الثلاثاء 27 أكتوبر 2026ⴰⵙⵉⵏⴰⵙ 27 ⴽⵟⵓⴱⵕ 2026
أخبار

الأمازيغية في قانون المالية 2027: صندوق مستقل بـ 2 مليار درهم

تتجه الحكومة المغربية إلى تخصيص غلاف مالي إجمالي قدره مليارا درهم لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، عبر إحداث حساب خاص لدى رئاسة الحكومة، في خطوة تروم تعزيز حضورها داخل الإدارات والمرافق العمومية. غير أن مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، رغم ما تتضمنه من أرقام وبرامج جديدة، تثير تساؤلات بشأن محدودية التدابير المفصلة المتعلقة بالتعليم، وغياب مؤشرات واضحة حول تعميم تدريس الأمازيغية وتوفير الموارد البشرية اللازمة لذلك.

حساب خاص للأمازيغية بـ400 مليون درهم سنة 2027

أفردت مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، في مقطع مستقل يحمل رقم III.8.1.3 عنوان «تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية»، حيزاً خاصاً لهذا الورش، بعدما ظل حضوره في وثائق مالية سابقة مرتبطاً ببنود ضمن صندوق أوسع مخصص لتحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي واستعمال الأمازيغية.

وتعلن الحكومة، وفق المعطيات الواردة في المذكرة، إحداث حساب خاص لتمويل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بميزانية إجمالية تبلغ ملياري درهم على مدى خمس سنوات، من 2027 إلى 2031، مع تخصيص 400 مليون درهم برسم سنة 2027. ويأتي الحساب الجديد تحت إشراف رئاسة الحكومة، بما يوفر للورش إطاراً مالياً مستقلاً يتيح تتبع الاعتمادات المخصصة له ومساءلة الجهات المكلفة بتنفيذه.

وفي المقابل، يتغير اسم الصندوق الذي كان يجمع بين تحديث الإدارة العمومية والانتقال الرقمي واستعمال الأمازيغية، ليصبح «صندوق تحديث الإدارة العمومية ودعم الانتقال الرقمي»، مع حذف الإشارة إلى الأمازيغية من تسميته.

كما تراجعت الاعتمادات المرتبطة بهذا الصندوق من 1.72 مليار درهم سنة 2025 إلى 1.52 مليار درهم سنة 2026، ثم إلى 1.02 مليار درهم سنة 2027. ويتيح تخصيص حساب مستقل للأمازيغية، من حيث المبدأ، تمييز الاعتمادات المرصودة لها عن الميزانيات العامة لتحديث الإدارة، غير أن أثر هذا التحول سيظل مرتبطاً بطبيعة المشاريع المنجزة ونتائجها الفعلية.

حصيلة 2026: 26 مخططاً قطاعياً و120 موظفاً

تستعرض المذكرة عدداً من التدابير التي جرى تنفيذها خلال سنة 2026، من بينها إعداد 26 مخططاً قطاعياً لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، ومواكبة ثماني إدارات تقدمت بطلبات للاستفادة من الدعم، وتعزيز كفاءات 120 موظفاً في مجال التواصل والمصطلحات الإدارية باللغة الأمازيغية.

وفي مجال التواصل المؤسساتي، شملت الإجراءات تحديد النصوص التشريعية والتنظيمية المزمع ترجمتها إلى الأمازيغية، وإعداد معجم للمصطلحات الإدارية، إلى جانب توفير الترجمة الفورية خلال الجلسات العامة لمجلسي البرلمان والندوات الصحفية الأسبوعية للناطق الرسمي باسم الحكومة.

أما على مستوى التشوير والهوية البصرية، فقد جرى اعتماد الأمازيغية على 403 مركبات تابعة للمديرية العامة للأمن الوطني، و512 مركبة تابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بمجموع 915 مركبة مرتبطة بتقديم الخدمات العمومية.

وتتضمن الحصيلة كذلك العمل على تطوير منصة إلكترونية للتعلم عن بعد باللغة الأمازيغية لفائدة التلاميذ، بشراكة مع قطاع التربية الوطنية، فضلاً عن إطلاق مشروع يروم إدماج اللغة في برامج محو الأمية.

ستة محاور لبرنامج سنة 2027

يرتكز البرنامج المعلن لسنة 2027 على ستة محاور رئيسية، تشمل الرقمنة والتواصل المؤسساتي، والتكوين، والتخطيط، والترجمة والتشريع، والإدماج القطاعي، والتحسيس.

في مجال الرقمنة، تعتزم الحكومة إعداد ميثاق لإدماج الأمازيغية في المواقع الإلكترونية الإخبارية، ومواصلة ترجمة المحتويات الرقمية، إلى جانب تعميم استعمالها في لوحات التشوير والتوجيه داخل الإدارات العمومية والجماعات الترابية.

ويمتد هذا التوجه إلى المركبات التي تقدم خدمات عمومية، بما فيها سيارات الإسعاف والنقل المدرسي ونقل الموتى، فضلاً عن البنيات التحتية الكبرى، مثل المحطات الطرقية والمطارات والموانئ والطرق السيارة.

وفي مجال التكوين، تنص المذكرة على إحداث نواة من المكونين الداخليين المؤهلين، وتنظيم دورات متخصصة في التواصل الإداري الشفهي والكتابي بالأمازيغية، بهدف تعزيز الكفاءات اللغوية داخل القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية.

وتتضمن قائمة المؤسسات التي يرتقب التعاون معها مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بطنجة، وجامعة الأخوين، ومركز تكوين مفتشي التعليم، والمعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية، والمعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة.

أما على مستوى التخطيط، فتعتزم الحكومة مواكبة الإدارات التي لم تستكمل إعداد مخططاتها القطاعية، وإطلاق مشروع تجريبي لمواكبة 40 جماعة ترابية نموذجية، بتنسيق مع المديرية العامة للجماعات الترابية، تمهيداً لتوسيع التجربة على المستوى الوطني.

كما يشمل البرنامج إعداد أدلة مرجعية ومعاجم للمصطلحات القانونية والإدارية، بالتعاون مع الأمانة العامة للحكومة، ومواكبة ترجمة نصوص تشريعية وقانونية إلى الأمازيغية، بما يعزز حضورها في العمل البرلماني والمؤسساتي.

ويخصص المحور الخامس لإدماج الأمازيغية في منظومة التربية والتكوين، والإعلام والتواصل، ومجالات الإبداع الثقافي والفني، والمجال التشريعي والتنظيمي. غير أن هذه التوجهات تظل، في عدد من جوانبها، عامة، إذ لا تقترن بتفاصيل دقيقة حول الآليات التنفيذية والنتائج المنتظرة.

أما المحور السادس، فيركز على تنظيم لقاءات تحسيسية للتعريف بالتقدم المحرز، والاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة باعتبارها مناسبة لتقييم المكتسبات وتحديد أولويات المرحلة المقبلة.

التعليم: حضور في الخطاب وغياب في الأرقام

رغم إدراج التربية والتكوين ضمن مجالات إدماج الأمازيغية، فإن أبرز ما يلفت الانتباه في المذكرة هو غياب التزامات تفصيلية بشأن تعميم تدريسها في المؤسسات التعليمية العمومية.

فالقانون التنظيمي رقم 26.16، الصادر في 12 شتنبر 2019، يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم ومجالات الحياة العامة ذات الأولوية. ومع ذلك، لا تتضمن مذكرة مشروع قانون المالية لسنة 2027 خطة واضحة لتوسيع تدريس اللغة في المدارس، ولا تحدد أهدافاً كمية مرتبطة بعدد المؤسسات التعليمية المعنية أو الأساتذة المطلوب تكوينهم أو المستفيدين المتوقعين.

ويقتصر الحضور التعليمي الملموس في المذكرة أساساً على منصة إلكترونية للتعلم عن بعد لفائدة التلاميذ، ومشروع إدماج الأمازيغية في برامج محو الأمية، إلى جانب الإشارة العامة إلى دعم إدماجها في منظومة التربية والتكوين.

ولا تورد الوثيقة أرقاماً حول عدد المدرسين الذين سيستفيدون من التكوين، أو حجم المناصب والموارد البشرية التي يتطلبها توسيع تدريس الأمازيغية، كما لا تقدم تفاصيل بشأن موقع التعليم الخصوصي ضمن هذا الورش.

الذكاء الاصطناعي: فرصة لتوسيع الاستعمال الرقمي

في مقابل محدودية بعض التفاصيل القطاعية، تتضمن المذكرة توجهاً قد يفتح آفاقاً جديدة أمام استعمال الأمازيغية في الخدمات الرقمية، وذلك ضمن خارطة الطريق «AI Made in Morocco».

وينص هذا التوجه على تطوير نماذج وطنية للذكاء الاصطناعي ملائمة للدارجة والأمازيغية والعربية، مع الإشارة إلى نموذجي GemMaroc لمعالجة اللغة وIsMa للنسخ الآلي، في إطار التكامل مع مختبر للبحث والتطوير أُحدث بشراكة مع شركة Mistral AI.

ومن شأن نجاح هذه المبادرات أن يساهم في تطوير أدوات لمعالجة النصوص والتعرف على الكلام وتحويله إلى نص مكتوب، بما قد يسهل تقديم خدمات رقمية بالأمازيغية. غير أن تحقيق هذه الإمكانات سيظل رهيناً بتطوير النماذج وضمان جودتها وتوسيع استعمالها في التطبيقات الفعلية.

شراكة أممية ولجنة وزارية لتتبع التنفيذ

تستند الحكومة في برنامج تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية إلى الالتزامات الدستورية، وتوصيات النموذج التنموي الجديد، والبرنامج الحكومي، مع التأكيد على مقتضيات الفصل الخامس من الدستور والقانون التنظيمي رقم 26.16.

كما تنص المذكرة على تنفيذ البرنامج بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ضمن منظومة مخصصة للقيادة والتتبع، إلى جانب إعادة تفعيل اللجنة الوزارية الدائمة لدى رئيس الحكومة المكلفة بتتبع وتقييم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.

ومن المفترض أن يساهم هذا الإطار المؤسساتي في تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية وتتبع تقدم المشاريع، غير أن نجاعة هذه الآليات ستتوقف على وضوح المؤشرات المعتمدة، وانتظام نشر النتائج، ومدى ارتباط الاعتمادات المالية بأهداف قابلة للقياس.

بين الاستقلال المالي وتحدي التنفيذ

يشكل تخصيص حساب مالي مستقل للأمازيغية، بغلاف إجمالي قدره مليارا درهم على مدى خمس سنوات، تحولاً في طريقة عرض هذا الورش وتمويله. كما يتضمن البرنامج تدابير عملية لتوسيع استعمال اللغة في الإدارة والتشوير والترجمة والتواصل المؤسساتي، إلى جانب مبادرات في الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

لكن المذكرة تترك فجوة واضحة بين الأهداف العامة والتفاصيل التنفيذية، خصوصاً في مجال التعليم، حيث لا تظهر خطة كمية لتعميم تدريس الأمازيغية، ولا أرقام تخص الأساتذة والتكوين والتغطية المدرسية والكلفة المرتبطة بذلك.

ويظل التحدي الأساسي هو تحويل الاعتمادات المعلنة إلى نتائج ملموسة داخل المدرسة والإدارة والمرافق العمومية، مع وضع مؤشرات تسمح بقياس التقدم ومساءلة الجهات المكلفة بالتنفيذ.

فتمويل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لضمان حضورها الفعلي في الحياة العامة ما لم يقترن بسياسات قطاعية واضحة، وفي مقدمتها سياسة تعليمية تحدد كيف ستُدرَّس اللغة، ومن سيُدرِّسها، وفي أي أفق زمني ستتوسع الاستفادة منها.

مشروع قانون المالية لسنة 2027

0 تعليقات