته الاجتماعية والسياسية الخاصة.

أما الحزب الاشتراكي الموحد، الذي يستند إلى مرجعية يسارية ديمقراطية، فإن مساءلة بعض الخطابات الصادرة عن المنتمين إليه أو المرتبطين بتحالفاته لا تعني إنكار مواقفه المعلنة بشأن الاعتراف بالأمازيغية. لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى الانسجام بين المبادئ الديمقراطية المعلنة وبين الممارسات الخطابية الفعلية. فالتقدمية ليست صفة تُكتسب بمجرد الانتماء التنظيمي، وإنما موقف فكري وأخلاقي يتجسد في احترام الاختلاف، وفي نقد علاقات الهيمنة، بما فيها الهيمنة اللغوية والثقافية.

ولا ينبغي، في المقابل، اختزال الأمازيغية في هوية سياسية أو مكون تراثي جامع. فهي واقع تاريخي واجتماعي ولساني متنوع، تتجذر تعبيراته في الترابات المغربية، ولا يمكن اختصارها في نموذج لغوي معياري واحد أو في مشروع مركزي لإعادة تشكيلها. إن الاعتراف الفعلي بالأمازيغية يقتضي احترام لغاتها الحية، وشروط تداولها وتطورها، وحقوق الأفراد في استعمالها داخل المجتمع والمؤسسات. كما أن الدفاع عن رسميتها لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإضفاء المشروعية على سياسات لغوية تعيد إنتاج المركزية باسم الوحدة.

أما بخصوص الاعتمادات المالية المخصصة لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فإن النقاش الجدي لا يتعلق بالمزايدة حول رقم ملياري درهم، وإنما بمدى ترجمة الموارد العمومية إلى حقوق فعلية. فالمعيار ليس حجم الاعتماد المعلن وحده، بل طريقة توزيعه، ونسب تنفيذه، وآثاره على التعليم والإدارة والقضاء والخدمات العمومية، وعلى قدرة المواطنين على استعمال لغاتهم دون تمييز. ولا يكفي وصف هذه الاعتمادات بالوهمية دون أدلة ميزانياتية، مثلما لا يكفي الإعلان عنها لإثبات نجاح السياسة الحكومية.

إن ما يستدعي النقد في هذه الواقعة هو استمرار التوتر بين خطاب سياسي يعلن انحيازه إلى التحرر والديمقراطية، وبين تصورات ثقافية ولسانية قد تعيد إنتاج الإقصاء الذي يفترض أن ذلك الخطاب يسعى إلى تجاوزه. فمن غير المنسجم الدفاع عن العدالة الاجتماعية مع التعامل مع الاختلاف اللغوي باعتباره نقصاً، أو رفع شعار المساواة مع التسليم بتراتبية ضمنية بين لغات المواطنين ولهجاتهم ولكناتهم. كما أن الدفاع عن اللغة العربية لا يستوجب التقليل من الأمازيغية، ولا يمنح أي طرف حق احتكار تعريف الهوية المغربية.

إن الاعتراض على مداخلة عمر محمود بنجلون لا يستوجب الاصطفاف وراء الحكومة أو الدفاع عن أدائها. فمن الممكن انتقاد رئيسة الحكومة وسياساتها، وفي الوقت نفسه مساءلة التصورات الإقصائية التي قد تتضمنها خطابات معارضيها. بل إن استقلالية النقد تقتضي رفض تحويل القضية الأمازيغية إلى أداة للمواجهة بين الأغلبية والمعارضة، لأن الحقوق اللغوية والثقافية للمواطنين ليست امتيازات حزبية ولا موضوعاً للمساومة السياسية.

وخلاصة القول، إن القضية التي أثارتها مداخلة النائب عمر محمود بنجلون تتجاوز حدود الخلاف حول أداء لغوي أو نبرة صوتية، لتطرح سؤالاً سوسيولوجياً وسياسياً أعمق: من يملك سلطة تحديد اللغة المشروعة واللكنة المقبولة داخل الدولة الوطنية؟ ومن يمنح بعض طرائق الكلام صفة الرقي والصواب، ويحكم على غيرها بالنقص أو الرداءة؟ إن الإجابة لا توجد في قواعد النحو وحدها، بل في تاريخ علاقات النفوذ التي جعلت من لغة النخب ولكنتها ومعجمها معايير يُقاس بها كلام الآخرين. ولذلك، فإن التحرر الحقيقي لا يبدأ بتغيير الخطاب السياسي فحسب، وإنما أيضاً بتفكيك علاقات الهيمنة التي تختبئ خلف ما يُقدَّم بوصفه معياراً لغوياً طبيعياً ومحايداً. فلا ديمقراطية حقيقية مع احتقار الاختلاف اللساني، ولا يسار تحررياً دون مراجعة نقدية لموروثه القومي والمركزي، ولا دفاعاً جدياً عن الأمازيغية دون احترام تعددها التاريخي والاجتماعي واللغوي.

أيتلحو إدريس

أستاذ السوسيولوجيا بجامعة القاضي عياض بمراكش

0 تعليقات